الاقتصاد الأزرق في دول الخليج: دراسة في الأسس الفقهية والإمكانات والتحديات التنموية – د. فداء منصور أبو المعاطي محمد الجوهري ا. هبه جمال عبد الفتاح محمد جاد- -مصر-
الاقتصاد الأزرق في دول الخليج:
دراسة في الأسس الفقهية والإمكانات والتحديات التنموية
د. فداء منصور أبو المعاطي محمد الجوهري[1]
ا. هبه جمال عبد الفتاح محمد جاد[2]
ملخص
الأهداف: تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة للاقتصاد الأزرق في دول مجلس التعاون الخليجي، ساعية إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة البحرية، في إطار من الضوابط الشرعية، بما يخدم أهداف رؤى التنمية الوطنية 2030 في دول الخليج، ويكرس مكانتها كمراكز عالمية رائدة في الاقتصاد الأزرق المستدام. المنهج: اعتمدت الدراسة على الأساليب الوصفية التحليلية، لرصد المفاهيم وتفسير الواقع الحالي للاقتصاد الأزرق في دول الخليج، بالإضافة إلى المنهج المقارن وذلك لمقارنة تجارب خليجية بأخرى دولية، والمنهج الاستنباطي الفقهي لاستخلاص القواعد الشرعية المتعلقة بملكية البحر. النتائج: كانت أهم نتائج الدراسة غياب سياسات متكاملة للاقتصاد الأزرق في معظم دول الخليج، باستثناء بعض الأطر التنظيمية لقطاعات فرعية محددة كمصايد الأسماك. الخاتمة: يُعد الاقتصاد الأزرق ركيزة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة في الخليج، مستندًا إلى ما تتمتع به المنطقة من ميزات تنافسية، تشمل سواحل ممتدة، وموارد بحرية غنية تتنوع بين الثروات السمكية والطاقات المتجددة، بالإضافة إلى موقع جغرافي استراتيجي يتحكم في أهم الممرات الملاحية العالمية. وقد أوصت الدراسة بتعزيز التعاون الإقليمي من خلال إنشاء هيئة خليجية موحدة للاقتصاد الأزرق تُنسق بين الدول، مع إطلاق صندوق تمويل إقليمي لدعم المشاريع البحرية المستدامة، واعتماد أنظمة رقابية مشتركة لمكافحة الصيد الجائر، بالإضافة إلى وضع مدونة فقهية معاصرة للاقتصاد الأزرق بالتعاون بين مؤسسات الفتوى والجهات التشريعية، لضمان توافق المشاريع مع الضوابط الشرعية.
الكلمات المفتاحية: الاقتصاد الأزرق- التنمية المستدامة- الخليج العربي- مصايد الأسماك- الطاقة المتجددة.
The Blue Economy in the Gulf States:
A Study of Jurisprudential Foundations, Potential, and Developmental Challenges
Dr. Fedaa Mansour Abo El-Maaty Mohamed Elgohary[3]
Miss Heba Gamal Abdelfattah Mohamed Gad[4]
Abstract
Objectives: This study aims to provide a comprehensive perspective on the blue economy in (GCC) countries, seeking to balance the requirements of economic development with the preservation of the marine environment, within the framework of Sharia principles. It also strives to support the objectives of the national development visions for 2030 in the GCC and to consolidate the region’s position as a global leader in the sustainable blue economy. Methodology: The study employed descriptive and analytical approaches to identify key concepts and interpret the current state of the blue economy in the Gulf. In addition, a comparative method was used to assess GCC experiences against international models, alongside a jurisprudential deductive approach to extract Sharia-based principles related to the ownership of marine resources. Results: The main finding of the study is the absence of comprehensive blue economy policies in most GCC countries, with the exception of some regulatory frameworks for specific sub-sectors such as fisheries. Conclusion: The blue economy constitutes a strategic pillar for achieving sustainable development in the Gulf region, building on extensive coastlines, marine resources ranging from fisheries to renewable energy, and a strategic geographic location. The study recommends strengthening regional cooperation through the establishment of a unified GCC Blue Economy Authority to coordinate efforts, launching a regional funding mechanism to support sustainable marine projects, adopting joint monitoring systems to combat overfishing, and developing a contemporary jurisprudential code for the blue economy in collaboration between fatwa institutions and legislative bodies, to ensure that projects comply with Sharia principles.
Keywords: Blue Economy- Sustainable Development- Arabian Gulf- Fisheries- Renewable Energy.
مقدمة:
يمثل الاقتصاد الأزرق أحد المفاهيم الحديثة في الفكر الاقتصادي، وقد أصبح في العقود الأخيرة محورًا استراتيجيًا ضمن السياسات التنموية المستدامة في العديد من الدول، لما يحمله من إمكانات هائلة تسهم في تعزيز الأمن الغذائي، وتحقيق الاستقرار البيئي، ودفع عجلة التنمية، ورغم حداثة المصطلح، فإن جذوره تعود إلى علاقة الإنسان التاريخية بالبحار والمحيطات، من حيث الانتفاع بخيراتها واستثمار مواردها في مختلف المجالات الحيوية.
وفي دول مجلس التعاون الخليجي، تُعدّ البيئة البحرية مصدرًا هامًا للأمن الغذائي والطاقة وتحلية المياه، بالإضافة إلى دعمها لقطاعات مثل تجارة اللؤلؤ، والسفر والسياحة، والنقل، وصيد الأسماك، ومع ذلك لم يُنظر إلى الاقتصاد الأزرق في دول الخليج العربي على أنه أولوية إنمائية حتى وقت قريب، إلا أن الصدمات الناتجة عن انخفاض أسعار النفط وآثار جائحة كوفيد-19، إلى جانب ضرورة مواجهة التحديات الكبيرة الناجمة عن تغير المناخ، والظروف الطبيعية، ومحدودية الموارد (مثل المياه العذبة، والأراضي الصالحة للزراعة، إلخ)، دفع دول الخليج بشكل متزايد نحو تنويع اقتصاداتها، ومن ثم اعترفت أغلب الدول بالاقتصاد الأزرق كبعد إنمائي هام، سيسمح لها باستغلال موارد المنطقة وموقعها الجيوسياسي على النحو الأمثل.
