مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

النظام الاقتصادي الإسلامي والسياسة المالية في العصر الراشدي – د. محمود أحمد الأذن -لبنان-

0 22

النظام الاقتصادي الإسلامي والسياسة المالية في العصر الراشدي

بقلم الدكتور: محمود أحمد الأذن
أستاذ مشارك | دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية
محاضر ومشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعة الجنان – لبنان
البريد الإلكتروني: mahmoudozon00@gmail.com | هاتف: 96170319766+

تاريخ النشر/التحديث: 2026 م

المقدمة (Introduction)

شهدت منطقة شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي تحولاً حضارياً شاملاً لم تتوقف آثاره عند التبدل العقائدي والسياسي، بل امتد ليعيد هندسة البنى الاقتصادية والاجتماعية عبر صياغة نموذج فريد عُرف بـ “النظام الاقتصادي الإسلامي”. وإذا كانت المرحلة النبوية قد وضعت الأسس التشريعية والمقاصد الكلية لهذا النظام، فإن عصر الخلفاء الراشدين (11-40 هـ / 632-661 م) قد شكّل المختبر التطبيقي الأول والأهم لتحويل النصوص والمنطلقات النظرية إلى سياسات مالية ومؤسساتية قادرة على إدارة دولة ممتدة الأطراف، واجهت تدفقاً كمياً ونوعياً غير مسبوق للثروات نتيجة الفتوحات الإسلامية.

وقد واجه الفكر الإداري والمالي الراشدي تبعاً لذلك تحديات بنيوية بالغة التعقيد؛ إذ كان على الخلفاء التوفيق بين ثبات المقاصد الشرعية الكلية – كتحقيق العدالة التوزيعية، ومنع احتكار الثروة، وسد حاجات الأمة – وبين الاستجابة للمستجدات الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن تداعي الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، ودخول شعوب ونظم إدارية ومالية متنوعة وثقافات متباينة تحت مظلة الدولة الجديدة.

ومن هذا المنطلق، لم تكن السياسة المالية الراشدة مجرد جباية وإنفاق تقليديين، بل تجلت كرؤية تنموية واجتماعية استبقت الكثير من المفاهيم المالية الحديثة، وهو ما يضعنا مباشرة أمام المعضلة البحثية الرئيسة لهذه الدراسة والمتمثلة في تفكيك تلك الموازنة الدقيقة التي حققها الخلفاء الراشدون بين التكليف الشرعي التعبدي والأدوات الاقتصادية الوضعية المستحدثة؛ حيث أفرزت الفتوحات واقعاً جغرافياً وديمغرافياً جديداً تطلب مأسسة العمل المالي عبر أدوات لم تكن معهودة في عهد الرسالة الباكر.

إشكالية الدراسة: كيف وازن الفكر الراشدي بين النص الشرعي الثابت والواقع الاقتصادي المتغير؟ وتتفرع من هذه الإشكالية تساؤلات محورية تسعى الدراسة للإجابة عنها؛ بدءاً من استيضاح الأسس الفكرية والتشريعية التي استند إليها النظام الاقتصادي، مروراً بكيفية تطور منظومة الموارد والإيرادات العامة (كالزكاة، والخراج، والعشور، والجزية)، وصولاً إلى كنه السياسة الإنفاقية والنقدية التي انتهجها بيت المال، ومدى نجاح هذه السياسة في إدارة الأزمات الاقتصادية الكبرى مع اتخاذ “عام الرمادة” كأنموذج تطبيقي للدراسة.

تكتسب هذه الدراسة أهميتها البالغة من كونها تقدم قراءة تأصيلية تحليلية للمؤسسات المالية الأولى في الإسلام، مبتعدة عن السرد التاريخي الإخباري المحض، ومتجهة نحو “التفكيك الاقتصادي والمؤسساتي”، بغية إبراز مرونة الفقه المالي الراشدي القائم على “الاجتهاد المصلحي”. ولتحقيق هذه الأهداف، تعتمد الدراسة على المنهج التاريخي التحليلي والمقارن كأداة إجرائية؛ حيث يتم تتبع نشأة وتطور المؤسسات والسياسات المالية من خلال المصادر الفقهية والتاريخية الأصولية، ثم تحليلها بأدوات الاقتصاد الكلي المعاصر (Macroeconomics)، مع مقارنتها بالنظم الضريبية السائدة في العصرين البيزنطي والساساني.

