مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

نظام الاقتصاد الإسلامي: مفهومه، ونشأته، ودور الهجرة النبوية في تأسيسه وتطوره، وتطبيقاته – د. عبد الفتاح ثابت ناصر أحمد -اليمن-

0 2

نظام الاقتصاد الإسلامي: مفهومه، ونشأته، ودور الهجرة النبوية في تأسيسه وتطوره، وتطبيقاته

الدكتور / عبد الفتاح ثابت ناصر أحمد (Dr. Abdulfatah. T.N.A)
أستاذ الإدارة والاقتصاد المشارك – كلية مجتمع “الهجر” القبيطة – لحج
الجمهورية اليمنية | هاتف: 00967773509927
البريد الإلكتروني: fatah600@yahoo.com | Fatah2004@mail.ru

عام النشر: 2026 م – 1447 هـ

ملخص البحث

تناول هذا البحث المختصر المتواضع نظام الاقتصاد الإسلامي، مفهومه، بداية ظهوره، ومساهمة الهجرة النبوية في ترسيخه وانتشاره وتطبيقه. وتطرق البحث إلى الفوائد والعوائد الكبيرة والكثيرة لنظام الاقتصاد الإسلامي، الذي ساهم إلى حد كبير في محاربة الفقر وتحسين حياة الفرد والمجتمعات الإسلامية من خلال تطبيق مبادئ السنة والشريعة الإسلامية في تعاملاته وإجراءاته، ووضع اللبنات الأولية لنظام اقتصادي متين وقوي يقوم على أساس العدل، والتكامل، والمساواة، وحسن التعامل، والأخلاق.

وأوضح البحث استفادة الدول والمجتمعات غير الإسلامية من تطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي في المجالات المختلفة والتعاملات الاقتصادية، والاجتماعية، والمالية، والمصرفية، والصناعية، والتجارية، وغيرها من المجالات التي كان للنظام الاقتصادي الإسلامي دور كبير في تطويرها وتفادي كثير من المشكلات التي كانت ستواجه الأنظمة الاقتصادية التقليدية الأخرى.

Abstract:
This brief and modest research addresses the Islamic economic system, its concept, its origins, and the contribution of the Prophet’s migration to its establishment, spread, and application. The research also touches upon the numerous and significant benefits and returns of the Islamic economic system, which has contributed greatly to combating poverty and improving lives. Individuals and Muslim societies, through the application of the principles of the Sunnah and Islamic law in their dealings and procedures, lay the foundations for a robust and strong economic system based on justice, integration, equality, good conduct, and ethics. The research also demonstrated the benefits that non-Muslim countries and societies have gained from the application of the Islamic economic system in various fields and transactions. The economic, social, financial, banking, industrial, commercial and other fields in which the Islamic economic system played a major role in developing and avoiding many of the problems that other traditional economic systems would have faced.
Keywords: rules, jurisprudence, intelligence, artificial, guarantee.

مشكلة البحث: تتلخص في بيان مفهوم النظام الاقتصادي الإسلامي، وتاريخ تطوره، ومساهمة الهجرة النبوية في تأسيسه وترسيخه وتطوره، ومجالات تطبيقه في الحياة التعاملية بين أفراد المجتمع، وأيضاً مساهمة هذا النظام في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية مثل محاربة الفقر والغش وتحسين مستوى الحياة للمجتمع.

أهمية البحث: تكمن أهمية البحث في التعرف على الأهمية الكبرى للنظام الاقتصادي الإسلامي، والفوائد الكبيرة والكثيرة التي يحصل عليها الفرد والمجتمع الإسلامي من خلال تطبيقات وقواعد هذا النظام التي تعود بالمنفعة الكبرى على المسلم في مختلف جوانب الحياة.

أهداف البحث: يهدف البحث إلى إعطاء مفاهيم نظرية عن النظام الاقتصادي الإسلامي، وتوضيح الإيجابيات والفوائد الكثيرة التي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع الإسلامي، بالإضافة إلى الفائدة الكبيرة من تطبيقاته في مجالات متعددة ومختلفة للبلدان والمجتمعات غير الإسلامية.