مشكلة الدراسة:
تمتلك دول الخليج سواحل بحرية غنية بالموارد، وتطل على ممرات بحرية من بين الأهم عالميًا، إلا أن الاستفادة من هذه الإمكانات لا تزال محدودة في سياق التنمية الاقتصادية، وعلى الرغم من تنامي الاهتمام العالمي بمفهوم الاقتصاد الأزرق بوصفه ركيزة للتنمية المستدامة، فإنه لم يحظَ هذا التوجه بالتركيز الكافي في السياسات الخليجية.
كما يفتقر الجهد التنموي في هذا المجال إلى رؤية فقهية اقتصادية واضحة تحدد ملكية هذه الموارد البحرية، وحدود الانتفاع بها، وتوازن بين الاستغلال والتنمية من جهة، والضوابط الشرعية والعدالة الاقتصادية من جهة أخرى.
ومن هنا، تتمحور مشكلة الدراسة في السؤال التالي: ما حجم إمكانات دول الخليج من الاقتصاد الأزرق، وما أبرز التحديات الاقتصادية والفقهية التي تعيق تفعيله كمسار للتنمية المستدامة؟
أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى التأصيل النظري للاقتصاد الأزرق، والأطر الفقهية المتعلقة بهذا المفهوم، وبيان واقع الاقتصاد الأزرق في دول الخليج وإمكاناته المتاحة، بالإضافة إلى تقديم رؤية شاملة للاقتصاد الأزرق هذه الدول، ومن ثم يمكن تحديد أهم أهداف الدراسة فيما يلي:
- عرض أبرز المفاهيم المتعلقة بالاقتصاد الأزرق، واستكشاف الأطر الفقهية المتعلقة بملكية واستثمار الموارد البحرية في الفقه الإسلامي.
- تحليل واقع الموارد البحرية في دول الخليج وإمكاناتها الاقتصادية، مع تحديد التحديات التي تعوق تفعيل الاقتصاد الأزرق فيها.
- تقديم رؤية تنموية متكاملة تراعي الاقتصاد الأزرق المستدام والمقاصد الشرعية.
منهج الدراسة:
اعتمدت الدراسة على عدد من المناهج والأساليب العلمية، كالأساليب الوصفية التحليلية لرصد المفاهيم وتفسير الواقع الاقتصادي الحالي للاقتصاد الأزرق في دول الخليج، بالإضافة إلى المنهج المقارن وذلك لمقارنة نماذج خليجية بأخرى دولية، والمنهج الاستنباطي الفقهي لاستخلاص القواعد الشرعية المتعلقة بملكية البحر، وحق الانتفاع، وحماية الثروات البحرية.
خطة الدراسة:
تم تقسيم الدراسة إلى أربعة مباحث بخلاف المقدمة والنتائج والتوصيات كالتالي:
المبحث الأول: الإطار النظري والبعد الفقهي للاقتصاد الأزرق.
المبحث الثاني: الواقع الحالي للموارد البحرية ودور البحر في الاقتصاد الخليجي
المبحث الثالث: إمكانات وتحديات الاقتصاد الأزرق في دول الخليج
المبحث الرابع: نماذج تطبيقية، ورؤية مقترحة لتفعيل الاقتصاد الأزرق في دول الخليج
المبحث الأول
الإطار النظري والبعد الفقهي للاقتصاد الأزرق
يسعى هذا المبحث إلى تقديم تأصيل نظري يوضح مفهوم الاقتصاد الأزرق ومجالاته الأساسية، وعلاقته المباشرة بأهداف التنمية المستدامة، كما يتوسع في عرض البُعد الفقهي للاقتصاد الأزرق، مبرزًا موقف الفقهاء من ملكية البحر، وأحكام الانتفاع بموارده، والتكييف الفقهي للأنشطة والاستثمارات البحرية المعاصرة، بما يحقق التوازن بين استثمار الموارد البحرية وبين مقاصد الشريعة في حفظ المال، وصيانة البيئة، وضبط سبل الانتفاع بما لا يخل بحقوق الأجيال أو يفضي إلى الضرر والفساد.
المطلب الأول: الإطار النظري للاقتصاد الأزرق:
يُعد الاقتصاد الأزرق أحد أبرز الاتجاهات الاقتصادية المعاصرة التي تعكس تطور النظرة العالمية لموارد البحار والمحيطات، فلم تعد المسطحات المائية مجرد حدود طبيعية أو مصادر للصيد والنقل، بل أصبحت فضاءً اقتصاديًا متكاملًا، يُعتمد عليه في إحداث نقلة نوعية في مسارات التنمية المستدامة، وقد برز هذا المفهوم بقوة مع تصاعد التحديات البيئية والاقتصادية، واتساع الحاجة إلى مصادر بديلة ومستدامة تدعم الاقتصاد وتراعي البعد البيئي والاجتماعي.
الفرع الأول: تعريف الاقتصاد الأزرق ونشأته ومجالاته الأساسية:
أولاً: تعريف الاقتصاد الأزرق. أطلقت عدد من المنظمات الدولية تعاريف مختلفة للاقتصاد الأزرق، حيث عرفته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بأنه الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على البحار والمحيطات والموارد المائية، وتستهدف تحقيق النمو الاقتصادي مع المحافظة على البيئة البحرية وضمان الاستدامة طويلة الأجل لهذه الموارد، وهو بذلك يشمل الأنشطة الصناعية والموارد الإحيائية للمحيطات والمياه العذبة. (OECD, 2024, p. 15)
كما عرفته الأمم المتحدة بأنه مجموعة من القطاعات الاقتصادية والسياسات ذات الصلة التي تُحدد ما إذا كان استخدام الموارد البحرية مستدامًا أم لا، ويهدف إلى تحسين الرفاهية الإنسان والعدالة الاجتماعية، مع تقليل المخاطر البيئية وضمان الأمن البيئي. (OECD, 2024, p. 16).
