مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

الاستفادة من نموذج عقود البناء والتشغيل والتحويل في استثمار الأراضي الوقفية – أ.ناصر حيدر -الجزائر-

0 2٬042

الاستفادة من نموذج عقود البناء والتشغيل والتحويل في استثمار الأراضي الوقفي

الأستاذ ناصر حيدر مدير عام مصرف السلام – الجزائر
مقدمة:
أورد الدكتور مصطفى السباعي في كتابه من روائع حضارتنا نماذج مبهرة من الأوقاف الخيرية التي ازدهرت في بلادنا الإسلامية لتشمل أوجها من المبرات وسبل الخيرات لا تزال تثير الدهشة والإعجاب في عصرنا هذا. فمن اوقاف خاصة برعاية الأيتام واللقطاء والعميان والعجزة والمساجين ومساعدة الشباب المقبلين على الزواج والعناية بالمساجد والمدارس و التكايا و الزوايا العلمية والمستشفيات والمقابر والطرقات و الجسور و عيون المياه إلى أوقاف “الزبادي” المخصصة لتعويض جرات الزبادي المنكسرة إلى وقف النساء الغاضبات الموجه لإيواء النسوة اللواتي يغادرن بيت الزوجية بسبب خلافهن مع أزواجهن إلى وقف ” مؤنس المرضى” المخصص لدفع رواتب موظفين مكلفين بالمرور بأروقة المستشفيات ليرفعوا معنويات المرضى بالتحدث عن قرب تماثلهم للشفاء إلى وقف الخيول الهرمة ووقف القطط للعناية بهذه الحيوانات زغير ذلك من المبرات التي وسعت البشر و الحيوان و الشجر و الحجر.وفي بلادنا عرفت الأوقاف قبل الاحتلال الفرنسي تطورا كبيرا بحيث شملت كل مناحي البر والإحسان. ذكر الأستاذ عليوان السعيد من جامعة الأمير عبد القادر في بحث نشرته مجلة الإحياء بعنوان ” أوقاف الجزائر في العهد العثماني ومساهمتها الاجتماعية والثقافية” أن ثلثي الأراضي والعقارات في الجزائر كانت أوقافا قبل الاحتلال. وعلى سبيل المثال ذكر الباحث أن الإيراد الصافي لأوقاف الحرمين الشريفين الموجهة لفقراء وخدام بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف لوحدها بلغ ريعها قبيل الاحتلال الفرنسي ما يزيد عن سبعة ملايين فرنك ذهبي وكانت تتكون من 840 منزلا و258 دكانا و33 مخزنا و82 غرفة وثلاثة حمامات و 11 مخبزة و 4 مقاهي وفندق و57 بستانا و62 ضيعة و6 مطاحن و 201 إيجار.
ومع تغلغل الاستعمار الفرنسي في أعماق البلاد استولت الإدارة الاستعمارية على الكثير من هذه الأوقاف وصادرت ممتلكاتها وضمتها لأملاك الدولة المستعمرة. وبعد استرجاع السيادة الوطنية وجدت الإدارة الجزائرية صعوبة كبيرة لحصر الأملاك الوقفية واستعادة وضعها القانوني الأصلي بسبب التغيرات التي طرأت عليه إبان الفترة الاستعمارية وما نتج عن ذلك من تصرفات إدارية وحقوق مكتسبة.
ومع ذلك بذلت السلطات العمومية جهودا كبيرة لإعادة الاعتبار للوقف وتوفير الحماية القانونية له وتمكينه من لعب الدور الاقتصادي والاجتماعي المنوط به.

-أولا:

تطور المنظومة القانونية للوقف في الجزائر:عقب استقلال البلاد أدى تمديد سريان القوانين الفرنسية في الجزائر إلى غاية صدور قوانين وطنية إلى استمرار تدهور قطاع الأوقاف الذي بقي عرضة لقرارات إدارية ساهمت في إنشاء مراكز قانونية غير مشروعة على ممتلكات وقفية في أصلها. وقد حاولت الدولة سد هذا الفراغ القانوني لضبط هذا القطاع والحفاظ على ما تبقى من الأوقاف وأيلولة إيراداتها بإصدار بعض النصوص مثل المرسوم رقم 283/64 المؤرخ في 17/09/1964 المتضمن نظام الأملاك الحبسية العامة والقانون رقم 84-11 المؤرخ في 09 يونيو 1984 المتعلق بالأسرة الذي خصص فصلا كاملا للوقف ومنح الوقف الشخصية الاعتبارية في القانون المدني وإضافة الملكية الوقفية ضمن أصناف الملكية المعترف بها قانونا في قانون التوجيه العقاري لسنة 1990.
وفي سنة 1991 صدر القانون رقم 91-10 المؤرخ في 17 أبريل 1991 ليرسخ مؤسسة الوقف ضمن المنظومة التشريعية ويكرس الحماية القانونية لمصارف الوقف كما حددتها إرادة الواقف. وفي سنة 2001 صدر أول تعديل لهذا القانون بموجب القانون 01-07 المؤرخ في 22 مايو2001 يتضمن جملة من صيغ الاستثمار الوقفي ثم عدل القانون مرة أخرى سنة 2002 بموجب القانون 02-10 المؤرخ في 14 ديسمبر 2010 تضمن أساسا حذف الوقف الخاص (الأهلي أو الذري) من مجال تطبيق القانون.
وفي سنة 2025 تم اعتماد مشروع تعديل جوهري لقانون الأوقاف بهدف استدراك النقائص المسجلة في إدارة الأوقاف وتثمين هذه الأخيرة وتوسيع مجالات الاستفادة منها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليواكب التغييرات التي يشهدها العالم في جميع الأصعدة. وقد تناول المشروع الجديد كما جاء في عرض أسبابه:
⦁ توسيع مجال تطبيق قانون الأوقاف، لتسري أحكامه على الأوقاف العامة والخاصة، والأوقاف المشتركة،
⦁ تحديد التعاريف المرتبطة بمنظومة الوقف،
⦁ تحديث آليات إدارة الأوقاف وتسييرها وفق الضوابط الجديدة المعمول بها،
⦁ تعزيز الشخصية المعنوية للوقف،
⦁ ترقية العمليات الخيرية والتضامنية والتكافلية، وبعث الديناميكية الوقفية وتشجيعها،
⦁ المساهمة الفعالة في ترقية استثمار الأملاك الوقفية وتطويرها، في إطار مبادئ الحرية بما يسهم في دعم الحركية الاستثمارية والشفافية والمساواة واحترام إرادة الواقفين، في جميع المجالات التي تشهدها بلادنا.
⦁ إحداث تناغم بين المجال الخيري للوقف وأبعاده الاستثمارية التنموية،
⦁ تعزيز مبدأ المحافظة على الأملاك الوقفية وتمكينها من تحقيق مقاصدها حسب الشرع وأحكامها، واحترام مبادئ الشريعة الإسلامية وإرادة الواقف،
⦁ رفع قيد اشتراط التأبيد في صحة عقد الوقف، بحيث يمكن تأسيس أوقاف مؤبدة وأخرى مؤقتة، لاسيما في مجال وقف القرض الحسن،
⦁ تشجيع وقف المنقولات كوقف الأوراق التجارية والأسهم ووقف النقود ووقف المنافع الفكرية،
⦁ انفتاح مؤسسة الوقف على أفراد المجتمع ومؤسساته وجمعياته باعتبار أن الوقف هو المجال المشترك بين جهود الدولة والمجتمع لتحقيق التنمية المنشودة في مختلف المجالات،
⦁ تطوير العقود والصيغ الاستثمارية الحديثة التي أجازها الشرع لتحقيق أهداف تنموية واجتماعية، وعدم الاكتفاء بالصيغ التقليدية في التسيير الوقفي،
⦁ إدراج صيغ الشراكة المتطورة في مجال استثمار الأملاك الوقفية دعماً لجهود الدولة في هذا المجال،
تعزيز آليات الحصر والتوثيق والتسوية القانونية لوضعية الأملاك الوقفية، لاسيما عن طريق ميكانيزمات إدارتها وتسييرها وتحديثها،
⦁ إدراج أحكام جديدة تساهم في الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما
⦁ تعزيز حماية الأملاك الوقفية، بإدراج أحكام جزائية مناسبة،
⦁ فتح المجال أمام الأملاك الوقفية العامة للاستفادة من الإعفاءات الجبائية وشبه الجبائية والجمركية المنصوص عليها في التشريع المعمول به،
⦁ إمكانية استفادة الاستثمارات الوقفية المنجزة في إطار هذا المشروع من الأنظمة التحفيزية المنصوص عليها في التشريع المتعلق بالاستثمار.
وقبل التطرق لصيغ الاستثمار الوقفي المعتمدة في كل من قانون الأوقاف الحالي والمشروع الجديد يجدر بنا أن نعرج على التأصيل الشرعي للشخصية الاعتبارية للوقف وما يجعله أهلا للتعاقد عبر ناظره.