منهجية البحث: اعتمدت في كتابة هذا البحث المختصر على المقالات والبحوث المنشورة في المواقع الإلكترونية، والكتب الخاصة بموضوع النظام الاقتصادي الإسلامي. وتم الاستعانة بالمنهج الاستقرائي بهدف الوقوف على آراء بعض الباحثين في هذا الموضوع والخروج بنتائج وتوصيات تتناسب والتطورات الجارية والحديثة المعاصرة التي يعيشها العالم بأسره.

المبحث الأول: مفهوم ونشأة وتطوير نظام الاقتصاد الإسلامي ودور الهجرة النبوية في تأسيسه وانتشاره

المطلب الأول: مفهوم نظام الاقتصاد الإسلامي

  • هو مجموعة المبادئ والأصول الاقتصادية التي تحكم النشاط الاقتصادي للدولة الإسلامية التي وردت في نصوص القرآن والسنة النبوية، والتي يمكن تطبيقها بما يتلاءم مع ظروف الزمان والمكان. ويعالج الاقتصاد الإسلامي مشاكل المجتمع الاقتصادية وفق المنظور الإسلامي للحياة. ومن هذا التعريف يتضح أن الأصول ومبادئ الاقتصاد الإسلامية التي وردت في القرآن والسنة النبوية، هي أصول لا تقبل التعديل لأنها صالحة لكل زمان ومكان بصرف النظر عن تغير الظروف مثل الزكاة.
  • هو نظام مستقل وضع بهدي من الله عز وجل وفقاً لتعاليمه وهو ما يميزه عن الأنظمة الاقتصادية الأخرى، وهو ليس مجرد مبادئ وقواعد نظرية غير قابلة للتطبيق، وإنما هو نظام قابل للحياة والممارسة الفعلية من خلال مؤسسات وأجهزة تجسد هذه المبادئ.
  • أسلوب اقتصاديّ مُعتَمِد على الإسلام في استخدام الموارد من أجل توفير حاجات الناس. ويُعرف نظام الاقتصاد الإسلاميّ أيضاً بأنّه نظام مُرتبط بالعقيدة والأخلاق الإسلاميّة، يحتوي على مجموعة من الإرشادات التي تسهم في التحكّم بالسلوك الاقتصاديّ؛ وتحديداً في مجالات الادّخار والإنفاق.
  • هو ذلك الفرع من المعرفة الذي يساعد على تحقيق رفاهة الإنسان من خلال تخصيص وتوزيع الموارد النادرة بما ينسجم مع التعاليم الإسلامية، وبدون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تكبيل حرية الفرد أو إيجاد اختلالات مستمرة سواء في الاقتصاد الكلي أو البيئة.
  • يقوم على أسس مستنبطة من شرع الله تبارك وتعالى؛ الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، ولذلك فهو نظام دائم؛ لأن مصدره هو الشريعة الإسلامية، أما الأنظمة الاقتصادية الوضعية فهي تقوم على أسس من وضع البشر المخلوق؛ الذي لا يعلم ماذا يكسب غداً ولا يعلم بأي أرض يموت.
  • يُقدّم الفنجري تعريفاً واضحاً للاقتصاد الإسلامي، ويضع إطاراً لمبادئه الأساسية. فالاقتصاد الإسلامي، بحسب الكاتب، هو نظام اقتصادي يقوم على مجموعة من القواعد التي تستمد أساسها من القرآن الكريم والسنة النبوية، ويهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الروح والجسد، وإقامة العدل الاجتماعي. إذ يرفض الاقتصاد الإسلامي، كمثال، مبدأ الربا الذي يُعتبر أساساً في الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية، ويضع بدلاً منه مبادئ مثل الزكاة والوقف لتحقيق التوزيع العادل للثروة.
  • يعرف نظام الاقتصاد الإسلامي بالسلوك الإسلامي الذي انبثق من العقيدة والأخلاق الإسلامية في استخدام الموارد المادية لإشباع الحاجات الإنسانية.