وعليه يمكن القول بأن الاقتصاد الأزرق هو: مجموعة من الأنشطة الاقتصادية المتكاملة التي تُمارَس في البيئات البحرية والساحلية لتحقيق النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، من خلال استثمار الموارد المائية الحية وغير الحية بأحسن استغلال، ضمن إطار يحفظ التوازن البيئي، ويؤسس لاستدامة هذه الموارد لصالح الأجيال القادمة، بما ينسجم مع مقاصد العدالة البيئية والاقتصادية.
ثانيًا: نشأة مفهوم الاقتصاد الأزرق. بدأ مفهوم الاقتصاد الأزرق بالظهور في أواخر القرن العشرين، إلا أنه لم يكتسب زخمًا عالميًا إلا بعد مؤتمر (ريو + 20) عام 2012م، حيث ركز المؤتمر على أهمية الحفظ والإدارة المستدامة للمحيطات، مرتكزًا على فكرة أن النظم البيئية البحرية السليمة هي الأكثر إنتاجية وأنها تشكل أساسًا حيويًا لاقتصادات مستدامة تعتمد على المحيطات، ومن ثم طُرح الاقتصاد الأزرق كنموذج تنموي مستدام للدول الساحلية والجزرية، يهدف إلى دمج أحكام تسمح بالاستغلال الأمثل للموارد البحرية في إطار هذا النموذج، وقد تطور المفهوم لاحقًا ضمن التفكير الاقتصادي البيئي، وحَظي على اهتمامٍ كبير من المنظمات الدولية، نظرًا لإمكاناته الواعدة في مكافحة الفقر وتحقيق الأمن الغذائي والطاقي. (FAO, 2017; Patil et al., 2016; United Nations, 2012).
ثالثًا: مجالات الاقتصاد الأزرق الأساسية. حدد البنك الدولي عدد من قطاعات الاقتصاد الأزرق ومنها:
- الصيد البحري وتربية الأحياء المائية. يمثل الصيد البحري نشاط اقتصادي ومجال عمل لنحو 300 مليون شخص يعملون في هذا القطاع، يساعدون من خلاله في تلبية الاحتياجات الغذائية لحوالي 3 مليار شخص يعتمدون على الأسماك كمصدر للبروتين الحيواني. (World bank, 2017, 14)
تَجاوَز إنتاج تربية الأحياء المائية (الاستزراع البحري) على إنتاج الصيد البحري التقليدي، حيث مثل 51 ٪ من إجمالي إنتاج الحيوانات المائية على مستوى العالم في عام 2022، (FAO, 2024, p.7) ويتوقع بحلول عام 2030 أن تنتج عملية الاستزراع ثلث الثروة السمكية داخل البحار. (World bank, 2017, p.12)
- السياحة الساحلية والبحرية. وهي أحد أهم أعمدة الاقتصاد الأزرق، لما لها من دور في توليد العملات الأجنبية، وخلق فرص عمل، والحفاظ على الثقافات والتقاليد والتراث المحلي، وارتباطها بالرفاهية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. (World bank, 2017, 16)
- الطاقة البحرية المتجددة. يُعد استثمار الاقتصاد الأزرق في مصادر الطاقة المتجددة كطاقة الأمواج، والرياح، والطاقة الحرارية للمحيطات من أبرز استخداماته الحديثة، وتُعد هذه المصادر بدائل نظيفة مستدامة للطاقة الأحفورية المتعارف عليها، لدورها في تقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق أهداف المناخ (World Bank, 2024).
- النقل البحري والخدمات اللوجستية. النقل البحري شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، حيث يتم عبره نقل أكثر من 80٪ من حجم التجارة الدولية. يشمل هذا القطاع إدارة الموانئ، والخدمات اللوجستية، وبناء السفن وصيانتها، ما يجعله من أكبر القطاعات المرتبطة بالتجارة الدولية، ومَصدرًا مهمًا للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. (UNCTAD, 2024)
- التكنولوجيا الحيوية والتنقيب البيولوجي. وتشمل الصناعات الغذائية والطبية، والطاقة، والمستحضرات الصيدلانية والتجميلية وغيرها، بالاعتماد على موارد من البيئة البحرية والمحيطات تشكل بديل للأنشطة الاستخراجية الضارة. (World bank, 2017, 17)
- الصناعات الاستخراجية. يشير هذا النشاط للعمليات التي تحدث لاكتشاف الموارد الطبيعية كالنفط والغاز البحري، والمعادن المختلفة في أعماق البحار قبالة سواحل العديد من الدول حول العالم. (World bank, 2017,18)
- تحلية المياه. يُعد تأمين المياه النظيفة والآمنة لتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من السكان أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية وتعترض التنمية بسبب طبيعة هذا المورد، ومن هنا تبرز قيمة هذا القطاع الذي يهدف إلى تحلية مياه البحر. (World bank, 2017, 20)
- إدارة النفايات. يُعد تحسين إدارة النفايات البحرية، أولوية للعديد من الدول في سياق انتقالها نحو الاقتصاد الأزرق، حيث تُعد مياه الصرف الصحي والمغذيات والقمامة البحرية المصادر الرئيسية للتلوث، واستغلالها في أنشطة صناعية أخرى يفيد في تقليل حجم الأضرار الناتجة عن النقل البحري والسياحة البحرية وعلى الاقتصادات والنظم البيئية. (World bank, 2017, p.22)
الفرع الثاني: العلاقة بين الاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة:
تعني التنمية المستدامة أن تكون التنمية الاقتصادية شاملة وسليمة بيئيًا، وأن تُنفَّذ بطريقة لا تُستنزف الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات على المدى الطويل، لذا تقوم التنمية المستدامة على تحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية، ويُعد الاقتصاد الأزرق نموذجًا تطبيقيًا لهذا التوازن، فهو من جهة يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي عبر توسيع فرص العمل، وتعزيز الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل في القطاعات المرتبطة بالبحار والمحيطات، ومن جهة أخرى يلتزم بحماية البيئة البحرية والحفاظ على مواردها الحيوية للأجيال القادمة، مع التركيز على تقليل التلوث، الحفاظ على التنوع البيولوجي، والإدارة الرشيدة للمخزونات السمكية (World Bank, 2017, p.4).