-ثانيا:

الأساس الشرعي لاعتبار الوقف شخصية اعتبارية أهلا للتعاقد الاستثماري:
جاء في المعيار الشرعي رقم 60 لهيئة المحاسبة و المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية – الفقرة 2-4-2 : « للوقف شخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة تجعله أهلا للإلزام والالتزام وهي مختلفة عن شخصية الناظر و الموقوف عليهم» ونص ملحق المعيار على أن المستند الشرعي لثبوت الشخصية الاعتبارية للوقف والذمة المالية المستقلة عن شخصية وذمة الناظر أن “الوقف يصلح لثبوت الحقوق له وعليه فلو استدان الناظر على الوقف لا يكون ذلك ً دينا على الناظر وإذا تأخر المستفيد من الوقف في أداء ما عليه كان ً مدينا للوقف لا للناظر إذ ليس له إبراؤه من الدين.”
وجاء في كتب الحنفية ” فإذا أجر الناظر أعيان الوقف فتأخر المستأجر في أداء الأجرة يكون مدينا بها لجهة الوقف لا للناظر عليه ولا للمستحقين فإن اشترى ناظر الوقف شيئا له بالنسيئة كان المدين جهة الوقف فيدفع الناظر الثمن من غلته و إذا عزل صح أن يطلب الثمن ممن حل مكانه”
وفي موضوع الاستثمار الوقفي أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في اجتماع دورته الخامسة عشر الذي عقد في سلطنة عمان من 6 إلى 11 مارس 2004 القرار رقم 140 وهذا نصه:
” إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الخامسة عشرة بمسقط (سلطنة عُمان) من 14-19 المحرم 1425هـ، الموافق 6-11 آذار (مارس) 2004م،
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الاستثمار في الوقف وفي غلاته وريعه، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، وبالرجوع إلى قرارات وتوصيات الندوات والمؤتمرات التي عقدت لهذا الغرض،
قرر ما يأتي:
-أولًا: استثمار أموال الوقف:
(1) يقصد باستثمار أموال الوقف تنمية الأموال الوقفية سواء أكانت أصولًا أم ريعًا بوسائل استثمارية مباحة شرعًا.
(2) يتعيّن المحافظة على الموقوف بما يحقق بقاء عينه ودوام نفعه.
(3) يجب استثمار الأصول الوقفية سواء أكانت عقارات أم منقولات ما لم تكن موقوفة للانتفاع المباشر بأعيانها.
(4) يعمل بشرط الواقف إذا اشترط تنمية أصل الوقف بجزء من ريعه، ولا يعدّ ذلك منافيًا لمقتضى الوقف، ويعمل بشرطه كذلك إذا اشترط صرف جميع الريع في مصارفه، فلا يؤخذ منه شيء لتنمية الأصل.
(5) الأصل عدم جواز استثمار جزء من الريع إذا أَطلق الواقف ولم يشترط استثماره إلا بموافقة المستحقين في الوقف الذُّري. أما في الوقف الخيري فيجوز استثمار جزء من ريعه في تنمية الأصل للمصلحة الراجحة بالضوابط المنصوص عليها لاحقًا.
(6) يجوز استثمار الفائض من الريع في تنمية الأصل أو في تنمية الريع، وذلك بعد توزيع الريع على المستحقين وحسم النفقات والمخصصات، كما يجوز استثمار الأموال المتجمعة من الريع التي تأخر صرفها.