أولاً: الأسس الفكرية والتشريعية للنظام الاقتصادي الإسلامي في العصر الراشدي

لا يمكن فهم السياسة المالية في العصر الراشدي بمعزل عن الخلفية العقائدية والفلسفية التي أطّرت النشاط الاقتصادي في المجتمع الإسلامي الأول. لقد تحرك الخلفاء الراشدون ضمن رؤية تشريعية واضحة المعالم، صاغت علاقة الإنسان بالمال والملكية والإنتاج وفق محددات نابعة من الوحي، وجرى تكييفها مع الواقع عبر أدوات الاجتهاد الفقهي والسياسة الشرعية.

1. فلسفة المال والملكية والاستخلاف

يقوم النظام الاقتصادي الإسلامي في العصر الراشدي على عقيدة “الاستخلاف في المال” (Economic Trusteeship). فالمال في المنظور الإسلامي ليس ملكية مطلقة للفرد يستبد بها كيفما يشاء، بل هو في الأصل مال الله، والإنسان مستخلف في حيازته وتنميته وصرفه وفق حدود الشريعة ومقاصدها (ابن قيم الجوزية، 1973، ج. 3، ص. 22). هذه الفلسفة شكّلت قيداً أخلاقياً وتشريعياً صارماً حدّ من تغول النزعات الفردية الرأسمالية ومن الجشع والإنفاق الترفي المفسد للاقتصاد.

وقد قسّم الفكر الراشدي الملكية إلى ثلاثة أنواع متوازنة:

  • الملكية العامة: وهي الثروات التي تتعلق بها حاجات المجتمع الأساسية، والتي لا يجوز للأفراد احتكارها (كالمرعى، والماء، والمعادن الاستراتيجية).
  • ملكية الدولة (ملك الأمة): وهي الأموال التي تدخل إلى بيت المال لتُصرف على المصالح العامة وتأمين البنية التحتية وحماية الثغور (الماوردي، 1989، ص. 221).
  • الملكية الخاصة: وهي الملكية الفردية المحمية بالقانون الشرعي، بشرط أن تؤدى حقوقها المالية (كالزكاة) وألا تُستخدم في الإضرار بالآخرين أو الاحتكار.

هذا التوازن البنيوي يختلف تماماً عن الإقطاع الذي كان سائداً في الإمبراطورية البيزنطية، حيث كانت الأرض والإنتاج حكراً على طبقة النبلاء والملوك، بينما تحول الفلاحون إلى أقنان (serfs) لا حقوق لهم (الريس، 1977، ص. 105).

2. الاجتهاد المصلحي وتطوير السياسة الشرعية المالية

تميز العصر الراشدي بالمرونة الفقهية والاقتصادية العالية. فلم يقف الخلفاء جامدين أمام غياب النصوص الجزئية للمستجدات، بل فعّلوا منظومة “السياسة الشرعية” و”المصالح المرسلة” (ابن قيم الجوزية، 1973، ج. 3، ص. 25).

ويُعد قرار الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بعدم تقسيم أراضي السواد في العراق، وأراضي الشام ومصر على الفاتحين، من أبرز تطبيقات هذا الاجتهاد المصلحي المعمق. فوفقاً للفهم الظاهري للآيات الواردة في سورة الأنفال بشأن الغنائم، طالب بعض الصحابة بتقسيم الأراضي المفتوحة كغنيمة مباشرة للمقاتلين (أبو يوسف، 1979، ص. 32). غير أن النظرة الاستراتيجية للخليفة عمر قادته إلى استشراف حقوق الأجيال القادمة وحاجة الدولة المستمرة إلى مورد مالي ثابت لإعالة الجيوش وحماية الحدود.