ولتعزيز هذه العلاقة، تجدر الإشارة إلى أن الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة (SDG 14)، والمخصص للحياة تحت الماء، ينص صراحة على “حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام لتحقيق التنمية المستدامة”. هذا الهدف يمثل حجر الزاوية الذي يربط بشكل مباشر بين مبادئ الاقتصاد الأزرق وأهداف التنمية المستدامة العالمية، وعلى ذلك تتجلى العلاقة بين الاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة في عدة جوانب رئيسية، منها:
- تحقيق الأمن الغذائي. من خلال توفير مصادر غذائية متجددة من البحار، إذ يُعد كلٌ من المحيطات والاقتصاد الأزرق، وفق ما استنبط من اتفاقية التنوع البيولوجي، عنصرين أساسيين في دعم الأمن الغذائي ومواجهة الجوع والفقر (Convention on Biological Diversity, 1992, p.3).
- دعم الاقتصاد المحلي والدولي. عن طريق تعزيز التجارة والاستثمارات البحرية، أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الأزرق يعزز النمو مع توليد فرص العمل على المستويين المحلي والدولي، ويُعد هذا النمو ركيزة لدعم المجتمعات الساحلية وتحسين سبل العيش، لا سيما في الدول النامية التي تواجه تحديات سكانية واقتصادية متزايدة (World Bank, 2022, p. 5).
- الحد من التغير المناخي. من خلال الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والنقل البحري منخفض الانبعاثات، إذ يشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الاقتصاد الأزرق المستدام يحقق فوائد بيئية واجتماعية واقتصادية متعددة، ويعتمد على تقنيات نظيفة وطاقة متجددة وتدوير للموارد (UNEP FI, 2022, p. 11).
- الحفاظ على التنوع البيولوجي. من خلال فرض ضوابط على الاستغلال الجائر والصيد العشوائي، حيث يشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن التحول نحو الاقتصاد الأزرق المستدام يتطلب إعادة بناء الازدهار البحري واستعادة التنوع البيولوجي، من خلال استثمارات تعزز الأنشطة البحرية المستدامة وتقلل الأثر البيئي (UNEP FI, 2022, p. 12).
وبذلك، فإن الاقتصاد الأزرق لا يُعد مجرد خيار اقتصادي فحسب، بل رؤية استراتيجية متكاملة تعزز من قدرة المجتمعات على بناء مستقبل أكثر استدامة وعدالة وازدهار.
المطلب الثاني: البعد الفقهي للاقتصاد الأزرق:
اهتم الفقه الإسلامي بالبحار، سواء من حيث أحكام الملاحة والصيد، أو من حيث ملكية الماء والانتفاع بالموارد الطبيعية، وذلك انطلاقًا من القواعد العامة للشريعة الإسلامية التي تنظم العلاقة بين الإنسان والبيئة من جهة، وبين الأفراد في الانتفاع بالثروات العامة من جهة أخرى، ومع تطور الأنشطة البحرية الحديثة وظهور مفاهيم كالاقتصاد الأزرق، تبرز الحاجة إلى تأصيل فقهـي يعيد قراءة هذه الأنشطة وفق مقاصد الشريعة الإسلامية وضوابطها.
الفرع الأول: ملكية البحر في الفقه الإسلامي:
سخر الله سبحانه وتعالى للإنسان ما في الأرض جميعًا، وأتم وأكمل عليه النعم الظاهرة والباطنة، كما قال تعالى: ] أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ [ (سورة لقمان، آية 20)، والبحر من أجل النعم التي سخرها الله عز وجل للإنسان في هذا الكون، قال تعالي: ] وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ (سورة النحل، آية 14).
لذا للبحر أهمية كبيرة في حياة البشرية، فيقوم عليه غذاء الإنسان، كما أنه يزخر بالثروات من المعادن وتجري فيه السفن والبواخر، وغير ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس وتقوم عليها المصالح، وفي عصرنا الحالي زادت أهمية البحار، وذهب الناس إلى استغلال ما فيها من ثروات، والاستفادة من خيراتها، ومن ثم ظهرت الحاجة إلى معرفة الاحكام الفقهية المتعلقة بالبحار.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن “البحر لا يُمَلَّك”(الزحيلي، 1985، ص 603)، لأنه من الموارد العامة التي جعل الله عز وجل نفعها مشاعًا، ولا يختص به أحد دون غيره، وهو ما يعبر عنه في الفقه بكونه من (المال المباح) أو (المنفعة العامة)، ويترتب على ذلك أن كل من سبق إلى الانتفاع به دون إضرار بالغير كان أحق به، عملاً بالقاعدة الفقهية: “من سبق إلى مباح فهو أحق به”، وهذه القاعدة استنبطها الفقهاء من الحديث الشريف: عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَن أعْمَرَ أرْضًا ليسَتْ لأحَدٍ فَهو أحَقُّ” (البخاري، 2002، رقم 2335، ص 562)، وأيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن سبَقَ إلى ما لم يَسبِقْه إليه مسلمٌ، فهو له”، وفي لفظة أخرى ماء (السِّجِسْتاني، 2016، رقم 3071، ص 552). وقد استدل الشافعية بهذا الحديث لإثبات أحقية السبق بشرط عدم التعدي أو احتكار هذا المورد المباح.
وبما أن الناس شركاء في الكلأ والماء والنار، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف “المُسلِمونَ شُركاءُ في ثَلاثٍ: في الكَلَأِ، والماءِ، والنارِ” (السِّجِسْتاني، 2016، رقم 3477، ص 625). فإن الأصل في هذه الموارد هو الإباحة، ولا يُمنع أحد من الانتفاع بها ما لم يسبقه إليها غيره، إذ يُعد السبق سببًا شرعيًا للأحقية في الانتفاع من هذه الموارد المباحة دون تعدٍ أو تعمد إفساد أو احتكار.
ومع ذلك، فرق الفقهاء بين أنواع الماء من حيث طبيعته العامة، وبين أجزاء قد يطرأ عليها التخصيص أو الإحياء أو التملك بطريقٍ شرعي، فالمياه أنواع: ماء البحار، وماء الأنهار العظيمة، وماء الأنهار الصغيرة، والماء الخاص المحرز في الأواني.