(7) يجوز استثمار المخصصات المتجمعة من الريع للصيانة وإعادة الإعمار ولغيرها من الأغراض المشروعة الأخرى.
(8) لا مانع شرعًا من استثمار أموال الأوقاف المختلفة في وعاء استثماري واحد بما لا يخالف شرط الواقف، على أن يحافظ على الذمم المستحقة للأوقاف عليها.
(9) يجب عند استثمار أموال الوقف مراعاة الضوابط الآتية:
أ- أن تكون صيغ الاستثمار مشروعة وفي مجال مشروع.
ب- مراعاة تنوع مجالات الاستثمار لتقليل المخاطر وأخذ الضمانات والكفالات، وتوثيق العقود، والقيام بدراسات الجدوى الاقتصادية اللازمة للمشروعات الاستثمارية.
ج- اختيار وسائل الاستثمار الأكثر أمانًا وتجنب الاستثمارات ذات المخاطر العالية بما يقتضيه العرف التجاري والاستثماري.
د- ينبغي استثمار أموال الوقف بالصيغ المشروعة الملائمة لنوع المال الموقوف بما يحقق مصلحة الوقف وبما يحافظ على الأصل الموقوف ومصالح الموقوف عليهم. وعلى هذا، فإذا كانت الأصول الموقوفة أعيانًا فإن استثمارها يكون بما لا يؤدي إلى زوال ملكيتها، وإن كانت نقودًا فيمكن أن تستثمر بجميع وسائل الاستثمار المشروعة كالمضاربة والمرابحة والاستصناع..الخ.
هـ- الإفصاح دوريًّا عن عمليات الاستثمار ونشر المعلومات والإعلان عنها حسب الأعراف الجارية في هذا الشأن.
ثانيًا: وقف النقود:
(1) وقف النقود جائز شرعًا، لأن المقصد الشرعي من الوقف وهو حبس الأصل وتسبيل المنفعة متحقق فيها؛ ولأن النقود لا تتعين بالتعيين وإنما تقوم أبدالها مقامها.
(2) يجوز وقف النقود للقرض الحسن، وللاستثمار إما بطريق مباشر، أو بمشاركة عدد من الواقفين في صندوق واحد، أو عن طريق إصدار أسهم نقدية وقفية تشجيعًا على الوقف، وتحقيقًا للمشاركة الجماعية فيه.
(3) إذا استثمر المال النقدي الموقوف في أعيان كأن يشتري الناظر به عقارًا أو يستصنع به مصنوعًا، فإن تلك الأصول والأعيان لا تكون وقفًا بعينها مكان النقد، بل يجوز بيعها لاستمرار الاستثمار، ويكون الوقف هو أصل البلغ النقدي
وعليه يستخلص أن للوقف من الناحية الفقهية للتعاقد والتصرف عبر ناظره وتحمله لجميع آثار تصرفات الناظر باسم الوقف.
وتجدر الإشارة إلى أن المعيار الشرعي المعدل رقم 60 للوقف الصادر عن هيئة المحاسبة و المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية يمسز بين نوعين من الأوقاف:
⦁ الأصول الموقوفة بأعيانها: وهي الأوقاف التي اتجهت فيهــا نية الواقف إلى تحبيس ٍأصل بعينه كوقف العقار، ويدخل في ذلك وقــف المنافع ووقف الحقوق المعنوية.
⦁ الأوقاف الاستثمارية: وهي الأوقاف التي اتجهت فيها نية الواقف لجعلها أصًلا ينمى بالتقليب والاستغلال بحســب المقتضيات التجارية لا إلى تحبيسها بأعيانها وإنما ُغرضه اســتدامة الوقف بتلك الأصول أو ببدائلها كوقف النقود والشركات الوقفية.
هذا التمييز يسمح لنظار الأوقاف والسلطة المشرفة على الأوقاف التصرف بالأصول المملوكة للوقف بيعا وشراء ورهنا في إطار نشاطات تجارية واستثمارية لفائدة الوقف.

