القيمة الحضارية للسماحة والمقصد منها عند محمد الطاهر ابن عاشور
الملخص: إنّ قيمة السماحة لا يمكن حصرها في حيز معين أو معنى ضيق، فقد جاءت بها الشريعة السمحة وبينها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور وجعلها قيمة حضارية يشع منها مقصد عام لعموم الأمة من أجل الحياة التشاركية بين الناس، ويكون التسامح بين المسلمين فيما بينهم من خلال إشاعة خلق العفو والصفح والتجاوز عن الزلات، فصلاح المجتمع من صلاح أفراده، ونشر قيمة التسامح في الأمة مهما كانت تركيبتها البشرية والدينية ومهما تعددت الملل فيها، فهو سيمة من الشريعة الغراء امتازت بها عن غيرها لشيوع هذا الخلق في تاريخها ومعتقدها، نتيجة اصلاح التفكير ومكارم الأخلاق التي تنبذ التعصب وتتصف بالسماحة أمام كل الناس، مهما كانت التغيرات الزمنية والظرفية التي تطرأ، وحتى تكون الأمة مثالا يقتدى به ممن حولهم من الأمم.
الكلمات المفتاحية: السماحة، الأمة، الشريعة، محمد الطاهر ابن عاشور .
مقدمة
إن الشريعة الاسلامية جاءت رحمة للعالمين تحمل في طياتها قيما سامية للبشرية جمعاء، هذه القيم أرادها الله لعباده، وأمرهم بالسير عليها، فاجتبى أنبياءه ورسله عليها فتمثلوها في حياتهم، واقتفى بها من اقتفى آثارهم من الأصحاب والأتباع، وساسوا الناس بها وسادوهم، احتواها القرآن في تشريعه والسنة في تبيينها، تحمل معاني التآخي والتعاون من حرية وعدل ومساواة وتسامح وقيم الجمال وغيرها، بنصوص تنظمها وقواعد تضبطها، من أجل حياة ملؤها المحبة والتسامح، ولم تسن هذه النصوص إلا من أجل مقاصد تراها الأنسب لتنظيم حياة الناس وجعلهم يهتمون بالدور الأساسي الذي وجدوا من أجله، هو عبادة الله تعالى، فالاسلام يدعوا إلى اصلاح البشر من جميع نواحي حياتهم وأن باصلاح البشر يستقل اصلاح العالم لأن الانسان هو سلطانه. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 103) فلا يمكن للقلب أن يعمر بطاعة الله وذكره وهو يحمل الحقد والغل والكراهية للناس، فبينت الشريعة أن الأساس في الحياة البشرية هو التآخي والاهتمام بالآخرين، وتبدأ بالفرد حتى يعم الصلاح في الناس كافة.
وعلى منهج الشريعة الغراء سلك الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تبيين القيم الحضارية الكبرى وتوضيح المقصد منها، لأن الناس بحاجة إلى قيم تجمعهم وتوحدهم، مثل التسامح والعفو والمغفرة، والشريعة ليست مقتصرة على زمن معين أو طائفة بشرية معينة بل للناس كافة، فرسم الله لهم معالما يسيرون عليها. وأن القرآن ما ذكر موعظة وترهيبا إلا أعقبه بترغيب وبشارة. (عاشور، 1984، صفحة 391) حتى لا ييأس الناس من رحمة الله ويجدوا الفرجة والأمل في العفو والصفح والتسامح، فلو شاء الله لعجل العذاب على المذنبين، ولكنه حليم رحيم بعباده أعطاهم فرصة التوبة والإنابة، فلا نجاة للعبد إلا بعفوه ومغفرته، والصدق في العودة إليه، وبهذه الرحمة يبين الله لعباده بأن العفو والصفح عن المذنبين، هو فرصة لجبر الخواطر، وفسح الأمل للناس، وعدم تيئيسهم من سعة رحمته وبهذا الكرم الإلهي يسير به الفرد اتجاه إخوانه الذي أخطؤوا في حقه وساء الود بينهم، لقوله تعالى :” فليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم” {سورة النور: 22}. يدعوا الله عباده بالعفو عن من قصّر في حقهم، وأساء التعامل معهم، بأن يتمثلوا في العفو والصفح حتى يعفو الله عنهم. ومن خلال هذا يمكن طرح الاشكال التالي أين تكمن قيمة التسامح وماهي أنواعه وطرق تنفيذه.؟
المبحث الأول: أنواع التسامح
قبل أن نتطرق إلى الموضوع وجب تعريف المصطلحات الواردة في عنوان البحث حتى تعطي للموضوع إضاءة ووضوحا لما جاء فيه، فكلمة القيم هي مجموعة من المعتقدات والتصورات المعرفية والوجدانية والسلوكية الراسخة يختارها الإنسان بحرية بعد تفكر وتأمل ويعتقد بها إعتقادا جازما وتشكل لديه منظومة من المعايير يحكم بها على الأشياء بالحسن أو القبح، وبالقبول أو الرد، ويصدر عنها سلوك منتظم يتميز بالثبات والتكرار والإعتزاز. (الجلاد، 2005، صفحة 20) وكلمة المقاصد هي الأعمال والتصرفات المقصودة لذاتها التي تسعى النفوس إلى تحصيلها بمساع شتى أو تحمل على السعي إليها امتثالا. (الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، 2014، صفحة 415) وهي مراد الحق سبحانه وتعالى في شرعه من الخلق. (بيه، 2018، صفحة 31) والتسامح مصدر مسامحة القوية وأصل السماحة السهولة في المخالطة والمعاشرة وهي لين في الطبع في مظان تكثر في أمثالها الشدة. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 226) وهي كذلك سهولة المعاملة فيما اعتاد الناس فيه المشادة، فهي وسط بين الشدة والتساهل، ولفظ السماحة هو أرشق لفظ يدل على هذا المعنى. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 25)
إن من خلال اطلاعنا على القيم التي جاء بها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، تبين لنا مدى اهتمام الشريعة بالحياة التشاركية بين الناس، ومناداتها بالقيم من أجل السلم الاجتماعي والحياة الهادئة، التي تجمع الناس في الجامعة الاسلامية أو العالمية مع اختلاف دياناتهم ومشاربهم فبينت بأن الدين يصلح لقيم الجمال التي يرضاها كل الناس لأنفسهم، ووجب اتباعها والتخلق بها، ولعل قيمة السماحة التي نادى بها واعتبرها من القيم الكبرى، لها الدور الهام في توحيد الناس وجمعهم على كلمة سواء، والتخلق بها هو عنوان صاحبها، وهي على قسمين التسامح بين المسلمين فيما بينهم، والتسامح مع غيرهم.