وقد حاجّهم عمر بن الخطاب بالآيات من سورة الحشر: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ}… حتى وصل إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ}. فقال عمر قائلته الشهيرة: ما تركت أحداً من المسلمين إلا وله في هذا الفأى حق… ولولا الأجيال القادمة لقسمت كل أرض فتحتها كما قسم الرسول ﷺ خيبر (أبو عبيد، 1986، ص. 78). إن هذا الإجراء يمثل تأصيلاً لبقاء الأصول الرأسمالية الاستراتيجية مملوكة للأمة (ملك رقبة الأرض)، مع فرض ضريبة دورية على المنفعة (الخراج).

3. مبدأ العدالة التوزيعية ومحاربة الاحتكار

يرتكز البناء الاقتصادي الراشدي على تفعيل التوجيه القرآني الصارم: {كيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (الحشر: 7)؛ أي ألا تنحصر الثروة وتتداول فقط بين طبقة الأثرياء دون بقية أفراد المجتمع. وتجسد هذا المبدأ إجرائياً في:

  • تفعيل مؤسسة الحسبة والرقابة على الأسواق: حيث تابع الخلفاء حركة الأسعار، ومنعوا الاحتكار، وعين عمر صحابيات (مثل الشفاء بنت عبد الله) للإشراف على الرقابة التجارية (الكتاني، 1927، ص. 210).
  • التشديد على دور الجباية العادلة: لم يكن الهدف فرض ضرائب مجهدة كما كان يفعل البيزنطيون، بل وُضعت قاعدة ذهبية صاغها عمر بن الخطاب في وصاياه لعمال الخراج: خذ العفو، وأمر بالعرف، وانظر ما فضُل عن قوتهم فخذه، ولا ترفعن عليهم سوطاً (أبو يوسف, 1979، ص. 55).

ثانياً: السياسة المالية (هندسة الإيرادات العامة في الدولة الراشدة)

انتقلت الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين من إطار “اقتصاد الكفاف” إلى نموذج “اقتصاد الدولة الإمبراطورية”. هذا التحول التاريخي فرض صياغة منظومة إيرادات عامة تتسم بالاستدامة والتنوع عبر خمسة روافد أساسية:

1. الزكاة وأبعادها الاقتصادية والسياسية

تعد الزكاة، من منظور اقتصاد كلي معاصر، أداة مالية فريدة؛ كونها ضريبة تُفرض على “الأصول الرأسمالية الراكدة أو النامية” (Capital and Wealth Tax) وليس على الاستهلاك، مما يدفع أصحاب الأموال إلى استثمارها وتدويرها في السوق لئلا تلتهمها الزكاة (النبهان، 1988، ص. 145).

شهد عهد الخليفة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) المنعطف التاريخي الأبرز في حماية هذه المنظومة المالية؛ حيث واجه التحدي الاقتصادي والسياسي لقبائل الردة بصرامة حاسمة، معلناً: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه (الطبري، 1967، ج. 3، ص. 244). لم تكن خطوة أبي بكر مجرد دفاع عن شعيرة دينية، بل كانت حمايةً لـ “كيان الدولة المالي” ومفهوم السلطة المركزية الجابية للضرائب الاجتماعية (شلبى، 1983، ص. 62).

2. نظام الخراج والتنظيم الضريبي للأراضي

يُمثل الخراج (الضريبة المفروضة على إنتاج الأراضي الزراعية المفتوحة) الابتكار المالي الأهم للخليفة عمر بن الخطاب. وقامت قواعد حسابه على:

  • مسح الأراضي (Surveying): أجرى عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان أول مسح جغرافي وعقاري شامل لأرض السواد في العراق وتحديد مساحاتها (أبو يوسف، 1979، ص. 36).
  • مراعاة الطاقة التكليفية للغالّ: لم يُفرض الخراج بنسبة ثابتة جامدة، بل عُدِّل بناءً على نوع المحصول وطريقة الري وطبيعة التربة، وهو ما يتطابق مع المبادئ الضريبية الحديثة التي صاغها علماء الاقتصاد مثل آدام سميث (مبدأ العدالة والملاءمة). وبلغت جباية خراج السواد وحده في عهد عمر نحو 100 مليون درهم (أبو عبيد، 1986، ص. 95).