-ثالثا:

أساليب الاستثمار الوقفي التي يسمح بها القانون:
ذكرت المادة 26 مكرر من القانون 91-10 المعدل والمتمم بالقانون رقم 01-07 المتعلق بالأوقاف صيغ استغلال الأملاك الوقفية التالية:
⦁ عقد المزارعة: تسليم أرض وقفية لمن يزرعها مقابل حصة شائعة في المحصول
⦁ عقد المساقاة: تسليم أشجار أرض وقفية لمن يتعهدها بالسقي و العناية مقابل حصة معلومة من ثمرها.
⦁ عقد الحكر: تسليم أرض وقفية لمن ينشئ عليها مشروعا مقابل دفع عوض مساو لقيمة الأرض ومبلغ سنوي آخر مقابل حق الانتفاع بها.
⦁ عقد المرصد: تأجير أرض وقفية مع السماح للمستأجر إنجاز بناية عليها واستغلالها لمدة تكفي باسترجاع قيمة البناء ثم يؤول الكل لسلطة الإشراف على الأوقاف بعد انقضاء المدة.
⦁ عقد المقاولة: تكليف شخص بعمل أو استصناع شيئ لفائدة الوقف مقابل أجرة معلومة حاضرة أو مؤجلة.
⦁ عقد المقايضة: تبادل ملك وقفي بملك وقفي آخر.
⦁ عقد الترميم والتعمير: عقد يكلف بموجبه مستأجر عقار وقفي بصيانته وترميمه مقابل خصم كلفة الترميم من الإيجار.
⦁ عقد الإجارة: تأجير ملك وقفي لمن ينتفع به مقابل بدل إيجار معلوم.
⦁ عقد الودائع ذات المنافع الوقفية: تسليم صاحب مال مبلغا لسلطة الأوقاف في شكل وديعة يسترجعها متى شاء لاستثماره مع الأموال الوقفية.
⦁ عقد المضاربة الوقفية: وقد عرفها القانون 01-07 بأنه استعمال بعض ريع الوقف في التعامل التجاري والمصرفي وهو في نظري تعريف غير دقيق وأعتقد أن مفصود الشارع هو تسليم مبلغ من ريع الوقف لمؤسسة مصرفية في شكل وديعة مصرفية لاستثماره مقابل حصة من الأرباح. وأدرجت هذه الصيغة في القانون الجديد بمصطلح القراض وهو نفس المضاربة.
وقد أضاف مشروع القانون الجديد للأوقاف الصيغ التالية:
⦁ المشاركة: استثمار مبلغ نقدي وقفي في رأسمال مؤسسة أو شركة أو مشروع أو عمليات تجارية من أجل تحقيق أرباح.
⦁ والمرابحة: بيع السلطة المكلفة بالأوقاف سلعة بكلفة شرائها مع زيادة ربح معلوم.
⦁ السلم: تمليك السلطة المكلفة بالأوقاف لشخص سلعة آجلة مقابل ثمن عاجل أو العكس شراء السلطة سلعة آجلة مقابل ثمن عاجل.
⦁ المساهمة في رؤوس الأموال: شراء أسهم أو حصص في شركات أو مؤسسات أو الصناديق والمحافظ الاستثمارية.
⦁ التأمين التكافلي الوقفي: المساهمة في إنشاء صناديق تأمين تكافلي مع مشتركين آخرين لتعويض المتضررين منهم على سبيل التبرع طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية.
⦁ الإيداع في الحسابات الاستثمارية للمؤسسات المالية الإسلامية والصكوك الإسلامية.

-رابعا:

الاستثمار الوقفي بصيغة البناء والتشغيل فقط أو مع التحويل:
عرف مشروع القانون الجديد هذا الأسلوب بأنه عقد بأنه عقد يتكفل بموجبه مستثمر أو أكثر بإنجاز مشروع استثماري على أرض وقفية وتمويله وتشغيله واستغلاله وصيانته لمدة محددة تكفل لهم استرجاع مبلغ الاستثمار وأرباحه ثم تعاد بعدها البناية لسلطة الأوقاف.
أما صيغة البناء والتشغيل فقط فهو تمكين مستثمر أو أكثر من إنجاز مشروع على أرض وقفية واستغلاله لمدة طويلة مقابل دفع بدل إيجار أثناء مرحلة الإنجاز ونسبة من رقم أعمال المشروع أثناء مرحلة التشغيل. وهي صيغة شبيه بعقد الحكر المشار إليه أعلاه. ويظهر الفرق بين هذا النمط والذي قبله في مدة الاستغلال حيث لا تنتهي بالضرورة بإعادة العقار لسلطة الأوقاف مع بقاء ملكية الرقبة للوقف طبعا.
وأسلوب البناء والتشغيل والتحويل عادة ما تستخدمه الحكومات في إنجاز مشاريع البنية التحتية بأن تعهد به جهة حكومية لمؤسسة من القطاع الخاص لإنجاز مرفق عام أو بنية تحتية على نفقة هذه المؤسسة ومسؤوليتها مقابل استفادتها من حق استغلال المرفق لمدة محددة تؤول بعدها ملكية المرفق للجهة الحكومية.
وهناك صور متعددة لعقود البناء والتشغيل من تملك المشروع ملكية تامة أو منفعته فقط أثناء البناء أوالتشغيل قبل نقل ملكيته للجهة الحكومية.
هذا الأسلوب في إنجاز المشاريع الحكومية يسمح بنقل عبئ تمويلها ومسؤولياتها و مخاطرها من الدولة للجهة المستثمرة مع تحقيق الاهداف المنشود وهو إنجاز مرافق عمومية لفائدة المواطنين عامة و المتعاملين الاقتصاديين خاصة.
وقد اعتمدت هذه الصيغة حسب نموذج البناء التشغيل فقط في المرسوم التنفيذي رقم 18-213 المرخ في 20 أوت 2018 الذي يحدد شروط وكيفيات استغلال العقارات الوقفية الموجهة لإنجاز المشاريع الاستثمارية حيث جاء في مواده الخامسة والثامنة والتاسعة: أنه يمكن لسلطة الأوقاف استغلال العقارات الوقفية لإنجاز مشاريع استثمارية بموجب عقد إداري بين السلطة المكلفة بالأوقاف والمستثمر لمدة تتراوح من 15 إلى 30 سنة قابلة للتجديد مقابل تسديد المستثمر بدل إيجار سنوي خلال مرحلة الإنجاز ونسبة مئوية ما بين 1 إلى 8 بالمائة من رقم الأعمال خلال مرحلة الاستغلال.
كما أشرنا إليه أعلاه لصيغة البناء والتشغيل سواء بالتحويل أو بدونه فوائد كثيرة للاستثمار الوقفي يمكن تلخيصها فيما يلي:
⦁ التمكين من استثمار أملاك عقارية غير مستغلة
⦁ تحميل المستثمر كلفة ومخاطر إنجاز هذه المشاريع
⦁ إعفاء سلطة الأوقاف من عبئ إدارة إنجاز و تمويل هذه المشاريع
⦁ استفادة الأوقاف وبالتالي الموقوف عليهم من عائد ثابت أثناء فترة الإنجاز و من حصة من العوائد في فترة تشغيل المشروع و استغلاله من قبل الحهة أة الجهات المستثمرة.
⦁ خلق فرص عمل وحركية تنموية
⦁ نقل التكنلوجيا والخبرة
ولعل من أهم ميزات هذه الصيغة بصورتيها أنها تسمح للمؤسسات المالية الإسلامية بتمويل الجهة المكلفة بالإنجاز بدل تمويل سلطة الأوقاف ذاتها. ففي حالة تعثر المشروع يمكن للمؤسسة المالية الرجوع على تلك الجهة ومطالبتها بسداد التمويل واشتراط تقديم ضمانات عينية يمكنها تسييلها وهو ما لا يمكن عمليا تحقيقه مع الوقف كون العقارات الوقفية غير قابلة للتصرف وبالتالي الرجوع عليها في حالة التعثر عن السداد.

الخلاصة:
تمويل مشاريع البنى التحتية بعقود البناء والتشغيل مع التحويل أو بدونه من أفضل السبل التي تعتمدها الدول لتمويل مشاريع بنيتها التحتية توفيرا على الميزانية العامة للمصاريف وتحسينا للتحكم في آجال وجودة الإنجاز وجودة خدمات المرفق العام.
عقود البناء والتشغيل مع التحويل أو بدونه تمثل أيضا أفضل صيغ استثمار العقارات الوقفية لتوفيرها على إدارة الأوقاف ونظارها عبئ تسيير مشاريع ضخمة هي غير مهيأة لها و لا يحقق الإشراف المباشر عليها الجدوى الاقتصادية المطلوبة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.