المطلب الأول: تسامح المسلمين فيما بينهم: وهو أن يظهر التعايش والتسامح في ما بين الناس لأنهم لحمة واحدة آخ بينهم الدين وجعلهم أمة واحدة، بعدما كانوا شيعا وقبائل متناحرة فيما بينها، ذممها كانت معلقة بين الروم والفرس، فأنعم الله عليها بالاسلام فجعلهم جسدا واحدا، قال تعالى: {وكنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا}{سورة آل عمران: 103} فمحا ما كان بينهم من الشقاق والاختلاف، وغلظة القلب، والغليظ القلب القاسيه، إذ الغلظة مجاز عن القسوة وقلة التسامح. (الطاهر، التحرير والتنوير، 1984، صفحة 146) وزرع فيهم مبادئ الأمة الواحدة بأن يتجاوزوا عن من أساء إليهم، وليأخذوا بأيدي بعضهم البعض ولا يكونوا عالة وعونا للشيطان على إخوانهم فنشأت المدينة الفاضلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، الذي أخذوا بتعاليمه وتوصياته، فتربى المجتمع على اختلاف ديانتهم كاليهود والنصارى بعدما دخل عليهم الاسلام، تربوا على التسامح وجمع الكلمة، وجعل المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، حيث سادت القيم الجمالية التي خلق من أجلها البشر، فأبهروا من حولهم من الأمم بطيب معدنهم وجزالة دينهم.
قال الشّيخ محمد الطاهر ابن عاشور: إنّ المجتمع البشري أو الأمة عبارة عن مجموعة من النّاس هي كلّ ملتئم من أجزاء هي الأفراد، فلا جرم كان إصلاح المجتمع متوقفا بادئ الأمر على إصلاح الأفراد، فإذا صلحت حصل من مجموعتها الصّالحة مجتمع يسوده الصّلاح، (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 43). يعتبر المجتمع مصدرا من مصادر القيّم، وذلك كون الفرد ينبت من صلبه ويتربّى في حضنه، فيكتسب كلّ التّصرفات حسنها وسيئها من المجتمع فلا يرى زاجرا أو مانعا للتصرف الذي يقوم به، لاعتقاده بصلاحيته كونه تصرف عام، وهو ما جعل الشّيخ يرى أنّ التّعايش داخل المجتمع يجعل الفرد يكتسب قيّمه الخلقية من المصدرية الجماعية. والتسامح من الشيم وعلو النفوس ويتغنى بها كبار القوم فإذا ساد التسامح في المجتمع فإن الفرد يتعلمه مباشرة ويألفه، ولا يكون عليه غريبا فلا يمكن للمجتمع أن يلتئم وفيهم الفرقة والتباغظ، ولن يبنى إلا بصفاء القلوب واقتراب الناس من بعضهم البعض، وهذا عامل تحفيزي يفيد التقدم والاتحاد، وبه قامت الحضارة الاسلامية منذ أن هاجر الرعيل الأول من الصحابة إلى المدينة بمختلف الألوان والأجناس.
ومن خلال هذه القيم أراد الشيخ أن يحيي الأخوة التي جاء بها الدين بعد اضمحلالها بفعل عوامل متعددة ولعل أعتى وأمّر عامل هو الاستعمار الذي احتل الأمة، ومحا كل ما يمد للدين من قيم وأخلاق، فهو يرى بأن المستعمر تمكن من الأمة فأراد طمس هويتها وشككها في حضارتها وعقيدتها، وكسب ولاء بعض المسلمين الذين غرهم الانفتاح فتنصلوا وتنكروا لدينهم وحضارتهم، وأرادوا بذلك أن يحكموا القوانين الوضعية، وأن الشريعة لا تواكب هذا التطور بما يسمى الاندماج والذوبان في عقيدة الغرب. (الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، 2014، صفحة 50)، وهو من وراء هذا يريد أن يحيي تلك النخوة والعزة التي جمعتهم لسنين عدة، وأوصلتهم إلى أوج الحضارة وسادوا الناس لقورنا من الزمن، بسبب الوحدة والنصرة ونبذ الفرقة والافتراق، واقتبسوا تلك الأخلاق من معلم البشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من لعنة تذكر، وما انتقم رسول الله صلى الله لنفسه في شيء يؤتى إليه، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله عز وجل فينتقم لله، وما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، مالم يكن إثما كان أبعد الناس منه.