فماء البحار: مَشاع للجميع، ولكل إنسان حق الانتفاع به على أي وجه شاء، كالانتفاع المجاني بالشمس والقمر والهواء، أما ماء الأنهار العظيمة: كنهر النيل ونهري دجلة والفرات، فللناس فيه حق الشِفه وسقي الماء، لأنها مباحة مشرب ومسقى للجميع، ما لم يلحق ضرر بالجماعة، وإلا وجب دفع الضرر عنهم، وأما عن ماء الأنهار الصغيرة: التي سماها الفقهاء بماء المقاسم وهي المياه المخصصة لجماعة من الناس محددة، كأهل قرية مثلًا أو مدينة، فحق الشِفة فيه ثابت لضرورة ذلك، ولأن الأصل اشتراك الناس في الماء والكلأ والنار طبقًا للحديث الشريف، ولكن إذا كان حق الشِفة هذا يأتي على الماء كله، فللمالك حق منع وارده لدفع الضرر عن نفسه وأرضه كما قال الحنفية (الزحيلي، 1985، ص 603)، أما الماء المحرز في الأواني: فهو مملوك لصاحبه دون غيره، ولا يحق لأحد الانتفاع به إلا بإذن صاحبه، لأنه مملوك له بالإحراز. (الزحيلي، 1985، ص 604).
الفرع الثاني: ضوابط الانتفاع بالموارد البحرية:
تعتبر الموارد البحرية بشكل عام من الأملاك العامة التي تعود ملكيتها للأمة، وتتولى الدولة مهمة تنظيم الانتفاع بها بما يضمن العدالة والمصلحة العامة، وقد أقرت الشريعة جواز الانتفاع بالثروات البحرية، كالأسماك واللؤلؤ والأعشاب والمعادن، واتفق الفقهاء على أن هذه المستخرجات ملك لواجدها طالما لم يجر ملك لأحد عليها، على أن يكون ذلك الانتفاع ضمن ضوابط شرعية تقوم على حفظ المال، وعدم الإضرار بالغير، والابتعاد عن الإفساد، لقوله تعالى: ]وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا.. [. (سورة الأعراف، من الآية 56)
ومن الضوابط التي أقرتها الشريعة في هذا الأمر:
- الأصل في الانتفاع بالموارد البحرية وما يستخرج منها هو الإباحة ما لم يرد دليل خاص بالتحريم، استنادًا على القاعدة الشرعية “الأصل في الأشياء الإباحة”.
- الاعتدال في الاستهلاك وتجنب الاسراف، تنهى الشريعة عن الإسراف والتبذير في كل شيء، بما في ذلك الانتفاع بالموارد البحرية.
- وألا يؤدي الانتفاع إلى إهلاك البيئة أو انقراض بعض الكائنات البحرية، حيث تحرم الشريعة الإفساد في الأرض، ويشمل ذلك الإفساد في البيئة البحرية، وهو ما يعني تحريم تلويث البحار بكافة صوره، أو الصيد الجائر الذي يؤدي إلى انقراض الكائنات البحرية، أو تدمير الشعاب المرجانية، أو أي ممارسات تضر بالتوازن البيئي البحري. (فايع، 2000، ص 413)
- الالتزام بالأنظمة المرعية التي تنظم الاستغلال البحري، ومراعاة مصلحة الأمة في حفظ هذه الثروات للأجيال القادمة. (فايع، 2000، ص ص 497- 503)
الفرع الثالث: التكييف الفقهي للاستثمارات البحرية الحديثة.
تعد الاستثمارات البحرية المعاصرة، كالمنصات النفطية، ومزارع الأسماك، والطاقة البحرية، من المستجدات التي تستدعي تكييفًا فقهيًا دقيقًا، ويمكن إدراجها ضمن عقود الجُعل، أو الإحياء، أو الاقطاع، أو الإجارة، بحسب نوع المورد، وجوهر النشاط التجاري أو الصناعي، وبحسب طبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمر. (فايع، 2000، ص ص 481- 495)
وقد أقر الفقهاء المعاصرون مشروعية هذه الأنشطة ما دامت لا تتضمن غررًا أو ضررًا، وأن تحقق مصلحة عامة أو خاصة معتبرة شرعًا، وأن تخضع للضوابط البيئية والأنظمة التي تضمن العدالة وعدم الاحتكار.
بذلك، فإن الاقتصاد الأزرق، من منظور فقهي، يُعد بابًا واسعًا للانتفاع المشروع والتنمية المتوازنة، مع الالتزام بالضوابط التي تحقق استدامة الموارد البحرية وتمنع الإفساد في الأرض، بما ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ النعم وتوجيه الانتفاع بها نحو المصلحة العامة.
بعد هذا العرض النظري والفقهي، يتبين أن الاقتصاد الأزرق لا يمثل مجرد إطار اقتصادي ناشئ، بل هو مدخل استراتيجي يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وموارد البحار في ضوء مستجدات التنمية المستدامة، وقد أظهر التحليل الفقهي أن الشريعة الإسلامية، رغم قدم نصوصها، تمتلك من القواعد والمقاصد ما يؤهلها لاستيعاب هذا المفهوم وتوجيهه نحو غايات تحقق التوازن بين الاستغلال الرشيد وحفظ الحقوق البيئية والاقتصادية للأجيال القادمة.
المبحث الثاني
الواقع الحالي للموارد البحرية ودور البحر في الاقتصاد الخليجي
تمتع دول مجلس التعاون الخليجي، بموقع استراتيجي فريد يطل على الخليج العربي الذي يُعد من أكثر المسطحات المائية تنوعًا بيولوجيًا في المنطقة، ما يمنحها إمكانات بحرية هائلة. تشمل امتدادات دول الخليج البحرية خليج عُمان، وخليج السويس، وخليج العقبة، ومضيق هرمز، والبحر الأحمر، وبحر العرب، ما يمنح المنطقة منفذًا مباشرًا على المحيط الهندي، يشكل هذا الواقع البحري الغني أساسًا قويًا لتنمية الاقتصاد الأزرق، الذي يشمل مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المستدامة المرتبطة بالبحار والمحيطات.
