القواعد الفقهية الحاكمة لضمان أضرار الذكاء الاصطناعي
د. زبيري زبير الياسين
جامعة الشهيد حمة لخضر (الوادي) \ الجزائر
zobiri-yassine@univ-eloued.dz
ملخص
الذكاء الاصطناعي من النوازل الفقهية المعاصرة، لذا جاءت هذه الدراسة لتتناول الجانب الفقهي الشاغر فيها وذلك بالبحث عن القواعد الفقهية الحاكمة لضمان الأضرار الناتجة عن استخداماته، بهدف وضع أسس شرعية تنظم جانب الضمان فيه، حيث تناول البحث ثلاثة محاور، تكلم في الأول منها عن مفهوم الذكاء الاصطناعي وأهميته، أمّا الثاني فقد تكلم عن الضمان وأهم القواعد الفقهية الحاكمة فيه، لينتهي المحور الأخير بتطبيق القواعد الفقهية على صور أضرار الذكاء الاصطناعي، وقد توصلت الدراسة إلى أن الخزانة الفقهية لها من القواعد ما يمكّنها من تأطير الجهة التشريعية في حال تسبب الذكاء الاصطناعي في ضرر للغير.
الكلمات المفتاحية: القواعد، الفقهية، الذكاء، الاصطناعي، الضمان
Obstract:
Artificial intelligence is one of the contemporary jurisprudential issues, so this study came to address the vacant jurisprudential aspect of it by searching for the jurisprudential rules governing the guarantee of damages resulting from its use, with the aim of establishing the foundations of legitimacy that regulate the guarantee aspect of it. The research dealt with three axes, the first of which spoke about the concept of Artificial intelligence and its importance. As for the second, it talked about the guarantee and the most important jurisprudential rules governing it.
The last axis ends with the application of the jurisprudential rules to the types of harms caused by artificial intelligence. The study concluded that the jurisprudential treasury has rules that enable it to frame the legislative body in the event that artificial intelligence causes harm. Harm to others.
Keywords: rules, jurisprudence, intelligence, artificial, guarantee.
المقدمة:
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وبعد:
يعد الذكاء الاصطناعي مصطلحاً حادثاً ولد نتيجة التطور التقني والتكنولوجي وبالأخص القفزة النوعية في مجال علم الحاسوب وما صاحبه من تطوير لخوارزميات رياضية وستبنى عليه في الأيام القادمة اقتصاديات دول وميزانيات حكومات.
هذا التطور التقني جعل من آلات الذكاة الاصطناعي القدرة على محاكاة السلوك البشري من حيث التعامل مع المعلومة وتحليلها ومن ثمّ الاستنتاج والتصرف بالشكل الأكثر كفاءة من كفاءة البشر وأدائه، إلى درجة أنها أصبحت تستغني عن تدخله وتحكمه فيها.
هذا التطور بقدر ما ساهم في التنمية المستدامة، بقدر ما شكل في الوقت ذاته خطرا وتهديدا على النفس والممتلكات بسبب الانفلاتات المسجلة على مستوى هذه الأجهزة والأعطاب الغير متوقعة، مما دفع بحتمية الوقوف على الجانب الحقوقي و تأطيره بالقواعد والأسس الشرعية الناظمة له.
وفي هذا السياق جاءت هذه الدراسة الموسومة ب: القواعد الفقهية الحاكمة لضمان أضرار الذكاء الاصطناعي.
اشكالية البحث
تتمثل الأشكالية الرئيسة التي يتناولها البحث في الإجابة عن السؤال الآتي:
ما هي الأسس الشرعية التي يحتكم إليها ضمان أضرار الذكاء الاصطناعي؟
هذه الاشكالية الرئيسة تتفرع إلى ثلاث أسئلة ثانوية وهي:
- ماهو مفهوم الذكاء الاصطناعي؟.
- ماهي القواعد الفقهية للضمان؟.