فالمسامحة عامل ذو أهمية بليغة في ازدهار الحضارة وتطور الشعوب، لأنها عامل تدعوا إلى السير قدما دون الرجوع إلى الوراء أو التقهقر أو التريث، والمستقبل يعني الجميع دون استثناء، وبناؤه مرتبط بعلاقتهم فيما بينهم ولا ننفي الاختلاف بين الناس، بل هو سنة قائمة منذ أن وجدوا، يكون من خلالها تنافر بين طرفان، ولذا قال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}.{سورة هود: 118} وعلى هذا وجب الحِلم والصبر وعدم التعصب، وقبول رأي الآخر دون مشاحنة أو تخاصم، ولذلك قيل: ليس الحليم من ظُلم فحلِم حتى إذا قدَر انتقم، ولكن الحليم من ظُلم فحلم حتى إذا قَدَر عفا. (الغزالي، 2005، صفحة 196) ، وقد مدح سيد الخلق السماحة بقوله: “رحم الله رجلا سمحا إذا باع، واذا اشترى، وإذا اقتضى” (البخاري، 1422 ه، صفحة 57) وجاء في شرح هذا الحديث قال ابن بطال: فيه الحض على السماحة، وحسن المعاملة واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع. (بطال، 2003، صفحة 210)
السماحة أن يتربى الفرد على الفداء وحب الغير، ويكون اهتمامه بالمجتمع اهتمامه بنفسه، وشعار التضحية هو سلوكه، {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}.{ الصف: 4} ولعل قصة النفر الثلاثة الذين خلّفوا عن القتال { وعلى الثلاثة خلفوا حتى إذا ذاقت عليهم الأرض بما رحبت}{سورة التوبة: 118}. كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. وضيق الأرض كناية عن غمهم وتنكر المسلمين لهم. (الطاهر، التحرير والتنوير، 1984، صفحة 53) فقبل الله توبتهم، وزال عنهم ما كانوا فيه من غم. لقد بين الاسلام أن الاختلاف بين الناس ضروري في جبلة البشر وأنه من طبع اختلاف المدارك وتفاوت العقول في الاستقامة. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 230) مما يجعل أهل العقول يتقبلون مخالفيهم دون نكران أو هجران، وهناك أمور يستحب التسامح فيها من أجل الأجر في الآخرة، والمصلحة العامة للأمة، إلا أن هناك أمور لا يجب التسامح فيها للمسلمين، ونذكر منها.
أ ــ عدم التسامح في الحدود: إقامة الحدود واجبة ولا يمكن التساهل فيها أو التنازل عنها، ولعل ما حدث لرجل في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مريضا فأقام عليه الحد، كما جاء في الحديث: ” أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني قد وقعت على جارية دخلت علي، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة. (داود، 2009، صفحة 161)، وكذلك عندما ذكر حديث السرقة فقال: يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب، فقال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها. (داود، 2009، صفحة 132) والنصوص في هذا الباب مستفيضة، وكلها تدل على عدم التساهل في الحدود وتعطيلها، ويقاس عليه التساهل في تطبيق القوانين على المخالفين، فيكثر الفساد وتضيع مصالح الناس، ويصبح التسامح فيها عونا للفساد، فليكن تفعليها وتنفيذها على كل صاحب الجرم، وحتى لايستهان بالدين وتضيع الحقوق. وقد بين الشيخ محمد الطاهر بن عاشور هذا في قوله: أن العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات، وأما تحقيق آثار المخالفة وهو العقوبة التأديبية فإن العفو عنها فساد في العالم لأن الفاعل للمخالفة إذا لم ير أثر فعله لم يتأدب في المستقبل، فالتسامح معه في ذلك تفويت لمقتضى الحكمة. (عاشور، 1984، صفحة 441). لأن الله هو أعلم بهذا، والتساهل فيها يعطل مصالح الناس ويسيء إلى مقصد الشارع، وهو من أمر بهذه الحدود،{ تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأوليك هم الظالمون}.{سورة البقرة: 229} التسامح في الحدود يفضي إلى اهمالها ومصيرها عبثا، (عاشور، 1984، صفحة 274) وقد عمل بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده كأبي بكر الصديق رضي الله عنه عند عدم تساهله مع المرتدين ومانعي الزكاة، وقاتلهم حتى عادوا إلى الاسلام.