المطلب الأول: تحليل الموارد البحرية المتاحة:
تنقسم الموارد البحرية المتاحة في دول الخليج العربي إلى موارد حية وموارد غير حية، وتضم كل منها عدد من الموارد كالتالي:
الفرع الأول: الموارد البحرية الحية:
ويقصد بها الكائنات الحية التي تعيش في البحار والمحيطات.
- 1. الموارد السمكية والأحياء البحرية. تُعد الثروة السمكية من أهم الموارد البحرية المتاحة في دول الخليج، وتشمل الأسماك التجارية ذات القيمة الاقتصادية العالية كالهامور، والشعري، والزبيدي، وغيرها، والتي تدعم قطاع صيد الأسماك التقليدي والتجاري، وتُعد من الركائز التقليدية لغذاء السكان المحليين، ومن الصادرات الهامة في بعض الدول، كما تشمل الروبيان والقشريات، وتعد مصائد الروبيان من أهم الثروات المائية الحية، والأنواع الأكثر طلبًا في الأسواق الخليجية، بالإضافة إلى اللؤلؤ والمحار وقد اشتهرت المنطقة قديمًا بصناعة اللؤلؤ الطبيعي، ولا تزال هناك جهود لإحياء هذه الصناعة أو استكشاف إمكانيات زراعة اللؤلؤ المستدام. (الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، 2023، ص 50)
- الشعاب المرجانية. تنتشر الشعاب المرجانية في مناطق متفرقة من سواحل دول الخليج، خصوصًا قبالة سواحل البحرين وقطر والإمارات، وعلى الرغم من أنها ليست موارد مباشرة للاستغلال التجاري الواسع، وتعرضها للتهديد بفعل التغير المناخي والتوسع العمراني الساحلي، إلا أنها توفر بيئة حيوية حاضنة للتنوع البيولوجي البحري.
- الطحالب. توجد أنواع مختلفة من الطحالب في سواحل دول الخليج، بعضها يعيش في المياه المالحة وبعضها في المياه العذبة، تكمن أهمية الطحالب في كونها مصدر غذائي هام للعديد من الكائنات البحرية الحية، كما أنها تلعب دورًا هامًا في التوازن البيئي. (الصرعاوي والعتيبي،2022، ص2)
الفرع الثاني: الموارد البحرية غير الحية:
وتشمل مصادر الطاقة كالنفط والغاز الطبيعي، والطاقة المتجددة البحرية، الموارد المعدنية في قاع البحر.
- الهيدروكربونات البحرية. على الرغم من أن النفط والغاز لا يندرجان بشكل مباشر تحت “الاقتصاد الأزرق” بمفهومه الحديث الذي يركز على الاستدامة، إلا أنهما يشكلان واقعًا بحريًا هامًا في دول الخليج، حيث يمتلك الخليج العربي احتياطات نفط وغاز ضخمة في حقول بحرية، مثل حقل السفانية السعودي، وهو أكبر حقل نفطي بحري في العالم، وحقل الشاهين القطري وغيرهما.
تمثل الحقول البحرية جزءًا كبيرًا من الاحتياطيات الهيدروكربونية في المنطقة، وتعتمد عليها اقتصادات هذه الدول بشكل كبير، تستلزم عمليات الاستكشاف والإنتاج في هذه الحقول بنى تحتية بحرية ضخمة وخبرات متطورة في الهندسة البحرية، ما يخلق فرص عمل ويساهم في تطوير التكنولوجيا البحرية.
- الطاقة المتجددة البحرية. تتمتع المنطقة بإمكانات كبيرة لتطوير مصادر الطاقة المتجددة البحرية، وإن كانت الاستفادة منها ما زالت في مراحلها الأولية ولم تُستثمر بالشكل الكافي حتى الآن، كطاقة الرياح البحرية، والطاقة الشمسية العائمة.
- المعادن البحرية. على الرغم من أن استكشاف المعادن في قاع البحر لا يزال في مراحله الأولية بدول الخليج، إلا أنه توجد مؤشرات على وجود معادن ثقيلة وعناصر نادرة ورواسب معدنية ذات قيمة اقتصادية في القاع البحري، لكنها لم تُستكشف أو تُستثمر تجاريًا بعد بشكل منهجي.
يُظهر هذا التحليل أن دول الخليج تمتلك قاعدة موارد بحرية متنوعة وغنية، تشمل الثروات الحيوية وغير الحيوية، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي، ومع ذلك فإن التحدي يكمن في كيفية استغلال هذه الموارد بشكل مستدام ضمن إطار الاقتصاد الأزرق، مع الأخذ في الاعتبار الحفاظ على البيئة البحرية والتنوع البيولوجي للأجيال القادمة.
المطلب الثاني: الدور الحالي للبحر في الاقتصاد الخليجي.
يضطلع البحر حاليًا بدور محوري في اقتصادات دول الخليج، مدفوعًا بشكل أساسي بالصناعات التقليدية والموقع الجغرافي الاستراتيجي.
الفرع الأول: الأنشطة الاقتصادية الاستراتيجية:
تمثل هذه القطاعات العمود الفقري للاقتصاد البحري في الخليج، حيث تعتمد عليها الدول بشكل مباشر في الإيرادات، وأمن الموارد والمكانة اللوجستية العالمية.