3. العشور (السياسة الجمركية وحماية التجارة الدولية)

عندما علم عمر بن الخطاب أن الدول المجاورة تأخذ من تجار المسلمين العشر كضريبة جمركية، كتب لولاته بالقاعدة التي أسست لـ “المعاملة بالمثل” (Reciprocity) في القانون الدولي والاقتصادي: خذ منهم إذا دخلوا بلادنا مثل ما يأخذون من تجارنا (أبو يوسف، 1979، ص. 132). ويُظهر الجدول التالي التنظيم الهيكلي لنظام العشور الراشدي:

فئة التاجر نسبة العشور (الضريبة الجمركية) المسوغ الاقتصادي والتشريعي
تجار أهل الحرب 10% (العُشر) المعاملة بالمثل وحماية الأمن القومي والاقتصادي للبلاد.
تجار أهل الذمة 5% (نصف العُشر) رعايةً لعقدهم مع الدولة وتحفيزاً لنشاطهم التجاري الداخلي.
تجار المسلمين 2.5% (ربع العُشر) وهي قيمة زكاة عروض التجارة، تُؤخذ مرة واحدة في الحول إذا بلغت النصاب.

4. الجزية والغنائم والفيء

  • الجزية: مبلغ مالي سنوي رمزي فُرِض على الرجال الأحرار القادرين على القتال من أهل الذمة مقابل الدفاع عنهم وإعفائهم من الخدمة العسكرية (الماوردي، 1989، ص. 235). وسقطت عنهم تاريخياً عند عجز الدولة عن حمايتهم، مما يثبت أنها ضريبة سياسية وأمنية وليست عقائدية.
  • الغنائم والفيء: كان يُؤخذ خُمس الغنائم (20%) لبيت المال ليُصرف في المصالح العامة، بينما تُوزع الأربعة أخماس المتبقية على المقاتلين، مما وفّر تمويلاً ذاتياً للحملات العسكرية دون إرهاق الخزينة المركزية (شلبى، 1983، ص. 90).

ثالثاً: دور السياسة المالية الراشدة في إدارة الأزمات (عام الرمادة 18 هـ كنموذج)

لا تُقاس كفاءة النظم المالية بقدرتها على إدارة الفوائض فحسب، بل تظهر أصالتها في كيفية مواجهة الصدمات العنيفة وأزمات العرض الطارئة (Supply Shocks). ويُعد “عام الرمادة” (18 هـ / 639 م) المختبر التطبيقي الأبرز لآليات الفكر الاقتصادي الراشدي في إدارة الأزمات الكبرى (ابن سعد، 1990، ج. 3، ص. 220). وأدار الخليفة عمر بن الخطاب هذه الأزمة عبر محاور استراتيجية رئيسية:

1. السياسة الضريبية المرنة وتأجيل الجباية (Counter-Cyclical Fiscal Policy)

أثبت الفكر المالي الراشدي فهمه لـ “السياسة المالية الدورية المعاكسة”، وهي السياسة التي تقتضي تخفيف الأعباء المالية وضخ السيولة في أوقات الركود والأزمات. اتخذ عمر قراراً بتعطيل جباية الزكاة عن القبائل المضرورة، ولم يكن هذا الإجراء إسقاطاً للحق بل كان “تأجيلاً مراعاة للطاقة التمويلية للمكلف”؛ إذ إنه لما انقشعت الأزمة في العام التالي، جَبى عماله زكاة عام الرمادة وزكاة العام الجديد معاً (ابن قيم الجوزية، 1973، ج. 3، ص. 28).

2. الإنفاق التوسعي من الاحتياطي الاستراتيجي

طبق الخليفة سياسة “الإنفاق التوسعي”؛ ففتح مخازن بيت المال المركزي بالكامل، وقام بضخ احتياطيات الدولة الاستراتيجية من الأقوات لإعالة النازحين وتأمين حد الكفاية الغذائية لهم (ابن سعد، 1990، ج. 3، ص. 222). وترسخ بذلك مبدأ اقتصادي مفاده أن “الأموال المكدسة في الاحتياطي العام ليست غاية بحد ذاتها، بل هي أداة لحفظ الاستقرار البشري والاقتصادي”.

