مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

نحو العمل على تطوير منتج خطاب الضمان في المصارف الإسلامية -الدكتور. محمد عود الفزيع عضو في هيئة الرقابة الشرعية في بنكي بوبيان وربة – الكويت –

0 1٬391

بسم الله الرحمن الرحيم

نحو العمل على تطوير منتج خطاب الضمان في المصارف الإسلامية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وبعد،،،

فقد ذهب أكثر الفقهاء المعاصرين إلى أنه لا يجوز للمصرف الإسلامي إلزام العميل في خطاب الضمان بأجرة مقابل مجرد الضمان، لأن خطاب الضمان كفالة، وهي من عقود التبرعات التي لا تصلح أن تكون محلاً للمعاوضة، وإذا رغب المصرف بإلزام عميله في خطاب الضمان بأي رسم فلا يتجاوز الرسم المقدر من المصرف التكلفة الفعلية لإصدار خطاب الضمان، وهذا ما يتسق مع قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 12 الذي نص على أن ( خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان -والتي يراعى فيها عادة مبلغ الضمان ومدته- سواء أكان بغطاء أم بدونه) كما نص القرار ذاته على أن (المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان بنوعيه جائزة شرعًا، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي، يجوز أن يراعى في تقدير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء) وقد علل المجمع لقراره بأن ( الكفالة هي عقد تبرع يقصد به الإرفاق والإحسان. وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العِوَض على الكفالة، لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جر نفعًا على المقرض، وذلك ممنوع شرعًا).

قد يكون للتعليل الذي أسس عليه مجمع الفقه الإسلامي قراره السابق أساس فقهي مستقر لدى الفقهاء المتقدمين، إلا أن تطبيق هذا القرار يؤدي إلى عدم رغبة أكثر المصارف الإسلامية في إصدار خطاب الضمان لعملائها، مع حاجة عملاء المصارف لهذا المنتج المصرفي المهم، كونه يرتبط بكثير من المشروعات والمناقصات الإدارية ونحوها، مما جعل بعض هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية في دولة الكويت والمملكة العربية السعودية تعيد البحث والنظر في هذه المسألة، انطلاقاً من اختلاف خطاب الضمان بطريقة تنفيذه في الأعراف التجارية المعاصرة عن مفهوم الكفالة لدى الفقهاء المتقدمين التي يقصد بها التبرع والإرفاق والإحسان، وقد توصلت إلى أن القول في أخذ الأجرة في خطاب الضمان تختلف من حالة لأخرى وفق التفصيل التالي:

  1. إذا كان خطاب الضمان مغطى من العميل لصالح المصرف؛ فإن الرصيد المدفوع من العميل مقابل التغطية قرض حسن من العميل للمصرف، ولا مانع شرعاً من إلزام العميل بأجرة في هذه الحالة سواء أكانت الأجرة مقطوعة أم منسوبة، لأن المصرف في هذه الحالة وكيل بأجر عن العميل وليس كفيلاً له، ولا يتصور في هذه الحالة أن يؤول الضمان الصادر عن المصرف إلى قرض.
  2. إذا كان خطاب الضمان غير مغطى من جهة العميل لصالح المصرف، فإن العلاقة بين المصرف والعميل على حالتين، هما:

الحالة الأولى: إذا قام المصرف بعمل دراسة ائتمانية بشأن العميل فيجوز للمصرف أن يلزم العميل بأجرة مقابل هذه الدراسة سواء أكانت مقطوعة أم منسوبة، تم تسييل خطاب الضمان  أم لم يتم تسييل الخطاب، لأن هذه الأجرة تقابل الدراسة الائتمانية التي قام بها المصرف لصالح العميل، إلا أن القول بجواز الأجرة في هذه الحالة تشترط فيه الضوابط الآتية:

  • أن يُمكن العميل من الدراسة الائتمانية، وإن لم يطلبها العميل.
  • أن يتم الاتفاق بين المصرف والعميل على إصدار خطاب الضمان بغض النظر عن نتيجة الدراسة.
  • أن يكون محتوى الدراسة متناسباً مع الرسم المقرر، من قبل المصرف.
  • تطبق هذه الضوابط في حال إصدار خطاب الضمان أو تجديده.

الحالة الثانية: إذا لم يقم المصرف بعمل دراسة ائتمانية لصالح العميل، وأصدر لصالح عميله خطاب ضمان فلا مانع في هذه الحالة من إلزام العميل بأجرة تقابل خدمة إصدار خطاب الضمان، سواءً أكانت الأجرة مقطوعة أم منسوبة لرصيد خطاب الضمان، بشرط أن المصرف إذا قام بتسييل خطاب الضمان لصالح العميل فيرجع المصرف إلى الأجرة المقطوعة التي تمثل التكلفة الفعلية لإجراءات المصرف في إصدار خطاب الضمان.

ويستدل للقول بجواز الأجرة المنسوبة في الحالة الثانية أن خطاب الضمان يختلف عن الكفالة والضمان اللذين تناولهما الفقهاء المتقدمون، كونهما من عقود التبرع، وخطاب الضمان بصورته المصرفية الحالية لا يقصد فيه التبرع، كما أن إقراض المصرف للعميل ليس مقصوداً للمصرف في إصدار خطاب الضمان؛ حيث إن تسييل خطاب الضمان يعد من الحالات النادرة في الأعراف المصرفية، والنادر لا حكم له ولا يعطى حكم الغالب.

وأحسب أن التفصيل الذي أخذ به أصحاب الرأي الثاني في حكم إلزام المصرف عميله بأجرة تفصيل حسن، ويراعي الجانب الشرعي في القول بوجوب رجوع المصرف للأجرة التي تمثل التكلفة الفعلية في حال تسييل المصرف خطاب الضمان، وجواز إلزام المصرف عميله بأجرة منسوبة يتربح منها المصرف في حال عدم تسييل خطاب الضمان، مع ضرورة التنبه إلى أن الأخذ بهذا التفصيل يؤدي إلى ضرورة إعادة النظر في مسائل تتفرع عن القول الثاني، مثل:

  1. إذا كانت الأجرة تقابل الدراسة الائتمانية التي يقوم بها المصرف لعميله فيجوز للمصرف أن يقوم بحساب الأجرة من تاريخ إصدار خطاب الضمان أو من تاريخ صلاحية خطاب الضمان، لأن الأجرة تقابل الدراسات الائتمانية التي يجريها المصرف لصالح العميل، ولا تقابل خطاب الضمان بحد ذاته، فلا يضر كون رسم خطاب الضمان بتاريخ سابق أو لاحق لتاريخ الإصدار.
  2. إذا طلب العميل من المصرف إجراء زيادة وتعديل في حدود خطابات الضمان الممنوحة له، فيجوز للمصرف في هذه الحالة أن يلزم العميل بأجرة تقابل إعادة دراسة حالة العميل الائتمانية مرة أخرى، إذا كان تعديل خطاب الضمان يؤدي إلى تغيير هيكلة وشروط حدود التسهيلات الممنوحة له؛ لأنها مقابل خدمة فعلية يقدمها المصرف لصالح العميل.
  3. في خطاب الضمان الذي يصدر للمشاريع الكبرى وأعمال المقاولات التي تستغرق فترات طويلة؛ يجوز للمصرف إلزام العميل بأجرة تقابل الإدارة والمتابعة، بشرط أن تكون مقابل أعمال إضافية ليست من صميم عمل المصرف في إصدار خطاب الضمان، كمتابعة أعمال المقاولين ودفعاتهم.

 

والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

د. محمد عود الفزيع

mfuzaie@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.