مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

الافتتاحية : سُلوان القارئ : يدًا بيد . أ. بن جدو بلخير – الجزائر

0 784


لاجرم أن موضوع الربا في شريعتنا من أخطر الموضوعات والمباحث، وهو إلى ذلك من أشكلها وأدقها، ورغم ان الربا مُجمع عليه في الجملة، إذ نقل الإجماع على ذلك: ابن المنذِرِ، وابن عبد البَرِّ، وابن رشدٍ، وابن قُدامة، والنَّوويُّ، وابن تيميَّة، لكنه مايزال مُشكلا مُلغزا مُحيِّرا في بعض مسائله، من أجل ذلك يقول عمر بن الخطاب: (من آخر ما نزل آية الربا، وأن رسول الله قُبض قبل أن يفسرها!!، فدعوا الريبة والربا)، ويقول الشاطبي : (وهي – أي الربا – من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها الى اليوم). ولو أدرك الشاطبي زماننا، ورأى المعاملات التي تُجريها المصارف لازداد تشبثا بقوله، ولعل السبب في هذا أن الربا مُتعلِّقةٌ بالعدل والظلم، فكان التحذُّر فيها أشدّ : يقول ابن القيم : (فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها ورحمةٌ كلها، ومصالحٌ كلها، ورحمةٌ كلها ) والربا تنتهك هذه المقاصد، فالخطر فيها جليل…

إن باب المعاملات-وإن كان مفتوحا- إلا أن الشُّبه تحيط به وتضيّقه، وصحيحٌ ان العلماء قرروا أن الأصل فيها الإباحة، وهي منوطة بمصالح الناس ومنافعهم،  إلا أن الظلم وغفلة الناس والحيلة منهم، تجعل هذه الإباحة محاطة بالشبهات، وقد تنتهك الحِمى، والدول الاسلامية تسير في تقليد الغرب، وترضخ لشروطه، وتتقيَّد بلوائحه، حتى صار المصرف الاسلامي لا يكاد يغادر المرابحة- من شدة الشُّبه وكثرتها-، يقول الباحث المصرفي الكبير رفيق يونس المصري:  (وهي [أي المصارف الإسلامية] في الواقع العملي آخذةٌ في التنازل المتزايد عن عمليات القراض إلى عمليات المرابحة، أي عن عمليات المشاركة إلى عمليات المداينة، فهي تشتري السلع بثمن نقدي وتبيعها بثمن مؤجل لتكسب الفرق بين الثمنين، ثم إذا ماطل العميل في الدفع ربما فرضت غرامة تأخير، لا ريب أن انتقال المصارف الإسلامية من الشركة إلى الدين إنما يعني السير في طريق العودة إلى التشابه مع المصارف التقليدية. أليست المصارف تاجرة نقود وديون ) إ. هـ

ولأجل هذه الحيطة وهذا الحذر، وهذه الشبه، اشترطت الشريعة الاسلامية شرطا لعله لا يوجد في شريعةٍ سالفة، ولا نراه في شرائع العصر، فكأنه خصيصةٌ إسلاميةٌ خالصة، وهو : اشتراط التقابض باليد اذا اختلفت الربويات، جاء في الحديث الصحيح عن عُبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد). وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء).

ويأتي تفسير قوله صلى الله عليه وسلم ( يدا بيد) في أثرٍ آخر-مشددا ومؤكدا- عن عُمَرَ بنَ الخطَّابِ قال: (لا تَبيعوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، إلَّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ، إلَّا مِثلًا بمِثلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تَبيعوا الوَرِقَ بالذَّهَبِ أحَدُهما غائبٌ، والآخَرُ ناجزٌ، وإنِ استَنظَرَكَ إلى أنْ يَلِجَ بيتَه، فلا تُنظِرْه؛ إنِّي أخافُ عليكمُ الرَّماءَ). والرَّماءُ هو الرِّبا.

فتأمل قوله : وان استنظرك أي يقول لك: انتظرني حتى أدخل البيت مثلا وآتي بالمال، فلا تنتظره، بل أمسك عليك مالك حتى يدخل، ويأتي بالمال ثم تقابضوا : يدا بيد: سلِّم تستلم كما تقول لغة العصر…

وهذا التساهل في هذا الشرط خاصة مع ابتكار النقود والاقتصار عليها دون الذهب والفضة، يجعل التنبيه على هذا الشرط ودراسته والعمل على ما يدخله من استثناء أو تقييد أو تحكّم، واجب!

إن الواقع يشهد أن التعامل بالذهب والفضة كأثمان قد ولّى، وصار الأمر إلى النقود، وهذه النقود إنما صارت معتبرة لأجل ثقة الناس فيها، وليس لذاتها أو لمعدنها، فهي من معدن مَهين كما ترى، أو من ورق رخيص، ومن قبلُ فكّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه  أن يجعل النقود من جلود الإبل، حيث قال:  (هممت أن أجعل الدراهم من جلود الابل، فقيل له إذن لا بعير، فأمسك).

فهذا التساهل في أمر الربا أدخله الشيطان من تساهلهم في قيمة النقود الذاتية، ولو كان ذهبا وفضة لرأيت الناس أشد تحُذّرا.

إن عبقرية الشريعة تظهر بجلاءٍ وتميُّزٍ في هذا الشرط ( يدًا بيد) وإن من الحكم التي يستعجل المرء قطافها وهو يطالع الاحاديث النبوية المقدسة التي ذكرت الشرط: حياطة أموال الناس من الظلم والتنبيه على استغفال الناس، وأغلب ما أنت مُشاهد في تعاملات الناس أنها بالكلام!، حتى إن أحد خبراء الاقتصاد من الكفار المعاصرين لما قرأ شرط التقابض، قال: لو أن العالم طبق شرط التقابض في النقدين، فإن ثلاثة أرباع مشاكل الاقتصاد سوف تنتهي؛ لأن التعامل كله بالكلام، والنكسات التي تقع حينما يحدث السحب بالسيولة غير موجودة، ويحصل بسبب ذلك الظلم.

ولأن في القبض السلامة من أي طارئٍ،  كالنسيان أو الانكار أو الغفلة مع تغيّر الاسعار واختلاف السلع وغير ذلك من الحكم، ما علمنا منها وما جهلنا، وهذا يذكرنا بكتابة الدَّين، واستحسان الشريعة له..

وبعدُ : فيقول بعض العلماء: إنه قد يشيب عارض الرجل في الإسلام وهو يُعلن الربا صباحاً ومساءً…

لقد تطورت معاملات الناس، ودخلت انواعٌ من النقود كالبتكوين والبطاقات المصرفية والائتمانية، وتنوّعت معاملات الناس إلى حدٍّ كبيرٍ عجيبٍ غريبٍ، وهذا ما يستفز الفقهاء إلى البحث والتأطير الفقهي لكل مستجد، والحكم الشرعي لكل نازلة، والتصوّر الصحيح  الذي لا يضر بالمقصد الأسنى لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يدًا بيد.

والسلام

وكتب المُتحنِّن إليهم

بن جدو بلخير ( التحرير)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.