مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

حاجة البشرية لطريق ثالث – أ. ناصر حيدر مدير بنك -السلام- الجزائري -الجزائر-

0 4

حاجة البشرية لطريق ثالث

في سنة 2011 انعقد بجامعة منتوبان قرب مدينة تولوز بجنوب فرنسا مؤتمر دولي بعنوان ” الأديان والقانون أمام اقتصاد بلا إيمان ولا قانون” دعي إليه رجال دين من مختلف الملل و النحل واقتصاديون وقانونيون لمناقشة موضوع ابتعاد النظام الاقتصادي والمالي العالمي عن الضوابط الأخلاقية التي نادت بها الأديان وأدى به إلى تلكم الأزمات التي عصفت بهذه المنظومة المادية وآخرها أزمة سنة 2008.

إن عودة الاهتمام بالبعد الأخلاقي والقيمي للمارسات المالية والتجارية دليل على شعور الحكومات و المختصين بمدى الخطر الذي يحيق بالمجتمعات الحديثة نتيجة هذا الشرخ بين عالم المال و الأعمال ومبادئ الدين و الأخلاق وهذا ما أجمع عليه المشاركون في هذا الملتقى على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.

الهيمنة الغربية ومسار التغريب الإقصائي

منذ بزوغ فجر العصر الصناعي، فرضت الحضارة الغربية نفسها تدريجياً بوصفها النموذج المرجعي ومنظومة القيم المعيارية على نطاق عالمي. وقد كان هذا التدويل للنظام الأوروبي نتيجةً هيمنة الغرب على بقية العالم، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وتكنلوجيا.

لقد جرت عملية تغريب العالم بشكل متفاوت ومتنوع تبعاً لمستوى تطور وقدرات الكيانات الحضارية الأخرى على الصمود والمقاومة. ففي الوقت الذي أُبيدت فيه شعوب بأكملها على يد الغزاة الإسبان في العالم الجديد باسم المسيح والحضارة، أعقب استعمارَ مناطقَ أخرى مسارٌ من الاجتثاث الثقافي المنهجي، هدفه اقتلاع الشعوب المهزومة من جذورها وهويتها. وقد اندرجت هذه الإبادة الثقافية ضمن منطق نظام هيمني إقصائي لا يقبل أي تعايش ـ ولو كان سلمياً ـ مع دوائر حضارية أخرى. ولهذا انهمكت الآلة الاستعمارية في سحق كل عناصر المقاومة المحتملة التي يمكن أن تعيق أو تؤخر ترسيخ النموذج الغربي في العالم. فاللغة، والتاريخ، والدين، والبنى الاجتماعية، والنظام القانوني، والتنظيم الاقتصادي، وكل ما يشكل الذات العميقة للأمم، أصبح هدفاً لعملية تفكيك ممنهجة. وهكذا فقدت الشعوب المستعمَرة تدريجياً وعيها بوجودها وذاتها وغرقت في حالة من الذهول يمكن وصفها بالنسيان الجماعي.

تحول الرأسمالية والنزعة الاستهلاكية الحديثة

ومع تنامي وعي المضطهدين في الأرض، سواء داخل النظام الغربي أو خارجه، ونهوضهم للمطالبة بحقوقهم المهضومة أعاد هذا النظام هيكلة نفسه تدريجياً وفق المعطيات الاجتماعية والسياسية الجديدة. وهكذا أدى استيلاء الشيوعيين على السلطة في أوروبا الشرقية، وحركات التحرر في العالم غير الغربي، إلى تخلي الغرب عن الرأسمالية البدائية المتوحشة ليتبنى نظاما أكثر مرونة وذي نزعة كونية حيث حلت الشركات المتعددة الجنسيات محل الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، وخلفت سلطة المال قوة السيف لضمان استمرار هيمنة الغرب على العالم.

وفي خضم ذلك، أدت Tطورات الهائلة للتكنولوجيا الحديثة وتزايد القدرات الإنتاجية إلى نشوء عقلية استهلاكية حولت المجتمعات الرأسمالية إلى أنبوب هضمي هائل، شرهٍ لا يشبع. فتحولت الحاجة إلى الاستهلاك، التي كانت فيما مضى نابعة من الطبيعة، إلى نزوات مصطنعة تغذيها تقنيات الدعاية والإعلان بغرض تضخيم أرباح الشركات الكبرى. وفي نهاية المطاف، نجحت هذه “الوحوش الحديثة” في تجريد الإنسان من جوهره الإنساني، محولةً إياه إلى كائن بدائي تحركه الغريزة الحيوانية.