بـــ ــ التسامح عند الاضطرار: إن الشريعة لم تأت لتضيق عن الناس أمور دينهم أو دنياهم أو تفرض عليهم أمورا لا طاقة لهم بها، فحتى في الحدود قال صلى الله عليه وسلم:” ادرؤوا الحدود بالشبهات” (حزم، ب س، صفحة 428)، كما نجدها تتساهل وتتسامح في أمور العقيدة والعبادة وغيرها، لأن المقصد من وراء سهولتها وتسامحها هو عدم تنفير الناس فيها واستقطاب الواردين إليها، من خلال تماشيها ومتطلبات الحياة، وتقديمها للضروريات حسب الأولوية في ذلك، والدليل في تسامحها في العقيدة قوله تعالى:{ إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان}{ سورة النحل: 106}، {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر }{سورة الكهف:29} وكذلك في باب العبادات كالصلاة{ فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}،{سورة النساء:43} وفي عدم الصوم في رمضان قوله تعالى، {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر}{ سورة البقرة:184} وقول النبي صلى الله عليه وسلم:” إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. كما نجد إقدام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على تعطيل حد السرقة في عام الرمادة، لأن الناس غلب عليها الجوع ولم تجد ما تأكل، فيسرق الرجل من أجل سد حاجته وحاجة عياله من الطعام، لقوله تعالى:{ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه} {سورة البقرة: 173}، وقوله:{ إلا ما اضطررتم اليه} {سورة الأنعام: 119} وهذه هي رحمة الشريعة، فهي رحمة للعالمين من خلال مقاصدها التي جاءت بها، فنجدها صارمة في تطبيق أوامرها لكن عند التعذر ووجود الحجج والأسباب تفتح أبواب التيسير والتبشير، حتى لا يكلف الناس بما لا طاقة لهم، والقاعدة الفقهية تقول المشقة تجلب التيسير، فكل ما يريده الفرد في ما هو بحاجة إليه ووجد صعوبة ومشقة في ذلك، فتحت له الشريعة فرجة ترفع عنه الحرج، فمتى رفعت المشقة رفع معها العذر.
المطلب الثاني: تسامح المسلمين مع غيرهم من الملل: إن التسامح من خصال الاسلام وقد خص به على غيره من الأديان الأخرى، فهو يجري مع كل الناس مهما كانت ديانتهم وأقوى مقولة تبقى رمز للتسامح والعفو هي مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم عاد من الطائف، “اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون” (البخاري، 1422 ه، صفحة 175)، حتى ظن بعض المغرضين بأن التسامح لا يمد للدين بأي صلة، ومما جاء به الدين هو المعاملة الحسنة والتسامح مع الغير، وهذه الميزة التي امتاز بها جعلت أعداءه يتناسون هذا التسامح ويدسون له الدسائس، ويدخلون الرزايا على المسلمين ويمكرون به لقرون عدة، وقد ذكر الشيخ أن غالبية تصرف الناس اتجاه الدين دائما تكون للأقوى، فإن حالة الناس مع مخالفيهم في الدين تكون وطأتها شديدة، تبدأ بالتباغظ وتنتهي بتدبير المؤامرات والقتل والاحتلال، وهذا التصرف موجود منذ القدم، وقد ذكر القرآن حالة المتدينين مع أعدائهم كقوله تعالى:{ وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله}وحدثت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه كذلك قال علي بن أبي طالب يوم جاء عقبة بن أبي معيط إلى النبي صلى الله عليه وسلم: والنبي صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة يخنقه بثوبه فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكب عقبة ودفعه وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون، إن مؤمن آل فرعون رجل يكتم إيمانه وإن أبا بكر كان يظهر إيمانه وبذل ماله ودمه. (الطاهر، التحرير والتنوير، 1984، صفحة 130)
وهذا التصرف لا نجده عند الديانات الأخرى المخالفة للاسلام، لأن هذا الأخير لم يجعل الجامعة العظمى سببا للاعتداء على غير الداخل فيها، ولا لغمص حقوقه في الحياة وإجراء الاحكام فجعل التسامح من أصول نظامه، لأن التسامح في الاسلام وليد اصلاح التفكير ومكارم الأخلاق، اللذين هما من أصول النظام الاجتماعي. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 229) فقال صلى الله عليه وسلم: “ أحب الدين إلى الله الحنفية السمحة ” (البخاري، 1422 ه، صفحة 17) ، دل الاسلام أتباعه على لزوم ثقتهم بدينهم وصلاح عقيدتهم، واثارة أصل مكارم الاخلاق. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 229) يدعوا الدين كل من انتسب إليه أن يتخلق بأخلاقه ويلتزم مبادئه، ولا يغتر بأي نداء خارج عن دينه، ولا يستسلموا لنزوات الشيطان، وينتصروا لأنفسهم دون دينهم، فنجد الأمم الغابرة وما جرى بينها من حروب، تسعى الأمة الغالبة إلى تدمير الأمة المغلوبة وصدهم عن دينهم وولائهم، كهدم المعابد وإحراق الكتب والتقتيل والتمثيل، وما حدث للأمة الإسلامية أيام التتار وبعدها الإحتلال الأوربي للعالم الاسلامي كالجزائر، حولوا المساجد إلى ثكنات واستطبلات، وأحرقوا الكتب، وقتلوا رجال الدين، ومثاله مسجد كاتشاوة بالعاصمة حيث قتلوا أربعة ألاف رجل، وهذا راجع إلى السلوك اللاأخلاقي واللاديني من طرف الفرنسيين. وبين محمد الطاهر أبن عاشور أن التسامح من خصال الأمة المتدينة حقا، وهي وليد اصلاح التفكير ومكارم الأخلاق، مثال سبايا طيء، وقصة فتح مكة، اذهبوا فأنتم الطلقاء، لقد بين الاسلام حسن معاملة المسلمين مع من تقتضي الأحوال مخالطتهم من اهل الملل الأخرى. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 230) .