- كيف تطبق القواعد الفقهية للضمان على أضرار الذكاء الاصطناعي؟.
أهمية البحث:
البحث ذو أهمية بالغة لأنّ:
- ضمان الذكاء الاصطناعي نازلة فقهية تحتاج إلى إجابات شرعية تستخرج من الخزينة الفقهية لتشكل أصولا وتشريعات تحتكم إليها.
- حاجة الناس إلى ضبط التصور الشرعي لما تسببه تقنيات الذكاء الاصطناعي من أضرار على الغير.
- البحث يدرس قضية حال وواقع راهن تعيشه البشرية.
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى ملأ الفراغ التشريعي الخاص بمسائل ضمان الذكاء الاصطناعي.
المنهج المتبع:
من أجل الإجابة عن مشكلة البحث، فإنّ الباحث قد اعتمد على الأسلوب الوصفي والاستقرائي وذلك بعرض عناصر البحث واتباعها بالتعاريف اللازمة، وكذا الأسلوب التحليلي وذلك من خلال بسط المعلومات ومناقشتها.
خطة البحث
يتكون البحث من مقدمة وثلاثة محاور
المقدمة وفيها أهم العناصر المشكلة للمقدمة
المحور الأول: وتناول الذكاء الاصطناعي (المفهوم والاهمية).
المحور الثاني: وتناول القواعد الفقهية للضمان .
المحور الثالث: وتناول تنزيل القواعد الفقهية للضمان على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
المحور الأول: الذكاء الاصطناعي (المفهوم والأهمية)
أولاً: مفهوم الذكاء الاصطناعي
أ: تعريف الذكاء والاصطناعي في اللغة
- تعريف الذكاء في اللّغة: مصدر ذكى يذكي ذكاءاً، وهو بمعنى سرعة الفطنة والإدراك.
- تعريف الاصطناعي في اللغة: الاصطناعي في اللغة من الصنع وهو: “ما كان مصنوعاً غير طبيعي”.
ب: تعريف الذكاء والاصناعي اصطلاحاً:
- تعريف الذكاء اصطلاحاً: عرّف الذكاء في الاصطلاح بعدة تعاريف منها: “قدرة الإنسان الفطرية على الفهم والاستنتاج والتحليل والتمييز”. فالذكاء في أصله فطرة خلقية، تجعل من الإنسان قادراً على التعامل مع المعطيات فهما واستنتاجاً، ثم اتخاذ القرارات الصحيحة.
- تعريف الاصطناعي اصطلاحاً: تطلق على كل الأشياء التي تنشأ نتيجة النشاط أو الفعل الذي يتم من خلال اصطناع، وتشكيل الأشياء تمييزا عن الأشياء الموجودة بالفعل والمولدة بصورة طبيعية من غير تدخل الإنسان”.
ج: تعريف الذكاء الاصطناعي باعتباره مركباً وصفياً
الذكاء الاصطناعي هو عبارة عن مواءمة بين الآلة والذكاء البشري عن طريق المحاكاة، وذلك بتطوير تطبيقات برمجية، وتقنيات تجعل من الآلة قادرة على مضاهاة التفكير البشري، وقد عرِّف وفقاً لهذا التركيب بعدة تعاريف نذكر منها:
عرّف بأنه: “العلم المتعلق بصناعة الآلات، وتصميم البرمجيات التي تقوم بأنشطة ومهام تتطلب ذكاء إذا قام بها الانسان”.
عرّف بأنه “الذكاء الصناعي أو الذكاء الاصطناعي (AI) هو قدرة الآلة أو الكمبيوتر على محاكاة قدرات العقل البشري. يستغل الذكاء الاصطناعي تقنيات متعددة لتجهيز الآلات في التخطيط والعمل والفهم والتعلم والاستشعار بذكاء يشبه الإنسان”.