- النفط والغاز البحري. لا يزال قطاع النفط والغاز البحري يشكل الحصة الأكبر والأكثر تأثيرًا في مساهمة البحر في اقتصادات الخليج، خاصة في السعودية وقطر والإمارات، حيث تُعد الحقول البحرية مصدرًا رئيسيًا للإيرادات الحكومية، وتسهم بشكل كبير في الصادرات والناتج المحلي، وتشكل أساسًا للبنية التحتية الصناعية والمالية في هذه الدول، يعتمد هذا القطاع على استثمارات ضخمة في التنقيب والإنتاج والنقل، ويوفر عددًا كبيرًا من فرص العمل، ما يجعله المحرك الأساسي للاقتصاد البحري الحالي، رغم أن التوجهات العالمية تسعى لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
- التجارة والنقل البحري. نظرًا لموقعها الاستراتيجي على طرق التجارة العالمية (خاصة قرب مضيق هرمز)، أصبحت دول الخليج مراكز لوجستية بحرية حيوية، وتُعد الموانئ الخليجية من بين الأكثر نشاطًا عالميًا، تُستخدم الموانئ البحرية الحديثة والمتطورة مثل ميناء جبل علي وميناء خليفة في الإمارات، وميناء حمد في قطر، وميناء الملك عبد الله والدمام في السعودية كمراكز لوجستية إقليمية ودولية، كما تلعب دورًا أساسيًا في تسهيل التجارة الدولية، وعمليات إعادة الشحن، بالإضافة إلى خدمات الدعم البحري، مثل صيانة السفن، وتموين الوقود، وخدمات الإمداد البحري، والتي تُسهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي.
- 3. تحلية المياه. تعتمد دول الخليج على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها من المياه العذبة، ما يجعل محطات التحلية بنى تحتية بحرية حيوية، كما أنها تتمتع بأعلى قدرة عالمية على تحلية المياه بنسبة 81%، حيث تنتج حوالي 40% من الإنتاج العالمي. وتمثل مياه التحلية نحو 20% من المياه المتاحة للاستخدام في دول الخليج (الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، 2023، ص40)، وهو مجال يشهد استثمارات ضخمة، خاصة في السعودية والكويت والإمارات، تنتج السعودية وحدها حوالي خُمس الإنتاج العالمي، بقدرة إنتاجية بلغت حوالي 9,4 مليون متر مكعب يوميًا عام 2024، (وزارة البيئة والمياه والزراعة، 2024أ) والتي تُشكل 50% من استهلاكها المائي، ورغم أن عملية التحلية تستهلك طاقة كبيرة وقد يكون لها آثار بيئية، إلا أنها مورد مائي استراتيجي لا غنى عنه وتعتبر جزءًا لا يتجزأ من استغلال الموارد البحرية في المنطقة. (Kouvelis, 2021, p. 39)
الفرع الثاني: الأنشطة البحرية التقليدية والمعاصرة:
رغم المساهمة المتواضعة لهذا القطاع مقارنة بالقطاعات الاستراتيجية، إلا أنه يشهد تطورًا، ويملك إمكانات مستقبلية لدعم التنويع الاقتصادي، والحفاظ على التراث البحري، وتحقيق الاستدامة البيئية.
- الصيد البحري. لا تزال مساهمة قطاعي الصيد وتربية الأحياء المائية في الناتج المحلي الإجمالي متواضعة نسبيًا في دول الخليج، على الرغم من هذا يُعد الصيد التقليدي مصدر دخل مباشر لعدد من السكان المحليين، ويمثل قطاعًا تراثيًا واقتصاديًا، كما تزداد الاستثمارات في مشاريع تربية الأحياء المائية بهدف تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات، ومع ذلك يواجه هذا القطاع تحديات تتعلق بالصيد الجائر، وتلوث المياه وتدهور الموائل البحرية، والحاجة إلى تحديث أساليب الصيد والإنتاج لتكون أكثر استدامة وفعالية (Kouvelis, 2021, p. 9).
- 2. السياحة البحرية. تبرز السياحة الساحلية والبحرية كقطاع واعد في دول الخليج خاصة في عمان والإمارات والبحرين، ويعزز المناخ المعتدل خلال فصل الشتاء جاذبية المنطقة كوجهة سياحية، كما أن قرب المنطقة الجغرافي من أوروبا يجذب المزيد من السياح.
يشمل هذا القطاع الفنادق الشاطئية والمنتجعات الفاخرة على السواحل والجزر الاصطناعية، بالإضافة إلى الأنشطة المائية الترفيهية والجذب الثقافي البحري بإبراز التراث البحري الغني للمنطقة، ومن العوامل الداعمة لهذا القطاع قيام دول الخليج بتطوير مبادرات سياحة الاجتماعات والحوافز والمؤتمرات والمعارض (MICE) من خلال استضافة فعاليات إقليمية ودولية، تُسهم هذه الأنشطة في جذب السياح وتوليد الإيرادات وتوفير فرص العمل، وتُعد جزءًا من الاستراتيجية الأوسع لتعزيز جاذبية المنطقة كوجهة سياحية عالمية. (Kouvelis, 2021, p. 33)
باختصار، على النقيض من العلاقة المذكورة أعلاه بالبحر ووفرة فرص نشاط الاقتصاد الأزرق، فإن البحر لم يكن جزءًا مركزيًا من اقتصادات دول الخليج حتى وقت قريب، وإنما كان دوره يتركز على استخراج النفط والغاز والنقل البحري، وبينما هناك نمو ملحوظ في قطاعات مثل السياحة البحرية وتربية الأحياء المائية، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدعم والتطوير لتصل إلى إمكاناتها الكاملة وتصبح ركائز أساسية ضمن نموذج الاقتصاد الأزرق المستدام.
المبحث الثالث
إمكانات وتحديات الاقتصاد الأزرق في دول الخليج
تعتمد دول الخليج منذ السبعينيات على النفط كمصدر رئيسي للصادرات والإيرادات المالية، إلا أن تقلبات أسعاره العالمية، وعدم استقراره كشفت هشاشة هذا النموذج التنموي وضعف موثوقيته الاقتصادية.
ومع تراجع عائدات النفط، أدركت دول الخليج ضرورة التنويع الاقتصادي، فاتخذت إصلاحات لخفض الاعتماد على النفط، وبناء اقتصاد مستقر، وتهيئة ظروف مواتية للاستثمار الأجنبي المباشر والتجارة العالمية. (Kouvelis, 2021, p. 8)
وعليه ازداد الاهتمام بالاقتصاد الأزرق في الخليج، سواء بشكل جماعي أو على مستوى الدول الفردي، حيث أصبح قطاعًا اقتصاديًا نشطًا، خاصة في مجالات الشحن والسياحة الساحلية، ومصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية في بعض الدول.