إنّ ممارسة الاخلاق الحميدة هي من القيم السامية، وهي من فضائل الأعمال التي تنعكس بالايجاب على الفرد والمجتمع، وممارستها بصفة دائمة ومعتادة يصحب شعورا برضى أخلاقي عميق، وقد وجد كانت أن الفضيلة هي المبدأ الداخلي لأفعالنا، وهو يحدد غاياتها الأخلاقية، وهذه الغايات هي أولا كمال المرء ذاته، وثانيا سعادة الآخرين، أما الرذيلة بالمعنى العام النقص أو العيب، وفي الأخلاق هي الاستعداد المعتاد لنوع من السلوك الذي يعتبر متسما بلا أخلاقية خطرة، وقد اعتبر بعض الباحثين أن الرذائل أوسع مدى وأكثر تنوعا من حقل الفضائل. (العوا، 1986، صفحة 513)، فالشريعة الاسلامية أظهرت للعالم نبل تعليماتها من خلال معاملاتها في السلم والحرب مع مختلف الأجناس والديانات، وأن الفرد قادر على التصرف الحسن والسيء، وهو دليل على ما يحمله من فضائل ورذائل الافعال.
فشيوع الفضائل بين الناس يولد التراحم والتعاون، ويقضي على لباس الجوع والخوف بينهم، فبين الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور المقصد من هذا السلوك، هو أن مقصد عموم دعوة الاسلام لسائر البشر تكثير سواد أتباعه بقدر الإمكان، وصولا إلى تعميمه وتسهيل سبيل الدخول فيه على راغبيه. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 112) والتسهيل فيه من خلال التسامح والعفو عن الزلات وجبّ ما قبله من السيئات،{ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} {سورة الفرقان: 70}، فالسماحة أثّرت في سرعة انتشار الشريعة وطول دوامها، إذ أرانا التاريخ أن سرعة امتثال الأمم للشرائع ودوامهم على اتباعها، كان على مقدار اقتراب الأديان من السماحة. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 27)، فالنفوس مجبولة على حب من أحسن وأرفق بها في وقت الشدة، والاسلام أرحم وأرفق بالعالمين، فكان أهلا للاعتناق وشموله، فهو أوسع من غيره من الديانات من باب الرحمة للمذنبين.
المبحث الثاني: طرق التسامح
إنّ من تمام الأخلاق وزينتها التسامح، فهو يعطي للقلوب دفعا لتذوق طعم الحياة ويجعلها ترى جمال الكون بعيون الصفاء وسلامة الصدور، فالناس في ميزان الأخلاق تختلف وتختلف معهم طبائعهم، فيكون منها الحسن والسيء، فقد بين الشيخ محمد الطاهر بن عاشور هذا بقوله: إنّ عادة الأعمال النفسانية تسمى خلقا، والخلق منه خلق كريم ومنه خلق ذميم، وقد شاع في الاصطلاح لفظ الخلق بالآداب النفسية الصالحة. (الميساوي، 2015، صفحة 750) ومن خلال هذه الآداب المصاحبة للتسامح أردنا أن نبين طرقه من خلال تقسيم البحث إلى مطلبين المطلب الأول عدم التعصب، والمطلب الثاني العفو والصفح.
المطلب الأول: عدم التعصب
وهو الاشتداد والتثبت في أمر أمام المخالف مهما كانت حجته وأدلته، والتعصب في الدين مذموم، لأن غاية الدين هو كسب الناس بالحسنى والمعاملة الطيبة، لقد وصى الاسلام أتباعه بالاحسان إلى المخالفين لهم، وإظهار الوجه الحسن للدين، دون تنفير الناس منه وإعطائه الصورة الحسنة التي تليق به، وقد تكلم الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور على التعصب وذكر له مظهران.
المظهر الأول: الاختلاف في الدين وهو أشد وأقوى، لأن الناس متمسكة بدينها وتريد إظهار مشاعرها وطقوسها، واختلاف الدين يستدعي المناورة والمغاضبة، مما يحدث تصادما بين الفريقين مثلما يحدث في الهند، أو عند ممارسة شعيرة الأضحية مما يخرج أناس يطالبون بحقوق الحيوان، والرحمة، أو يرفضون ممارسة هذه الشعيرة وغيرها كالأذان في البلاد الأجنبية، أو التعرض لمقدسات المسلمين ورموزهم، مثلما حدث في سب النبي صلى الله عليه وسلم بداعي حرية التعبير، مما أغضب المسلمين، وعلى هذا جاء ديننا بضوابط تنهانا عن التعرض لمعتقدات الغير بالسب كقوله تعالى:{ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم } { سورة الأنعام: 108}، فربما يحمل الناس على الرد، فتكون أمور لها عواقب سلبية على الجميع، وخوفا من هذا أمرت الشريعة أتباعها بما ينفعهم، فأمروا بتشغيل ألسنتهم وأوقاتهم بما يعود بنفعهم وتجنب ما عسى أن يوقع في مضرة. (الطاهر، التحرير والتنوير، 1984، صفحة 47) وهذا التصرف نتيجة غيرة المسلمين على دينهم، فربما ينجروا إلى سب معتقدات الغير دفاعا عن دينهم، فيحدث التصادم ويلحق الضرر بالناس وبممتلكاتهم، وكون هذا التصرف قام به بعض المسلمين في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك، عندما ذكر أحد اليهود بموسى عليه السلام بقوله والذي اصطفى موسى على العالمين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لا تخيروا بين الأنبياء، فذكر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور المقصد من ذلك، وهو استباق حسن المعاشرة وتجنبا لحوادث العصبية. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 231) ومن خلال هذا التصرف يريد أن يبني مجتمعا قِوى دعائمه هي التسامح والتجاوز عن الزلات مع غيرهم من الملل الأخرى، حتى يعطوا الصورة الحسنة التي يرضاها الله ورسوله.