وخلاصة هذه التعريفات أن الذكاء الاصطناعي هو فرع من فروع علم الكمبيوتر، والذي تحاكي فيه الآلة الذكاء البشري من حيث التعلم والتحليل والتصرف، عن طريق برمجيات تودع في هذه الآلات تجعلها بهذه الدرجة من القدرة والمهارة التي تحاكي قدرة البشر الذهنية، وقد تتفوق عليها في بعض الأحيان، إلى درجة أمكن فيها الاستغناء عن العنصر البشري في الكثير من مناحي الحياة الدقيقة والحساسة كالطب، والتعليم، والمجال العسكري، والإداري.
ثانياً: أهمية الذكاء الاصطناعي:
أهمية الذكاء الاصطناعي في الوقت المعاصر لا يمكن أن يتجاهلها عقل نظرا لشدة الحاجة المتزايدة لهذا النوع من التطور التكنولوجي حتى أضحى الذكاء الاصطناعي المسيطر الاول على كل مجالات الحياة، وبشكل متسع ومتزايد، وعليه فإنه لا يمكن حصر أهمية الذكاء الاصطناعي بسبب هذا التطور الهائل، لكن في الوقت نفسه يمكننا حصر جانب من هذه الأهمية بالنظر إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وعلية يمكن الباحث أن يذكر الأهميات التالية:
أ: في مجال تحليل البيانات: قدرة الذكاء الاصطناعي التعامل مع كم هائل من البيانات واتخاذ القرارات على ضوئها بعد تحليلها ومعالجتها في العديد من مجالات الحياة، مثل وسائل النقل مستقلة التحكم كالسيارات والقطارات وكذا الطائرات، فتتمكن هذه الوسائل من التوجه إلى وجهتها بالشكل المسطر.
ب: قدرة وسائل الذكاء الاصطناعي على تنفيذ وبكل دقة ما يعجز عنه العنصر البشري نظرا لصعوبته، كما هو الحال مع عمليات التنقيب واستكشاف الأماكن الغامضة كالأعماق والمحيطات، أو حل وتفكيك الألغام والمتفجرات، كما أن لها القدرة على القيام بهذه الوظائف دون ملل أو كلل، فهي قادرة على الإنتاج على الدوام دون اعتبار للوقت أو لظروف العمل، وبكل جودة ومهنية.
ج: وبفضل الذكاء الاصطناعي يتطور مجال الرعاية الصحية بسرعة متزايدة ويرافق ذلك زيادة كبيرة في كَمّيَّة البيانات والتحديات في ما يخص التكلفة ونتائج المرضى لذلك تم استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحد من هذه الصعوبات، كما ويتم استخدام الذكاء الصناعي لتفادي إجراء الفحوصات المخبرية الروتينية غير الضرورية، وتضييق دائرة التحاليل المخبرية التي قد يحتاج إليها المريض، ولتحسين سير العمل السريري، والتنبؤ بالأمراض المُكتسبة من المستشفيات.
د: وللذكاء الاصطناعي أهمية في حياتنا اليومية، فقد أحدث استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي ثورة كبيرة في مجال صناعة السيارات حيث يستعمل برنامج القيادة الذاتية من جوجل، الذي يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقليل نسبة الحوادث، ولتخفيف الازدحام المروري، وتستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مواقع التجارة الإلكترونية للحصول على صورة واضحة لسلوك العملاء في عمليات الشراء عبر الموقع وتقديم التوصيات، وتستخدم أيضًا شبكات التواصل الاجتماعي تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل فيسبوك للكشف عن وجود اختراق لصور المستخدم.
المحور الثاني: القواعد الفقهية للضمان
أولاً: تعريف الضمان والقواعد الفقهية
أ: تعريف الضمان
- تعريف الضمان في اللغة: يدل الضمان في اللغة على المعاني التالية: الاحتواء والإيداع، الالتزام، الكفالة والتغريم.