المطلب الثاني: نشأة النظام الاقتصادي الإسلامي

تناول الإسلامُ حياةَ البشر في مختلف نواحيها سواء أكانت روحيَّةً أم مادِّيَّةً، فلم يقتصر الإسلام على مجرَّد العقائد، والهداية الروحيَّة في الوقت الَّذي لم يغفلها؛ فهو الدِّين الخاتم الكامل لا يقتصر على شأن دون آخر، وإنَّما جاء بتوجيه عام سياسيٍّ، واجتماعيٍّ، واقتصاديٍّ، وهذا ما يعبر عنه بمصطلح الإسلام دينٌ ودُنْيَا، أو أنَّه عقيدة وشريعة. وبما أنَّ الإسلام جاء بمنهج شامل لعلاج كل المشاكل والأزمات، وعلى رأسها المشاكل الاقتصاديَّة، والَّتي كانت محدودة في الصَّدر الأوَّل من الإسلام، وذلك؛ لفقر البيئة، وتواضع الأنشطة الاقتصاديَّة كالرَّعي والتِّجارة، بالإضافة لقوَّة الوازع الدِّينيِّ في النُّفوس، فلا تجد غشًّا، ولا تدليسًا، ولا غبنًا، ولا احتكارًا.

ثُمَّ لمَّا توسَّعت المعاملات بين النَّاس وازدهرت التِّجارة والصِّناعة، وانفتحت المجتمعات والدُّول على بعضها البعض، وضعف الوازع الدِّينيُّ، والإيمان بالله، وظهور الحيل والخديعة في معاملات النَّاس؛ استجدت قضايا اقتصاديَّة تختلف تمامًا عمَّا عاشه سلف الأُمَّة كالشَّرِكات الحديثة، وبيوع الأسهم، والبورصات، والمعاملات المصرفيَّة، وغيرها، إضافةً إلى الحاجة لضبط معاملات النَّاس وعقودهم؛ لكي لا تُفْضِي إلى النِّزاع والخلاف؛ مِمَّا أدَّى إلى اهتمام العلماء بدراسة هذا العلم، وبحث قضاياه، ومعالجة مشكلاته.

وفي بداية القرن العشرين ظهرت مذاهبُ اقتصاديَّةٌ بثَّتها دول عظمى تريد الثَّروة واستعمار خيرات الشُّعوب، أشهرها النِّظام الرَّأسماليُّ، والنِّظام الاشتراكيُّ، أمَّا النِّظام الإسلاميُّ فقد ضعف بسبب هيمنة الدُّول الأجنبيَّة على بلاد المسلمين، وإقصائهم للشَّريعة الإسلاميَّة من التَّطبيق والتَّحكيم في شؤون الحياة. فلم يظهر الاقتصاد الإسلاميُّ كعلم إلَّا في أواخر القرن الرَّابع عشر الهجريِّ، أو في النِّصف الثَّاني من القرن العشرين، وكانت الرَّغبة في إقامة نظام اقتصاديٍّ عصريٍّ يحفظ هُوِيَّةَ الأقطار الإسلاميَّة، ويحقِّق مصالحها وقوَّتها إثر انهيار الدَّولة العثمانيَّة، ومن هنا نشأ علم الاقتصاد الإسلاميِّ كعلمٍ مستقلٍّ اهتمَّ فيه الباحثون بتأليف الكتب، ونشر الأبحاث، ومناقشة الأفكار.

المطلب الثالث: الهجرة النبوية وتأسيس النظام الاقتصادي الإسلامي

مثَّلت الهجرة النبوية الحدث الهام لتأسيس نظام اقتصادي للدولة الإسلامية الوليدة، وبرزت لنا بكل وضوح قواعد هذا النظام، وآلياته، ومؤسساته، وأولويات أهدافه، والسياسات الاقتصادية المتبعة فيه، والتي تنطلق من القواعد التالية:

1. تحقيق الكفاية لكل مسلم غاية النظام الاقتصادي النبوي في المدينة

بادر النبي صلى الله عليه وسلم مبكِّرًا إلى تأسيس قواعد النظام الاقتصادي وبناء مؤسساته وتوظيف آلياته لتنظيم الأوضاع الاقتصادية في المدينة المنورة، فوجدنا بيانًا واضحًا لأولوية أهداف النظام الاقتصادي في توفير الكفاية لكل فرد في الأمة، من خلال نظام المؤاخاة، فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وبالتالي حقَّق كفاية العيش للمهاجرين. ولقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في تجسيد معاني هذا النظام والوصول به إلى أعلى درجات البذل، بتقديم المشاركة الكاملة في الأموال والإقامة للمهاجرين الوافدين.