المظهر الثاني: المعاملات الدنيوية وهي التي تكون بين فريقين مختلفين في الدين متجاورين في المكان، كما كان حال المسلمين واليهود في المدينة المنورة، وفي هذه الحالة يجب تقديم الوحدة دون استعمال الحزازات والعرقية، فيتم التعامل في أمور البيع والشراء، وتسهيل المعاملة، والعيش في مدينة واحدة، والدفاع عن وحدة المجتمع الذي هم فيه دون النظر إلى الانتماء الديني والعرقي، فيكون المجتمع فاضلا وقويا بوحدته. يقول ديكـارت: ” إنّ الإنسان في الواقع جزء من الكون، وهو يوجه أقصى جزء من هذه الدّولة وهـــذا المجتمع، وهذه الأسرة تربطنا بهذه الوقائع رابطة السّكن أو الولاء أو الولادة، ولذا يترتب علينا أن نرجح دائما جانب المصلحة الأوسع، مصلحة الكلّ الذي ننتمي إليه، كجزء منه على صالحنا الفردي الخاص.” (العوا، 1986، صفحة 85).والأمور الدنيوية التي تجمع الناس متعددة، وقد أمرت الشريعة بالتعامل معها بالحسنى وتغليب المسامحة والصبر على الأذى كمعاملة الوالدين لقوله تعال:{ ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما}.{سورة العنكبوت: 8} أمرت الشريعة بطاعة الوالدين على اختلاف دينهم، والإبن ليس مجبرا على هجرانهما بسببه، لأن شركهما مفوض إلى الله تعالى فهو الذي يجازي المحسنين والمسئين، وهو أمر بالإحسان إليهما، فعندما أسلم سعد بن أبي وقاص قالت له أمه والله لا يظلني سقف بيت، وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد، وبقيت كذلك ثلاثة أيام، فشكا سعد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان. (الطاهر، التحرير والتنوير، 1984، صفحة 213). فبين وجوب معاملة الوالدين حتى ولو اختلفوا في الدين مع أبنائهم، مما يتطلب معاشرتهم والاحسان إليهم. وهنا وجب تفعيل دور التسامح في الدين مع الوالدين، وجعل هذا الخلق يظهر عليه أثناء المعاملة.
كما نجد السماحة منفتحة على السماح بالزواج من الكتابيات، تكلم الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور في هذا وذكر بأن الله لم يترك شاردة ولا واردة بين أحوال علائق المسلمين بالمشركين إلا بيّنها، وقد اهتمت الشريعة بعلاقة النسب بينهما أيما اهتمام، والشريعة الاسلامية هي أرقى الشرائع في احتراش الفضيلة من مكامن خفائها، واجتثاث الرذائل من جراثيم أدوائها، وفي تيسير سبل الوصول إلى تلك الفضائل، والتحلي منها بأنفع الوسائل. (الميساوي، 2015، صفحة 749) ففسحت المجال للمصاهرة بالكتابيات بشروط بينتها ولم تغلق هذا الباب، لأن حالة الناس من خلال الهجرة والمخالطة سهلت التقارب بين المجتمعات، فدعت الضرورة لبعض الأفراد إلى الزواج بهن.
وزادت من سعة رحمتها وشمولية التسامح أن أجازت الصحبة مع المخالفين في الدين،{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} {سورة الممتحنة:8}، من باب المخالطة والاحسان إليهم جراء المجاورة والعشرة، فقد كان اليهود في المدينة مع المسلمين وكانت المعاملة معهم بالحسنى، ووثيقة المدينة كأكبر دليل على التعايش وحسن المعاملة، دون النظر إلى اختلاف الدين، وقد بين محمد الطاهر ابن عاشور بأن الأمة الاسلامية هي الأمة الوحيد التي أعطت للأجانب حقوقا مثلها مثل رعاياها في شأن قوانين العدالة، ونوال حظوظ الحياة بقاعدة لهم مالنا وعليهم ما علينا، مع تخويلهم البقاء على رسومهم وعاداتهم. (الطاهر، أصول النظام الإجتماعي في الإسلام، 1985، صفحة 233) من خلال المعاملات الدنيوية وتوفير حاجيات الناس دون إكراه أو تمييز، أو انحياز، فكل من يسكن في البلد المسلم متساوون في الحقوق والواجبات، حتى لا يظن غير المسلم أنه مظلوم أو مهمش، أو أن حقه لن يناله بسبب الدين. فصاحب الدّين وواضعه هو اللّه، بعثه للنّاس من أجل هدايتهم وإصلاح أحوالهم عن طريق الرّسل، كما يمكن اعتباره أنّه وضع إلهي ومعلّمه والدّاعي إليه البشر. (عبده، 2012، صفحة 8)، إن مخالطة المسلمين لغيرهم من الديانات الأخرى تجعلهم مصدر إشعاع الفضائل والاخلاق الكريمة، فتنتشر بينهم سمعة المسلمين مما يجعل الغير يقترب منهم ليتعلم منهم، ولمخالطة الناس فيه فائدتان جليلتان، أولهما: تأهيل الأمة الاسلامية لسيادة العالم والنفوذ على مجاوريها من الأمم بالصفات التي هي قوام السيادة. ثانيها: انبثاث ثلة من الفضائل في الأمم التي تخالط المسلمين انبثاثا يزيد وينقص بمقدار توغل خلق الاسلام في أولئك الأقوام. (الميساوي، 2015، صفحة 253) فبالمخالطة واحترام الدين وتعاليمه، تجعله يتوغل برفق في قلوب منكريه، فكلما كانت المخالطة حسنة كان الاقبال على الدين، وكلما أسيء في المعاملة ولدت النفور والتباغظ.