- تعريف الضمان في الاصطلاح: التعريف الاصطلاحي للضمان المتوافق مع البحث هو ضمان الاتلاف ويعنى التعويض عن الضرر ضد الغير وهو ضمان الاتلاف في مقابل ضمان الملك، وضمان العقد، وأحسن تعريف للضمان بهذا المعنى هو ما ذكره كل من وهبة الزحيلي، ومصطفى الزرقا حيث جاء عنهما:
تعريف الزحيلي: “الالتزام بتعويض الغير عما لحقة من تلف المال، أو ضياع المنافع، أو عن الضرر الجزئي أو الكلي الحادث بالنفس الانسانية”.
تعريف مصطفى الزرقا: “الالتزام بتعويض مالي عن ضرر الغير”.
والضمان بهذا المعنى هو نفسه المقصود بالمسؤولية التقصيرية في الفقه القانوني، فهو حكم يوجبه الشرع نتيجة إيقاع الضرر على الغير سواء أكان ضررا مالياً أو ضرراً جسدياً، ويشترط في تحقق وجوبه توفر أركانه الثلاثة وهي: التعدي والضرر، والعلاقة السببية بين فعل التعدي، وتحقق الضرر.
ب: تعريف القواعد الفقهية
- القواعد الفقهية لغة: القواعد لغة: هي الأصل والأساس: والقواعد أصل أساس البناء، وقواعد السحاب أصولها المعترضة في آفاق السماء، وقواعد الهودج خشبات أربع معترضة ومنه قوله تعالى:
﴿وَإِذ يَرفَعُ إِبرَٰهِۦمُ ٱلقَوَاعِدَ مِنَ ٱلبَيتِ وَإِسمَٰعِيلُ ﴾ [البقرة: 127].
- والفقهية لغة: الفقه لغة هو الفهم: أي ما نفهم كثيرا من قولك.
- تعريف القواعد الفقهية اصطلاحاً: اتجه العلماء، والباحثين في تعريف القاعدة الفقهية، اتجاهين مختلفين بناءاً على اختلافهم في مفهومها، هل هي قضية كلية، أو أغلبية؟
الاتجاه الأول: يرى أصحاب هذا الاتجاه بأن مفهوم القاعدة الفقهية كلي، فمن تعريفاتهم وفق هذا: هي: “قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة، على أحكام جزئيات موضوعها”.
الاتجاه الثاني: يرى أصحاب هذا الاتجاه بأن مفهوم القاعدة الفقهية أغلبي، فمن تعريفاتهم وفق هذا: هي:”حكم شرعي في قضية أغلبيه، يتعرف منها أحكام ما دخل تحتها”.
وقد رأى الكثير من العلماء بأن تخلف بعض الجزئيات، وورود المستثنيات عن حكم القاعدة لا يخرجها عن حكم الكلية، ولا يقدح في عمومها، يقول الشاطبي: “لأن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كليا، وأيضا فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار القطعي”.
ثانياً: قواعد فقهية حاكمة في باب الضمان
نستعرض في هذا الفرع ثلاثة قواعد فقهية مؤسسة لضمان أضرار الذكاء الاصطناعي
القاعدة الأولى: قاعدة أسباب الضمان
“أسباب الضمان في الشريعة ثلاث الإتلاف، أو التسبب للإتلاف، أو وضع اليد التي ليست مُؤمَّنة، كيد الغاضب والمشتري في الخيار…”
شرح مفردات القاعدة:
الاتلاف: عن الكاساني حيث قال: “لأن إتلاف الشئ، إخراجه من أن يكون منتفعا به منفعة مطلوبة منه عادة”.
التسبب في الاتلاف: عرَّفه القرافي بقوله: ” والسبب: ما يحصل الهلاك عنده بعلة أخرى إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلة”.
وضع اليد: الزركشي: و أما المعنوية فالمراد بها الاستيلاء على الشيء بالحيازة وهي كناية عما قبلها؛ لأن باليد يكون التصرف”.