2. إقامة السوق الإسلامية في المدينة المنورة

لقد بادر النبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأولى في المدينة المنورة إلى تأسيس آلية تنسيق النشاط الاقتصادي، وهي السوق، حيث قام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحديد موضع للسوق قريبًا من المسجد النبوي، كما وضع قواعده وضوابطه فيما بينه من أحكام للسوق، فكان يتفقَّدها بعد صلاة الفجر، ويحذِّر من الغش في صفقاتها ويختبر جودة السلع بنفسه، فازدهرت هذه السوق، ووجد فيها بعض المهاجرين كعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان فرصةً عظيمةً للتجارة، فربحوا وحقَّقوا ثروةً استغنوْا بها عن العيش في ظل نظام المؤاخاة.

3. إنشاء مؤسسات اقتصادية ومالية جديدة: مؤسسة الزكاة، ومؤسسة بيت المال

تعد مؤسسة الزكاة هي المؤسَّسة التي تختصُّ بتحقيق الكفاية لكل فرد في الأمة بشكل دائم ومستقرٍّ، وتتميز بوضوح القواعد الضابطة لطبيعة مواردها وتحديد المستحقين لمصارفها، وسعر الزكاة المستحق على المال الخاضع للزكاة وشروط خضوعه للزكاة. أما مؤسسة بيت المال، فقد أوجَدتْ أول مؤسسة في التاريخ الاقتصادي تحدِّد الفصل بين ملكية مال الحاكم وملكية أموال الدولة في ضوابط محددة وأحكام واضحة، بعد أن كان الأمر قبل الإسلام في دول أخرى مثل فارس والروم أن الحاكم يملك كل شيء ويتصرف فيه بمفرده.

4. تعدد أنواع الملكية في النظام الاقتصادي النبوي

ساعد هذا التميز في تلبية الحوافز الفردية مع تقرير الملكية الفردية، وتغطية الالتزامات المختلفة للدولة من خلال تقرير ملكية الدولة، وتحقيق الضمان الاجتماعي بتقرير الملكية العامة، وتشتمل نظم الملكية في الإسلام على ما يلي:

  • الملكية الخاصة: وضع قواعد حمايتها ومنع الاعتداء عليها، ووسع دائرة كسبها في الإحياء والإقطاع.
  • ملكية الدولة: ممثَّلة في ملكية بيت المال، وهي ملكية لها مصادرها وتخصَّص لإقامة المصالح العامة؛ من طرق، وسدود، وجسور، ورعاية اجتماعية.
  • الملكية العامة: وهي الأموال العامة التي ينتفع بها كل الناس، مثل الترع والأنهار، والمراعي في الصحراء، والمعادن في باطن الأرض.

5. الحوافز على النشاط الاقتصادي في النظام الاقتصادي النبوي

تميزت الحوافز في الإسلام بأنها حوافز متنوِّعة، فتجمع بين الحوافز المادية والمعنوية، والدنيوية والأخروية، ومثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا كَسَبَ الرَّجُلُ كَسْبًا أَطْيَبَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَمَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ، فَهُوَ صَدَقَةٌ»، ومثله في الحث على الغنى والنفقة: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» وهذا بيان للحافز المعنوي والأدبي.

المطلب الرابع: تطور الاقتصاد الإسلامي

شهد الاقتصاد الإسلامي كعلم تطوراً ديناميكياً متسارعاً في النصف الثاني من القرن العشرين، وتعتبر جامعة الأزهر أول من درس الاقتصاد الإسلامي كمادة علمية مستقلة عام 1961م، ثم تلتها جامعة الملك عبد العزيز عام 1964م، ثم جامعة أم درمان في السودان عام 1966م. وكان من توصيات مؤتمر علماء المسلمين السابع عام 1972م ضرورة تدريس مادة الاقتصاد الإسلامي في جميع جامعات العالم الإسلامي.