إنّ تفكك الشبكة الإجتماعية هو دليل انهيار المجتمع وهلاكه، بسبب التحلل والتمزق بحيث يعجز المجتمع أن يقوم بنشاط مشترك، مثلما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: لا ..بل كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل وما الوهن يا رسول الله ؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت. ويرجع سبب هذا المرض إلى الأنا ” فالعلاقات الإجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الذوات بالتضخم فيصبح العمل الجماعي صعبا أو مستحيلا، إذ يدور النقاش حينئذ لا لإيجاد حلول للمشكلات، بل للعثور على أدلة وبراهين. (نبي، 1985، صفحة 40)، ويتهم أصحاب الكلام بالمظاهر لا بالجواهر. والمغزى من هذا حب العمل الجماعي وتفضيل المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وهذا هو جوهر الانسان، فمهما كانت عيوب المجتمع شائعة وانعكساتها على الفرد إلا أنه يتجاوز عن تلك العيوب ويظهر مظهر السماحة لمجتمعه، فلا يجازيه بالسيئة سيئة أخرى ولكنه يعفو ويصفح.
المطلب الثاني: العفو والصفح: وعليه ينبني التسامح، فلا عبرة بالتسامح مالم يكن عفو وصفح وتجاوز عن الزلات ومغفرة الذنوب، وقد علمنا ربنا أن التسامح هو صفة من صفاته فهو التواب الرحيم، رغم فضله على الناس وانتساب كل شيء له، إلا أن الانسان جحد وكفر بمن أوجده، فأعطى الله الأمل لمن عاد إليه تائبا نادما معترفا بخطاياه، والناس بطبعهم فيما بينهم يتألمون من الظلم وينفرون من الظالم، ولكن لامناص من الهجران عند هذا، فتدفعهم الحاجة إلى بعضهم، فقال الشيخ إن اختلاف الناس في وسائل السعي فإما يدفع عنهم ضرا أو يجلب لهم نفعا، فكانوا باجتماعهم ذلك مضنة حدوث الخلاف بينهم، وكان ذلك الخلاف من شأنه أن يهيج ما فيهم من قوة الغضب ويحمل بعضهم على مقارعة بعض. (الميساوي، 2015، صفحة 725) ،لإختلاف الأراء وتضارب المصالح يحدث الاصطدام، ويبقى هذا الأمر جبليا في حياة الناس مما يستوجب تفهمه والتعايش من خلاله عبر الصلح والتنازل، وليكن شعار المصلحة التسامح.
وجاء هذا المطلب لغرض مهم وهو الدلالة على أهمية وحدة الجماعة، من خلال اصلاح ذات البين بين المتخاصمين، فأعظم ما يحطم الأمة هو الفتنة التي تحدث بين جماعتين من المسلمين، وفي حالة حدوث هذا الأمر وخوفا من استفحاله أمر الله بالاصلاح بينهما، كما بينته الآية الكريمة،{وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}.{ سورة الحجرات:9}، فيسعى الخيّرون للإصلاح بين المتخاصمين، ولا يتركون الفجوة تتسع فيهلك الناس ويضيع مقصد الدين من الوحدة، وحتى يتم الصلح وتزال الضغائن، وجب تطهير القلوب من الحقد وغيرها من أمراض القلوب، كما أن هناك شروط في الصلح بينها أبو بكر بن العربي في قوله: ومن العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم مدة القتال من دم ولا مال، فإنه تلف على تأويل، وفي طلبهم به تنفير لهم عن الصلح، واستشراء في البغي وهذا أصل في المصلحة. (الطاهر، التحرير والتنوير، 1984، صفحة 241). أي عند التصالح لا يجب إظهار ما مضى من الخسائر، حتى لا تتجدد المحن وليبدؤوا عهدا جديدا يتناسون فيه الآلام والأحزان، مليئا بالحب والصلح والخير والتسامح، فوحدة الأمة هي من مقاصد الشريعة وعليها مدار الحياة. والمتعارف بين الناس أنه إذا نشبت مشاقة بين الأخوين لزم بقية الإخوة أن يتناهضوا في ازاحتها مشيا بالصلح بينهما. (الطاهر، التحرير والتنوير، 1984، صفحة 244) وهذا التصرف من فضائل الاعمال، وهو رأس الحكمة في الأمر. قال كانت أن الفضيلة هي المبدأ الداخلي لأفعالنا، وهو يحدد غاياتها الاخلاقية، وهذه الغايات هي أولا كمال المرء ذاته، وثانيا سعادة الآخرين. (العوا، 1986، صفحة 513) فعندما يكون المرء كاملا في ذاته متشبعا بمكارم الأخلاق، يسعى لتوحيد الغير وزرع البسمة والسعادة فيهم. ما قامت به الأعراب عندما قدموا إلى رسول الله:{ قالت الاعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا} {سورة الحجرات:14} والمعنى إذا أخلصتم الايمان كما أمركم الله ورسوله تقبل الله