المعنى الإجمالي للقاعدة: القاعدة تؤسس لموجبات الضمان في الفقه الإسلامي وقد حصرت هذه الموجبات في ثلاثة أسباب وهي الاتلاف والتسبب له، ووضع اليد سواء كانت يد متعدية كيد الغاصب أو كانت يد قابضة على جهة الضمان كما هو الحال في يد المشتري بعد القبض ويد المعير عند من يضمنها.
القاعدة الثانية: العجماء جرحها جبار
العجماء جرحها جبار
شرح المصطلحات:
العجماء: هي البهيمة التي لا تنطق، والعجماء عند العرب كل بهيمة وسبع وحيوان غير ناطق مفصح.
جبار: الذي لا إرش له.
المعنى الاجمالي للقاعدة: أنّ ما تتلفه الحيوانات والبهائم من نفس أو عضو أو مال يعتبر هدرا في النظر الشرعي، ولا يضمّن صاحبها بذلك إلا إذا ثبت تفريطه وتعديه في السيطرة عليها، لأنه المسؤول عنها يقول المازري في شرحه لمسلم: “والدّابة إذا أصابت إنسانا ففعلها غير منسوب لمالكها فلا ضمان عليه، فإن كان راكبها أو سائقها أو قائدها ضمن على الجملة على تفصيل في ذلك لأن له في فعلها مشاركة لإِمكان أن يحيد بها أحد هؤلاء عن طريق الإِتلاف”.
القاعدة الثالثة: الضرر يزال
الضرر يزال
شرح المفردات:
الضرر: المفسدة الراجحة الواقعة على أحد الكليات الخمس.
المعنى الاجمالي للقاعدة: يجب دفع الضرر قبل وقوعة وإزالته بعد وقوعة وتتحقق الإزالة برد الحال إلا ما كانت عليه قبل حدوث الضرر وذلك بالتعويض والضمان قال ابن نجيم: ” ويبتنى على هذه القاعدة كثير من أبواب الفقه.فمن ذلك؛ الرد بالعيب وجميع أنواع الخيارات، والحجر بسائر أنواعه على المفتى به، والشفعة فإنها للشريك؛ لدفع ضرر القسمة، وللجار لدفع ضرر جار السوء، والقصاص والحدود، والكفارات وضمان المتلفات والجبر على القسمة بشرطه؛ ونصب الأئمة والقضاة ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة”.
المحور الثالث: تطبيقات قواعد الضمان على أضرار الذكاء الاصطناعي
أولاً: صور الضرر الناتج عن الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي بقدر ما فيه من إيجابيات في مختلف استعمالاته إلاّ انه في المقابل من ذلك يمكنه أن يشكل خطرا وضررا على الغير في ماله، وجسمه، لذا سيعرض الباحث صورا من الأضرار التي يمكن أن يسببها الذكاء الاصطناعي في مجال النقل وفي مجال الصحة.
أ: أضرار الذكاء الاصطناعي في مجال النقل
توفر وسائل النقل وتطورها من أهم عوامل التنمية المستدامة لدى الدول والجماعات، ودخول تقنيات الذكاء الاصطناعي على هذه الوسائل يزيد من وتيرة التطور والنمو نتيجة المزايا التقنية والكفاءات العالية التي توفرها هذه الأجهزة على جميع الأصعدة إلاّ أنه ككل عمل بشري صاحب هذه الوسائل مخاطر وتهديدات فعلى مستوى:
السيارات الذاتية التحكم: فقد تتعرض في الكثير من الأحيان إلى التصادم مع بعضها البعض أو التصادم مع الآدميين من البشر، أو مع الأملاك العامة أو الخاصة فتتسبب في فوات نفس أو بتر عضو أو تلف مال الغير وهذا هو المعبر عنه في الفقه القانوني بالفعل الضار ضد الغير.