وعلى أثر تطور علم الاقتصاد الإسلامي تطورت تجربة المصارف الإسلامية، فكانت التجربة الأولى للمصرف الإسلامي (تجربة ميت غمر في صعيد مصر) عام 1963م، ثم نشأ البنك الإسلامي للتنمية وبنك دبي الإسلامي عام 1975م، وفي عام 1977م تأسست ثلاثة بنوك إسلامية هي: بنك فيصل الإسلامي السوداني، وبنك فيصل الإسلامي المصري، وبيت التمويل الكويتي.

وبعد هذه المسيرة الحافلة، حققت المصرفية الإسلامية أرقاماً قياسية وفق أحدث التقارير العالمية (المحدثة لعام 2026):

  • تجاوز حجم قطاع التمويل الإسلامي العالمي حاجز 4 تريليونات دولار أمريكي مع حلول عام 2026، مستمراً في النمو بمعدلات قياسية تفوق 7.5% سنوياً.
  • شهد قطاع التكنولوجيا المالية الإسلامية (Islamic FinTech) والخدمات المصرفية الرقمية طفرة هائلة وتوسعت الاستثمارات الرقمية والابتكارات في بلدان منظمة التعاون الإسلامي والدول الغربية.
  • تحتل السعودية وماليزيا وإيران مراكز الصدارة من حيث أصول سوق التمويل الإسلامي، مع اهتمام متصاعد في دول أوروبا وأمريكا ودول شرق آسيا، حيث تبرز بريطانيا وفرنسا في تقديم تخصصات المعاملات المالية الإسلامية في جامعاتها الكبرى.

المبحث الثاني: أركان، أهداف، خصائص، أدوات، مبادئ وأسس نظام الاقتصاد الإسلامي

المطلب الأول: أركان الاقتصاد الإسلامي

يقوم الاقتصاد الإسلامي على ثلاثة أركان أساسية هي:

الركن الأول: الملكية المزدوجة: ونقصد بها الملكية الخاصة التي يختص الفرد بتملكها، والملكية العامة التي هي ملك مشاع لأفراد المجتمع. ويحقق الاقتصاد الإسلامي التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، وإذا حصل تعارض فإن الإسلام يقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد. (من مجالات الملكية العامة: الأوقاف الخيرية، المعادن، الزكاة. ومن مجالات الملكية الخاصة: البيع، الصناعة، الإرث، الزراعة).

الركن الثاني: الحرية الاقتصادية المقيدة: تقييد الحرية الاقتصادية في الإسلام يعني إيجاد الضوابط الشرعية في كسب المال وإنفاقه لتحقيق الكسب الحلال والنفع العام، مخالفا الرأسمالية التي أطلقت الحرية بلا ضوابط، والاشتراكية التي صادرت الحرية ومنعت التملك. وضبطت الحرية بشروط:

  • أن يكون النشاط الاقتصادي مشروعاً (خالياً من الربا، الغرر، القمار، والاحتكار).
  • أن تتدخل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها بالحد من حريات الأفراد إذا أضرت بالمجتمع.
  • تربية المسلم على تغليب المصلحة العامة للحديث: ((لا ضرر ولا ضرار)).

الركن الثالث: التكافل الاجتماعي: نظراً للتفاوت الفطري في المواهب والإمكانيات ومقدار الكسب، شرع الإسلام تشريعات لسد النقص لدى أهل الاحتياج مثل: الزكاة، الإنفاق الواجب على الأقارب، الكفارات، الصدقات، والقروض والهبات.

المطلب الثاني: أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي

يهدف النظام الاقتصادي الإسلامي إلى تحقيق العبودية الكاملة لله عز وجل، ويرتبط بهذا المبدأ عدة أهداف أساسية:

1. التخصيص الأمثل لكل الموارد الاقتصادية: بشروط عدم إنتاج السلع المحرمة، والتركيز على الضروريات وعدم الإسراف، والكفاءة في استخدام الموارد.