أعمالكم التي ذكرتم من أنكم جئتم طائعين للاسلام من غير قتال، واستأنف الله الآية بقوله إن الله غفور رحيم، استئناف تعليم لهم بـأن الله يتجاوز عن كذبهم إذا تابوا، وترغيب في اخلاص الايمان لأنه غفور كثير المغفرة شديدها، ومن فرط مغفرته أنه يجازي على الاعمال الصالحة الواقعة في حالة الكفر غير مقيد بها، فإذا آمن عاملها جوزي عليها بمجرد إيمانه وذلك من فرط رحمته بعباده. (الطاهر، التحرير والتنوير، 1984، صفحة 266)، مهما كانت التصرفات التي يقوم بها الفرد، فإن الله يعلمها، ويريد من صاحبها الصدق في الاعتراف والاخلاص في عدم الرجوع إلى الذنب، فإذا فعل ذلك تجاوز الله عنه وسامحه فيما صدر منه، وكافأه بمغفرة الذنوب، والله يريد لهذه الخصائص أن تتوارثها الأجيال حتى يصلح آخر هذه الأمة بما صلح به أولها. يقول مالك بن نبي: كما يمكن للأفراد أن يزولوا ويبقى المجتمع بتعاليمه يفرضها على الأفراد الوافدين، كونه يحتفظ بالصفات الذاتية التي تضمن استمراره وشخصيته عبر التاريخ، وبه يحدد عمره واستقراره عبر الزمن، كما يمكنه الصمود أمام الهزات التي تعصف بكثير من المجتمعات عبر العصور. (نبي، 1985، صفحة 12)، فعمر المجتمع مبني بما قدمه من حضارة وعلى الثروة الأخلاقية التي يخلفها، وبها يعرف، وهي جنسيته التي تفرض على كل وافد إليه، فلا يتقمصها إلا بشرط المحافظة على هوية المجتمع التي يعرف بها.
الخاتمة
إن من خلال ما مر من كلام حول قيمة التسامح، والدور الذي يلعبه في صقل صفات الفرد والمجتمع توصلنا إلى عدة نتائج يمكن استخلاصها في مايلي:
- تعتبر الشريعة الصراط المستقيم الذي وجب اتباعه والالتزام به، من خلال تفعيل دور التسامح في وحدة الجماعة ونبذ الفرقة، وتبين سبب هلاك الأمم هو كثرة المراء والخصومات.
- حسن التعامل مع من تقتضي الأحوال مخالطتهم من أهل الملل الأخرى، وعدم جعل اختلاف الدين عقبة أمام بناء المجتمع الواحد الذي هم فيه.
- أثر السماحة على حياة الناس في سرعة قبول الدين وسرعة انتشاره وطول دوامه، لأن الشدة والتعصب منفرات.
- تأثير التغيرات الزمنية والظرفية التي طرأت على الناس تفرض التعامل بالسماحة.
- حاجة الناس لبعضهم البعض أوجبت فتح باب التسامح والتيسير، المشقة تجلب التيسير.
- لا يكون المجتمع مجتمعا فاضلا ولن تنبني الأمة إلا بسلامة سكانها من الآفات الجسدية حتى يكونوا مثالا يقتدى به ممن حولهم من الأمم.
- لقد سمى محمد الطاهر بن عاشور التسامح بالعظمة الاسلامية لأنه مليء بثقة النفس، وصدق الموقف وسلامة الطوية.
المصادر والمراجع
ابو حامد الغزالي. (2005). إحياء علوم الدين (المجلد ج 3). لبنان: المكتبة العصرية للطباعة والنشر.
البخاري. (1422 ه). صحيح البخاري (المجلد ج 1). بيروت: دار طوق النجاة.
الجلاد, م. ز. (2005). تعلم القيم وتعليمها. الإمارات العربية المتحدة: دار المسيرة.
الطاهر, ا. ع. (1984). التحرير والتنوير (Vol. ج 26). تونس: الدار التونسية للنشر.
الطاهر, ا. ع. (1985). أصول النظام الإجتماعي في الإسلام. تونس: الشركة التونسية للتوزيع.
الطاهر, ا. ع. (2014). مقاصد الشريعة الإسلامية. تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع.
العوا, ع. (1986). العمدة في فلسفة القيم. سوريا: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر.
الميساوي, م. ا. (2015). جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور . الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع.
بطال, ع. ا. (2003). شرح صحيح البخاري (Vol. ج 6). السعودية: مكتبة الرشد.
بيه, ع. ا. (2018). مشاهد من المقاصد. الإمارات العربية المتحدة: دار مسار للطباعة والنشر.
حزم, ع. ب. (ب س). المحلى بالأثار. بيروت: دار الفكر.
داود, س. ا. (2009). سنن أبي داود. مصر: دار الرسالة العالمية.
عاشور, ا. م. (1984). التحرير والتنوير (Vol. ج 23). تونس: الدار التونسية للنشر.
عبده, م. (2012). الاسلام بين العلم والمدينة. مصر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.
نبي, م. ب. (1985). ميلاد مجتمع. سوريا: دار الفكر دمشق.