3. تفعيل التكامل الإقليمي وإدارة الإغاثة البينية (Inter-Regional Relief)

فعّل عمر منظومة “التكامل الاقتصادي البيني” مستغلاً جغرافية الدولة الممتدة؛ فكتب إلى عمرو بن العاص في مصر: يا غوثاه.. أتهلك الرعية ومن قبلك يعيشون؟، وكتب مثل ذلك إلى ولاة الشام والعراق (الطبري، 1967، ج. 4، ص. 102). فتدفقت خطوط الإمداد اللوجستي عبر خط بري وبحرى منظم، مما أعاد توازن العرض والطلب في السوق المحلي للحجاز، وقضى على الارتفاع الجنوني في الأسعار (Supply Deficit).

4. تعطيل الأحكام الجنائية للشبهة الاقتصادية (حد السرقة)

من أعمق القرارات التي اتخذها عمر بن الخطاب هو “وقف تطبيق حد السرقة” طوال فترة المجاعة. واعتبر أن الجوع والاضطرار يمثلان “شبهة قوية” تدرأ الحد استناداً للقاعدة النبوية “ادرؤوا الحدود بالشبهات” (ابن قيم الجوزية، 1973، ج. 3، ص. 22). وحمّل عمر أرباب المال والدولة مسؤولية التقصير في تأمين حد الكفاف للمواطنين، وهو ربط عبقري بين العدالة الاقتصادية والعدالة الجنائية.

الخاتمة والتوصيات

أفضت القراءة التحليلية في تتبع النظام الاقتصادي والسياسة المالية في العصر الراشدي إلى جملة من الحقائق العلمية؛ إذ تبيّن بشكل جلي أن المنظومة المالية في العهد الراشدي لم تكن قالباً جامداً، بل اتسمت بديناميكية تشريعية ومؤسساتية استثنائية استطاعت المزاوجة بكفاءة بين ثبات المقاصد الشرعية الكلية وبين مرونة الوسائل الإدارية المستحدثة.

وتتأسس بناءً على هذه النتائج جملة من التوصيات العلمية:

  • ضرورة تجاوز الرؤى الوصفية والإخبارية المستهلكة في قراءة التاريخ المالي الإسلامي، والتحول الجاد نحو “التفكيك المحاسبي والاقتصادي الكلي” لاستكشاف مكامن المرونة الفقهية.
  • دعوة صناع القرار المالي والمؤسسات الاقتصادية في العالم الإسلامي إلى الاسترشاد بنموذج “الاجتهاد المصلحي” الراشدي لابتكار أدوات مالية ونقدية معاصرة – كصناديق الاحتياطي التكافلي السيادية – قادرة على معالجة الاختلالات الهيكلية، وعجز الموازنات، وإدارة الأزمات الدورية.
  • تفعيل المعايير الراشدة في فرض الضرائب والرسوم الجمركية بما يراعي الطاقة التكليفية للمكلف ويحمي في الآن ذاته الإنتاج والاستقرار المجتمعي.

قائمة المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم
  • ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (2004). ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (تاريخ ابن خلدون) (ج. 1). دار الفكر للطباعة والنشر.
  • ابن سعد، محمد بن منيع البصري. (1990). الطبقات الكبرى (تحقيق محمد عبد القادر عطا، ج. 3). دار الكتب العلمية.
  • ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. (1973). إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج. 3). دار الجيل.
  • أبو عبيد، القاسم بن سلام. (1986). كتاب الأموال (تحقيق محمد خليل هراس). دار الفكر.
  • أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم. (1979). كتاب الخراج. دار المعرفة للطباعة والنشر.
  • الريس، محمد ضياء الدين. (1977). الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية (ط. 5). دار المعارف.
  • شلبى، محمود. (1983). السياسة المالية في الإسلام (ط. 1). دار الجيل.
  • الطبري، محمد بن جرير. (1967). تاريخ الرسل والملوك (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج. 3 و4). دار المعارف.
  • الكتاني، عبد الحي بن عبد الكبير. (1927). نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية. دار الأرقم بن أبي الأرقم.
  • الماوردي، علي بن محمد. (1989). الأحكام السلطانية والولايات الدينية. دار الكتب العلمية.
  • النبهان، محمد فاروق. (1988). الفكر الاقتصادي في الإسلام. دار البحوث العلمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.