الطائرات: الطائرات بدورها طالها نظام الذكاء الاصطناعي، وهي من أهم مسائل النقل المساهمة في التنمية المستدامة فقد برمجت طائرات ذاتية التحكم أو جزئية التحكم تسمى، الطائرات من دون طيار أو طائرات الدرون تستطيع أن تعرف مسارها مسبقاً عن طريق البرمجة الالكترونية، غالب استعمالاتها في المجال العسكري، والاستطلاع الجوي، مع العلم أنه لا توجد مثيلاتها في نقل البشر والأشخاص إلى اليوم لكن يتوقع جدا أن تصل البشرية إلى هذا النوع من النقل، في المقابل بقدر ما تكتسيه هذه الطائرات من تطور فإنّها تشكل مجموعة من التحديات جراء التهديدات والأخطار التي قد تتسبب فيها فهي معرضة للسقوط جراء أي خطأ في نظم تقنية الذكاء الاصطناعي فينتج عنه هلاك الركاب أو بتر جزء من أعضائهم أو ذهاب وتلف أموالهم وهذه تتوجب البحث عن المسؤولية الشرعية لها.
ب: أضرار الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي:
إنّ للذكاء الاصطناعي حضورا كبيرا ومتزايدا في مجال الطب الحديث، فأصبح يستخدم في تشخيص الأمراض:
- تصميم العلاج واختيار الدواء وخطؤه فيه وتسببه في موت أو تلف عضو، أو حدوث عاهة مستدامة.
- خطوها في تشخيص المرض ووصف الطبيب الدواء بناءا على التشخيص الخاطئ نتيجة تغير في سلوك أجهزة الذكاء الاصطناعي الطبية دون سابق إنذار مما يعطي الأطباء البشرين أرقام ومعطيات غير صحيحة أو دقيقة بالشكل المطلوب فيتسبب ذلك في وفاة أو ذهاب عضو أو زيادة مرض.
- اجراء عملية جراحية معقدة على مستوى جميع أجزاء أعضاء جسم الإنسان، دون مساعدة البشر وموت المريض أو حصول تلف عضو.
هذه التهديدات والأخطار تعدّ من النوازل الشرعية التي تفتقد إلى لوائح تشريعية تقرر فيها الواجب الشرعي فيها في ظل منظومتها الحقوقية، حتي لا يبقى فراغ تشريعي، علما أنّه إلى كتابة هذه الأحرف لم يقف الباحث على قرارات وفتاوى للهيئات الشرعية تحدد الموقف الشرعي من هذا الضرر الناتج عن تقنيات الذكاء الاصطناعي لوسائل النقل.
ثانياً: تنزيل القواعد الفقهية للضمان على تطبيقات الذكاء الاصطناعي
بعد الوقوف على مفهوم الذكاء الاصطناعي و مفهوم الضمان والقواعد الفقهية ثم عرض صورا من الاضرار على الغير التي يمكن أن يستبب فيها الذكاء الاصطناعي نأتي الآن إلى اجراء عملية تنزيل لقواعد الضمان الفقهية على تطبيقات أضرار الذكاء الاصطناعي.
أ: تطبيق قاعدة العجماء جرحها جبار على أنظمة الذكاء الاصطناعي:
فمن الاشكالات الشرعية والقانونية المطروحة للنقاش هي البحث عن الأسس الشرعية التي تحتكم إليها أضرار الذكاء الاصطناعي، في وسط دعاوى قانونية ترى أن تجعل للذكاء الاصطناعي شخصية قانونية تتحمل من خلالها المسؤولية عن أخطائها ضد الغير، وعليه فإنّ في قاعدة العجماء جرحها جبار جواب شرعي عن حكم ما تسببه هذه التقنيات من أضرار على الأنفس والممتلكات، بعد الاتفاق على أنها لا تخرج عن دائرة الشيئية والعجموات في الاعتبار الشرعي، و قد دلّت القاعدة كما سبق ورأينا على عدم تحميل البهائم والعجموات ضمان ما تتلفه على الغير إلاّ إذا ثبت تعدي صاحبها أو تقصيره في التحكم فيها أو في رد عدوانها.