2. توفير الحاجات الأساسية للمجتمع: ويتم الإنتاج حسب الأولوية وتقسيم السلع إلى:

  • السلع الضرورية: التي تخدم صيانة الكليات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، والمال) كالأكل والشرب والمسكن.
  • السلع الحاجية: التي يمكن الاستغناء عنها ولكن بشيء من المشقة والتعب مثل استهلاك بعض أنواع الأطعمة المتنوعة.
  • السلع التكميلية: الأمور التي تحسن الحياة وتجملها ولا تتحرج بدونها مثل استخدام الحاسوب المتقدم وسائل الترفيه.

3. تحقيق توزيع عادل للدخل والثروة: التوزيع الناتج من عملية التوجيه التلقائي بواسطة الزكاة، الصدقات، والإرث لإشباع الحاجات الضرورية العامة والخاصة للأفراد.

المطلب الثالث: خصائص نظام الاقتصاد الإسلامي

  • نظام رباني: مصدره هو الله سبحانه وتعالى من خلال النصوص الشرعية كقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا). وميزته استنبات وازع قوي في النفس الإنسانية لحمايته والتزام ضوابطه.
  • مراعاة الفطرة الإنسانية: اهتم بفطرة الإنسان كحب التملك والمال قال تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)، فنظم ذلك عبر إقرار حق الملكية وتشريع نظام الإرث.
  • الاعتدال والتوازن: نظام وسط بين الرأسمالية التي غلبت حق الفرد وأهملت المجتمع، والشيوعية التي غلبت المجتمع وألغت الفرد.
  • مراعاة معاني الأخلاق: محاط بضوابط أخلاقية تمنع الغش والاحتكار والربا والرشوة.
  • التأكيد على سد حاجات الأفراد: عبر تدرج يبدأ بالعمل الشخصي، ثم توفير الدولة للعمل، ثم نفقة الأسرة، ثم الزكاة، ثم بيت المال، وصولاً إلى فرض تكافلي على الأغنياء عند الأزمات.

المطلب الرابع: أدوات ومبادئ وأسس الاقتصاد الإسلامي

الأدوات المالية: تشمل المضاربة (المشاركة في الربح والخسارة)، المرابحة (البيع بربح معلوم ومؤجل)، والوقف (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة للمشاريع الاجتماعية كبناء المدارس والمستشفيات).

المبادئ الأساسية: ترتكز على العدالة في المعاملات، حرمة الربا الاستغلالي، الاستخلاف والمسؤولية (المال مال الله والإنسان مستخلف فيه)، والشراكة في المخاطر والتوجه نحو التنمية المستدامة الشاملة.

الأسس: تقوم على أن الأصل في الملكية لله تعالى وحده، لقوله سبحانه: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} وقوله: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، مما يوجب توجيه التصرفات المالية وفق ما يصلح شؤون العباد ويحقق العدالة الإلهية في الأرض.

الخاتمة والنتائج

من خلال ما تقدم في هذا البحث، نخلص إلى النتائج الآتية:

  1. أن نظام الاقتصاد الإسلامي نظام شامل ورباني يجمع بين الجوانب المادية والروحية والأخلاقية، ويستمد أحكامه من الوحي الإلهي الصالح لكل زمان ومكان.
  2. مثلت الهجرة النبوية الشريفة نقطة التحول التاريخية لتأسيس أول دولة ونظام اقتصادي متكامل في المدينة المنورة عبر إنشاء السوق المستقلة، ونظام المؤاخاة، وتأسيس بيت المال ومؤسسة الزكاة.
  3. يتميز الاقتصاد الإسلامي بأركانه الفريدة (الملكية المزدوجة، الحرية المقيدة، والتكافل الاجتماعي) التي تضمن التوازن وتمنع تغول طبقة على أخرى كما في الأنظمة الوضعية.
  4. أثبتت التطبيقات المعاصرة وصعود الصيرفة والتكنولوجيا المالية الإسلامية في القرن الحادي والعشرين مرونة هذا النظام وقدرته على تقديم حلول عملية للأزمات المالية العالمية ومحاربة الفقر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.