قراءة في المادة 174 من قانون المالية لسنة 2025 المتعلقة الصكوك السيادية
تنص المادة 174 من مشروع قانون المالية لسنة 2025 على أنه “يسمح للخزينة العمومية إصدار سندات تسمى الصكوك السيادية تمثل حقوق الانتفاع للأصول التي تنتمي لأملاك الدولة موجه لأشخاص الطبعيين والمعنويين من أجل المشاركة في تمويل المنشآتو/ أو التجهيزات العمومية ذات الطابع التجاري للدولة”. كما نص المشروع في مادته 132 على إعفاء هذه الصكوك من الضريبة على الدخل والضريبة على أرباح الشركات ورسوم التسجيل والرسم العقاري لمدة خمس سنوات.
وجاء في عرض أسباب هذا المشروع على أنه بمثابة لبنة أولى لنظام قانوني شامل ينظم إصدار الصكوك السيادية ويهدف إلى توفير ” أدوات رئيسية للصناعة المالية الإسلامية التي تقدم حلولا وبدائل مثيرة للاهتمام لتلبية احتياجات الدولة لتمويل المشاريع والبنوك الإسلامية و تأمينات التكافل لاستثمار سيولتها”
إن المتتبع لمسار الصناعة المالية الإسلامية في الجزائر يستشف من هذا المشروع الإرادة السياسية القوية للسلطات العليا في البلاد لمواصلة ترسيخ المعاملات المالية الإسلامية في البلاد عبر استكمال المنظومة القانونية ذات الصلة بهذه المعاملات في شقها المتعلق بصكوك الاستثمار السيادية كبديل للسندات الدين التي تصدرها الخزينة العمومية المشوبة بإشكالية الفوائد الربوية.
ويفهم من مواد هذا المشروع أن الهيكلة التي تنوي وزارة المالية اعتمادها لإصدار أول صكوك سيادية في تاريخ البلاد تقوم على تصكيك حق الانتفاع بأملاك مملوكة للدولة واستئجار ذلك الحق من حملة الصكوك لمدة محددة ودفع أقساط إيجار لهم ثم استرجاع ملكية الحق بعد انتهاء مدة الإيجار بعدما يسترجع المستثمرون رأسمالهم والأرباح المقررة لهم كما يتبين من الرسم التوضيحي أدناه:
تصكيك حق الانتفاع بمرفق عمومي بمائة مليار دج
التنازل عن حق الانتفاع للدولة قسط السنة الخامسة ب105 مليارأقساط سنوية ب 5 مليار إيجار ب125 مليار
فيما يلي تحليل قانوني وشرعي مبسط للهيكلة المزمعة:
تصكيك حق الانتفاع بأملاك عمومية:
لما كانت الصكوك تجسد حق ملكية أصول مادية غالبا ما تكون عقارية ولما كان الاكتتاب فيها بمثابة شراء لتلك الأصول من مصدر الصكوك ولما كان من الصعوبة أن تتنازل الخزينة العمومية عن أملاك الدولة لفائدة المستثمرين في الصكوك التي تصدرها كان هذا التوجه نحو تصكيك حق الانتفاع بتلك الأملاك مع احتفاظ الدولة بملكية الرقبة.
والمستند القانوني لهذا التوجه ما جاء في الباب الثاني من الكتاب الثالث من القانون المدني المتعلق بالحقوق العينية الأصلية من تقسيم الملكية إلى ملكية رقبة وحق الانتفاع وحق الاستخدام والسكنى.والفرق بين حق الاستعمال وحق الانتفاع أو الاستغلال أن الأول حق يخول المستفيد استعمال المال لنفسه وعائلتهبينما حق الاستغلال يتيح لصاحبه الاستفادة من المال ومن ريعه أيضا.ويتبين من تصنيف حق الانتفاع ضمن الحقوق العينية الأصلية قابليته للتصرف فيه وهذا مناط الفرق بينه وبين الحق في المنفعة المتأتي من عقد الإجارة.
فحق المستأجر في استيفاء منفعة العين المستأجرة مقابل دفع بدل الإيجار حق شخصيلا يجوز المعاوضة عنه إلا بإذن المؤجر ولا توريثه بينما حق الانتفاع حق عيني يتصرف فيه المنتفع تصرف المالك شرط عدم المساس ببقاء العين. وينقضي حق الانتفاع بانتهاء المحددة في عقد الانتفاع أو بوفاة المنتفع.
وقد عرف الفقه الإسلامي هذا التمييز بين ملكية الرقبة و حق الانتفاع بها كحقين عينيين يمكن التصرف فيهما بصفة منفصلة ومن أمثلة ذلك: عقد الوقف من حيث تنازل مالك العين عن ملكية العين الموقوفة وتخصيص ريعها أي حق الانتفاع بها للموقوف عليهموعقد الحكرالذي يخولللمستحكر حق استغلال أرض وقفية للغرس أو الزرع أو البناء مع تملك الغرس أوالزرع أو البناء وهو حق قابل للمعاوضة والتوريث وعقد الإجارتين الشبيه بحق الحكر ويختلف عنه في حق المستأجر استغلال البناية الوقفية التي أعاد تأهيلها بعدما كانت آيلة للخراب لمدة طويلة وتبقى ملكيتها للوقف.