انهيار الوهم الشيوعي وتناقضاته

وعلى الجانب الآخر من الجدار، لم يتأخر العالم الشيوعي في الاستفاقة من أوهام الوعود الخيالية للماركسية اللينينية. إذ تفطنت الشعوب التي كانت ترزح تحت كلكل هذه النظم الشمولية أن هذه الأخيرة ليست في الحقيقة سوى نسخة أخرى من النظام الغربي حيث سرعان ما تبخر حلم الفردوس الأرضي الذي بشّر به “أنبياء” الديانة المادية، وحلت ” النمونكلاتورا الحزبية محل الأوليغارشية التجارية في التمتع بكل الامتيازات و أضحت الاشتراكية في نظر البروليتاريين البائسين والمحبَطين مرادفة للندرة، والغلاء، والقمع، والاستغلال، والبؤس، والمحسوبية… أي باختصار، لكل الآفات التي ادعت هذه الأيديولوجيا يوماً أنها جاءت لمحاربتها.

وفي نهاية المطاف، أثبت الجدل الماركسي فعاليته فعلاً، ولكن في الاتجاه المعاكس. فقد أظهرت مجريات الأحداث أن هذا النظام يحمل تناقضات عميقة لا تقل عن تلك التي كان منظّروه ينسبونها إلى الرأسمالية، وأنه هو الذي كان يحمل في طياته بذور فنائه. وقد كان آلاف الشباب اليائسين الذين كانوا يخاطرون بحياتهم بالقفز من على جدار برلين نحو “الجحيم” الرأسمالي” دون أن يشعروا يقرعون أجراس وفاة الوهم الشيوعي. ثم ما لبث أن انهار ذلك الجدار ووجهت تلك الأمواج البشرية التي انهالت على برلين الغربية في تلك الأيام التاريخية الضربة القاضية لأكبر كذبة في تاريخ البشرية. وسرعان ما أفسح نمط الإنتاج الاشتراكي المجال لقوانين السوق، وتنازل نظام الحزب الواحد البروليتاري في النهاية أمام التعددية البرجوازية. أما آخر الأنظمة التي بقيت وفية سياسياً لأيديولوجية كارل ماركس، أي الصين وكوبا، فقد أضحت فردوسا للشركات المتعددة الجنسيات الباحثة عن أسواق جديدة ويد عاملة رخيصة وتبنت منطق الاقتصاد المفتوح مما يكفي ليجعل لينين يتقلب في قبره! ولا نتحدث عن كوريا الشمالية طبعا التي بقيت خارج مسار التاريخ.

تخبط بقية العالم وتبعيته للنظام المالي

وفي خضم كل هذه التحولات، ماذا كان حال بقية العالم؟ لقد ظل تائهاً يجرب بالتناوب وصفات سحرية مستوردة من الشرق أو الغرب، باحثاً عن طريق الخلاص تارة هنا وتارة هناك. وعندما سقطت العديد من هذه الدول على ركبتيها منهكة القوى مهيضة الجناح تنوء تحت عبئ ديون لا قبل لها بسدادها، ومدت يدها مسترحمة مرابيي العالم ، تفضل هؤلاء ـ بدافع “إنساني” مزعوم ـ بإسقلط بعض الفوائد عنها صدقة مشروطة بقيود قاسية، تحكم عليه بالبقاء أبد الدهر تابعة وخاضعةً لنظام مالي عالمي بلا روح ولا ضمير.

إسقاطات تاريخية: بين بيزنطة وفارس الساسانية

قبل عدة قرون، عاشت الإنسانية وضعاً يشبه إلى حد بعيد وضعنا الراهن. فقد كان العالم آنذاك منقسماً بين قوتين تتصارعان بلا هوادة على النفوذ. ففي الغرب، كانت الإمبراطورية البيزنطية، المستندة إلى مسيحية مشوهة بفعل تلوثها بالإرث الإغريقي الروماني المترف تنتهج سياسة توسعية عقائدية على نهج أسلافها القياصرة. وفي الشرق، كانت فارس الساسانية تتخلى عن التعاليم الروحية والأخلاقية لزرادشت لتعتنق مذهب مزدك الذي دعا ـ من بين ما دعا إليه ـ إلى اشتراك الناس في الأموال والنساء باعتبارهما سبب النزاع والصراع بين الناس! وهكذا غرقت الإنسانية التائهة والمنهكة تهوي ببطء في هاوية بلا قرار.

القرآن الكريم ونور الخلاص للبشرية

عندئذ، انبثق من أعماق الصحراء نور أضاء للبشرية طريقا آخر تتبدد فيه ظلمات الجهل والجشع والانتهازية والانحلال، ويعيد للإنسان جوهر إنسانيته الحقيقي وهي الروح. لم يكن القرآن الكريم، المنزل على نبي الله محمد ﷺ، سوى نداء أخيرا لبني الانسان للتصالح مع الذات والرجوع للخالق والانعتاق من أغلال المادية والبهيمية.

أصبح العالم اليوم أحوج ما يكون إلى هذا النفَس المحيي والمخلص القادر وحده على إعادة بناء منظومة قيمية جديدة تهتم بالإنسان كجسد وروح لا كمجرد رقم في حسابات الربح والخسارة لنظام اقتصادي لا يزال رهينا لأقلية متنفذه متسلطة على رقاب البشرية لا تقيم لها وزنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.