وعليه فإنّه إذا ثبت تسبب أنظمة الذكاء الاصطناعي في ضرر للغير في مجال النقل أو مجال الطب فإنّ قاعدة العجماء جرحها جبار تقتضي أن لا مساءلة ولا ضمان إلا إذا ثبت تعدّي أو تقصير مشغل أو مبرمج هذه التقنيات فتجعل حينها مكلفاً شرعاً بالضّمان.
ب: تطبيق قاعدة أسباب الضّمان على أنظمة الذكاء الاصطناعي
في قاعدة أسباب الضمان مستند شرعي يمكنها أنّ تحدد لنا المسؤول عن تحمل ضرر تقنيات الذكاء الاصطناعي على الغير فهي تقرر بأنّ الضمان يكون بأحد ثلاث: وهي الاتلاف والتسبب له ووضع اليد.
وعليه فإذا انقلبت سيارة الذكاء الاصطناعي بسبب خلل في البرمجة وتعطلها كتعطل نظام الاستشعار عن بعد وأدى ذلك وفاة راكبها أو وفاة أحد المارة فإنّ المسؤولية وتحمل الدّية في هذه الحالة تكون على الشركة المصنعة باعتبارها تسببت في الاتلاف عن طريق هذا الخلل التقني.
الأمر نفسه في حالة الاستعمال الطبي للذكاء الاصطناعي فإذا صممّ العلاج بتقنية الذكاء الاصطناعي، وكان للدواء أثر سلبي على المريض ومات جراء تعاطيه أو تلف عضو من أعضائه الداخلية أو الخارجية فمن يتحمل المسؤولية في هذه الحال هل مصمم التقنية أو مالكها ام مستخدمها في اختيار العلاج وتصميم الدواء؟
الجواب في معرفة المؤثر المباشر أو المتسبب الأقرب فإذا كان التأثير الضار للدواء بسبب خلل في تقنية الذكاء الاصطناعي الضمان على مصنع تلك التقنية، وتدفع الدية أو تعوض عن العضو التالف بناءا على قاعدة أسباب الضمان.
ج. تطبيق قاعدة الضرر يزال على أنظمة الذكاء الاصطناعي
من التأسيسات الشرعية التي يحتكم إليها ضمان الأضرار الناشئة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، مبدأ الضرر أو الفعل الضار الذي هو علة الضمان في الفقه الإسلامي بشرط التعدي، الذي يقصد به أن يكون الضرر قد حدث بسبب المجاوزة على حق الغير ولا يوجد جواز شرعي قد أباح التعدي لأنّ القاعدة أنّ الجواز الشرعي ينافي الضمان.
وعليه فإنّ الأضرار التي يتسبب فيها مختلف أجهزة الذكاء الاصطناعي من سيارات ذاتية القيادة أو أجهزة طبية ذكية أو وغيرها إذا حدثت بسبب فعل ضار على جهة التعدي توجب الضمان كأن تخرج عن مسارها المعتاد فتتسب في تلف مال أو نفس أو عضو فإنّه حينها يتوجب اعمال قاعدة الضرر يزال وتكون إزالته بالضمان دية كان أو تعويض مالي مكافئ.
الخاتمة
- الذكاء الاصطناعي هو تطور تقني على مستوى الاجهزة والآلة يصل إذا حد محاكاة الذكاء البشري.
- الضمان هو التعويض عن ضرر الغير والمعبر عنه قانونا بالمسؤولية المدنية.
- ضمان الذكاء الاصطناعي هو نازلة فقهية لم يكن لها سبق في الفقه الإسلامي.
- القواعد الفقهية الحاكمة لضمان اضرار الذكاء الاصطناعي هي: قاعدة أسباب الضمان، قاعدة العجماء جرحها جبار، قاعدة الضرر يزال.