ومن تطبيقات الفصل ببين ملكية الرقبة وحق الانتفاع الذي يمكن المعاوضة عليهعقود الامتياز او ما يسمى بعقود البناء والتشغيل والتحويل((BOTالتي تسمح بتثمير أملاك عموميةعبر التعاقد مع مقاولين لإنجاز مشاريع اقتصاديةواعتبار ما تحملوه من تكاليف الإنجاز أجرة عينية مقابل تمكين منجز المشروع من استغلاله لمدة يعود بعدها حق الانتفاع للدولة.
وخلص المؤتمر الفقهي الرابع للمؤسسات المالية الإسلامية الذي عقد بالكويت بتاريخ 21 ديسمبر 2011 إلى أن تمليك حق الانتفاع دون الرقبة فيه شبه بالبيع وبالإجارة وأثبت حق المنتفع في استغلال العقار بنفسه أو بغيره والتصرف فيه بالبيع والهبة والرهن وغيرها من التصرفات دون التصرف في ملكية الرقبة ويتحمل تكاليف الصيانة والضرائب والتأمين على العين المنتفع بها. وخلص المؤتمر إلى جواز تصكيك حق الانتفاع العقاري وقابلية هذه الصكوك للتداول مع التأشير في السجل العقاري ولا يمنع من ذلك كون العقار مؤجرا لأطراف أخرى لما فيه شبه بالبيع.
استئجار مصدر الصكوك (الدولة) لحق الانتفاع من المستثمرين:
إن استئجار جهة الإصدار لحق الانتفاع من حملة الصكوك بوصفه حقا عينيا هو الذي يمكن من توزيع عوائد لهم كأقساط إيجار تشمل أصل المبلغ المستثمر بشراء الصكوك مضاف إليه هامش ربح معلوم يتحدد بنسبة مئوية تماثل تلك التي تدفع كفائدة في السندات التقليدية.وقد نص المعيار الشرعي للإجارة على ضوابط هذه الهيكلة في البند 5/8 وهي ” مضي مدة تتغير فيها العين المؤجرة أو قيمتها ما بين عقد الإجارة وموعد بيعها إلى المستأجر.”
وبالمقابل أصدر مجمع الفقه الإسلامي في دورته العشرين التي عقدت بالجزائر في 2012 قرارا بعدم جواز ” بيع أصل بثمن نقدي شرط أن يستأجر البائع هذا الأصل إجارة مقرونة بوعد بالتمليك بما مجموعه من أجرة وثمن يتجاوز الثمن النقدي سواء كان هذا الشرط صريحا أو ضمنا لأن هذا من العينة المحرمة شرعا و لذا لا يجوز إصدار صكوك مبنية على هذه الصيغة.”
وبعيدا عن الجدل الفقهي حول جواز إجارة العين لبائعها فإن تصكيك حق الانتفاع بوصفه حقا عينيا واستئجاره من حملة الصكوك لمدة محددة تعود بعدها ملكية حق الانتفاع للدولة يبقى أقل سوءا مما جرى به العمل في الأسواق الدولية من إصدارات لصكوك مدعومة بأصول بناء على التفريق بين الملكية القانونية والملكية النفعية.إذ أن بيع المنفعة للمستثمرين نقدا وشرائها منهم بالأجل يؤدي إلى تلقي أجرة عاجلة مقابل الالتزام بأجرة مؤجلة أكثر منها وهو ما يصطدمبالمعيار الشرعيللإجارة الذي ينص بوضوح في بنده ¾ على أنه ” يجوز للمستأجر إجارة العين لمالكها نفسه في مدة الإجارة الأولى بأقل من الأجرة الأولى أو بمثلها أو بأكثر منها إذا كانت الأجرتان معجلتين. ولا يجوز ذلك إذا كان يترتب عليها عقد عينة بتغيير في الأجرة أو في الأجل مثل أن تقع الأجرة الأولى بمائة دينار حالة ثم يؤجرها المستأجر إلى نفس المؤجر بمائة وعشرة مؤجلة أو أن تقع الإجارة الأولى بمائة وعشرة مؤجلة ثم تقع الإجارة الثانية بمائة نقدا أو أن تكون الأجرة في الإجارتين واحدة غير أنها في الأولى مؤجلة بشهر وفي الثانية بشهرين”
وعليه فإن تصكيك حق الانتفاع بوصفه حقا عينيا واستئجاره من حملة الصكوك يعد أفضل صيغة متاحة لإطلاق صكوك سيادية في الجزائركبديل للسندات التقليدية قبل تطوير صيغ أفضل من حيث التأصيل الشرعي والقابلية للتطبيق. ويبقى الأمل قائما في أن نشهد أول إصدار لهذه الصكوك في سنة 2025 لاستكمال بناء مقومات الصناعة المالية الإسلامية في بلادنا.