- في الخزينة الفقهية من الأحكام والقواعد العامة والخاصة ما يكفي لمعالجة أي من النوازل المستجدات.
قائمة المصادر والمراجع
ابن دريد الأزدي، جمهرة اللغة، دار العلم للملايين، 1997م.
ابن عبد البر محمد، التمهيد لما في الموطأ من معاني وأسانيد، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب، 1387ه.
ابن فارس أحمد ، معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، 1399ه.
ابن كثير اسماعيل، تفسير ابن كثير، دار طيبة للنشر والتوزيع، 1420ه
ابن منظور محمد، لسان العرب, دار صادر، 1414ه.
ابن نجيم زين الدين، الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِيْ حَنِيْفَةَ النُّعْمَانِ دار الكتب العلمية، دون سنة نشر.
أحمد رضا، معجم متن اللغة، دار مكتبة الحياة، 1438ه
البخاري محمد بن اسماعيل، صحيح البخاري، دار طوق النجاة،1422ه.
الدريني فتحي، النظريات الفقهية، جامعة دمشق، 1417ه.
الزَّبيدي مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت – دون سنة نشر.
الزرقا مصطفى أحمد ، المدخل الفقهي العام، دار القلم، 1425ه
الزركشي بدر الدين، المنثور في القواعد الفقهية، وزارة الاوقاف الكويتية، 1405ه.
زين الدين الرازي، مختار الصحاح، 1420ه، المكتبة العصرية.
السبكي تاج الدين، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، 1411ه
الشاطبي أبو اسحاق، الموافقات، دار ابن عفان ، 1417ه.
شهاب الدين القرافي، الذخيرة، دار الغرب الإسلامي، دون سنة نشر
عبد الله موسى أحمد حبيب، الذكاء الاصطناعي ثورة في تقنيات العصر، المجموعة العربية للتدريب والنشر، 2019م.
عمر أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، 1429ه.
الفيومي أحمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية، دون سنة نشر .
الكاساني أبو بكر، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، شركة المطبوعات العلمية 1327ه
الكفوي أبو البقاء، الكليات، مؤسسة الرسالة، دون سنة نشر.
المازري أبو عبد الله، المعلم بفوائد مسلم، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988م.
الندوي علي أحمد، القواعد الفقهية، دار القلم، 1416ه.
وهبة الزحيلي وهبة، نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية والجنائية في الفقه الإسلامي، دار الفكر، 1433ه.
المجلات العلمية
الجابري زهرة محمد عمر وآخرون، الذكاء الاصطناعي ودوره في مشروع الجينوم البشري الإماراتي، بحث منشور في مجلة الصراط ، المجلد 22 العدد 1.
السناني، محمد بن راضي، ضمان الضرر والاتلاف بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بحث منشور في مجلة الجامعة الإسلامية للعلوم الشرعية، ع200، ج 2
الشعيبي فؤاد، المسؤولية المدنية عن أضرار روبوتات الذكاء الاصطناعي، بحث منشور بمجلة المعيار كلية الامام مالك للشريعة والقانون بدبي العدد الثامن 2019.
صالح أنور يعقوب اليونس، استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعادة هندسة العمليات، بحث منشور بمجلة بحوث مستقبلية، مجلد3 عدد 39.
عبد الرحيم محمد عبد الرحيم، الذكاء الاصطناعي وأثره في الضمان في الفقه الإسلامي، بحث منشور في مجلة الدراسات القانونية، العدد 25، جزء الأول.
المواقع الكترونية
القحطاني بدرية، سلبيات الذكاء الاصطناعي في الطب، موقع مفهرس، تم الدخول 23/11/2023 ساعة 16:55 رابط: https://mufahras.com.
ماهو الذكاء الاصطناعي؟ وكيف تصبح مهندس ذكاء اصطناعي؟ مقال منشور على الموقع الالكتروني: https://motaber.com/artificial-intelligence/