المطلب الأول: إمكانات الاقتصاد الأزرق في دول الخليج:
تزخر البيئة البحرية لدول الخليج العربي بفرص استثمارية واعدة في قطاعات متعددة، تتجاوز الاعتماد التقليدي على الهيدروكربونات.
الفرع الأول: الفرص المتاحة للاقتصاد الأزرق في دول الخليج:
- مصايد الأسماك. تُعد مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية من الأنشطة الهامة في دول الخليج، ورغم أن مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي متواضعة مقارنة بالنفط (في الامارات مثلاً يسهم قطاع الصيد بنسبة 0,12% من الناتج المحلي) (هيئة البيئة- أبوظبي، 2019، ص9)، إلا أن هناك إمكانات كبيرة لتعزيز هذه المساهمة من خلال:
– تنمية مصائد الأسماك المستدامة: ومكافحة الصيد الجائر، وتطوير أساطيل الصيد الحديثة، تُركّز عُمان على سبيل المثال على تطوير نشاط صيد الأسماك وتحويله إلى قطاع حديث يُضاعف مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، ويجذب الكفاءات العمانية الشابة المُدرّبة. (Kouvelis, 2021, p. 17)
– توسيع مشاريع تربية الأحياء المائية: كونه فرصة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتوفير فرص عمل، يبين الشكل رقم (1) إجمالي كمية الاستزراع السمكي في بعض دول الخليج عام 2021.
شكل رقم (1): إجمالي كمية الاستزراع السمكي في دول الخليج 2021
المصدر: (المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، 2023، ص10)
تسعى رؤية السعودية 2030 إلى زيادة إنتاج قطاع الثروة السمكية إلى 600 ألف طن بحلول عام 2030، ما يمثل قفزة نوعية عن مستوياته الحالية، وقد شهد القطاع إنتاج أكثر من 188 ألف طن من الأسماك عام 2022م، بقيمة تقدر حوالي 5.6 مليار ريال سعودي، تم تصدير نحو 59.844 طنًا منها بقيمة تقدر بـحوالي 1.1مليار ريال، وحقق نسبة اكتفاء ذاتي بلغت تقريبًا 58% (وزارة البيئة والمياه والزراعة، 2024ب، ص2).
من المتوقع أن يسجل سوق مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في دول الخليج معدل نمو سنوي مركب قدره 7.2% حتى عام 2029. (Mordor Intelligence, 2025)
- النقل البحري واللوجستيات والموانئ. تتجاوز الإمكانات في هذا القطاع مجرد إعادة الشحن لتشمل:
– تطوير الموانئ الذكية والمراكز اللوجستية المتكاملة: والاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لزيادة كفاءة الموانئ، وتطوير مناطق صناعية ولوجستية حرة لتعزيز القيمة المضافة.
– صناعة السفن والخدمات البحرية: يمكن لدول الخليج تطوير قدراتها في بناء وصيانة وإصلاح السفن التجارية والخاصة، بالإضافة إلى توفير خدمات التموين والإمداد البحري، ما يخلق سلاسل قيمة محلية قوية.
– الربط البيني الإقليمي والدولي: تعزيز دور الموانئ الخليجية كمحاور رئيسية للتجارة، وتطوير شبكات نقل متعددة الوسائط، على سبيل المثال يمثل ميناء جبل علي في دبي أحد أكبر الموانئ في العالم من حيث حجم المناولة، وقد وصل حجم مناولة الحاويات فيه حوالي 19,3 مليون حاوية نمطية (TEU) في عام 2023، وبصورة عامة تجاوز إجمالي الطاقة الاستيعابية لمجموعة موانئ دبي العالمية حاجز 100 مليون حاوية نمطية (TEF) في عام 2024، وهو عدد ضخم جدًا من حيث حجم المناولة يضمن دعم تدفقات التجارة العالمية، ما يؤكد إمكانات المنطقة كمركز لوجستي عالمي. (موانئ دبي العالمية، 2024، ص8)
- الطاقة المتجددة البحرية. تتمتع المنطقة بإمكانات غير مستغلة في مجال الطاقة المتجددة البحرية، والتي يمكن أن تساهم في تحقيق أهداف الحياد الكربوني وتنويع مزيج الطاقة، منها:
– طاقة الرياح البحرية: توفر بعض السواحل الخليجية ظروفًا مواتية لتطوير محطات رياح بحرية عائمة، تسعى دول كالإمارات إلى استكشاف هذه الإمكانات ضمن استراتيجيتها للطاقة النظيفة، خاصة وأن لديها مناطق أصبحت تعمل بنسبة 100% بمصادر الطاقة المتجددة مثل ميناء جبل على، كما تتجه موانئ دبي العالمية إلى خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 5% بحلول عام 2030. (موانئ دبي العالمية، 2024، ص20)
– الطاقة الشمسية الكهروضوئية العائمة: مع المساحات المائية الواسعة وشدة الإشعاع الشمسي، يمكن للطاقة الشمسية العائمة في المياه الساحلية أو الموانئ أو حتى في الخزانات الصناعية أن تكون حلاً واعدًا لتوليد الكهرباء.
– طاقة المد والجزر والأمواج، والهيدروجين البحري، على الرغم من أن إمكانات هذه المصادر محدودة في الخليج بسبب طبيعته الهيدروغرافية (كونه شبه مغلق)، وتركيز المنطقة على قطاعات الطاقة المتجددة الأكثر تطورًا وقابليةً للنشر تجاريًا، كالطاقة الشمسية الحرارية، مع ذلك عملت شركة OceanBased Perpetual Energy السعودية على تطوير أكبر مشروع تجاري لطاقة تيارات المحيطات في العالم، ومع الدراسات البحثية واستكشاف التقنيات المبتكرة قد يكشف عن فرص جديدة. (Kouvelis, 2021, p. 37)
4- الابتكار الأزرق (Blue Innovation). يمثل الابتكار الأزرق المحرك الرئيسي لتطوير اقتصاد أزرق مستدام وتنافسي. يشمل هذا:
– التكنولوجيا البحرية: الاستثمار في البحث والتطوير لتطوير تقنيات جديدة للاستشعار عن بعد، والروبوتات البحرية، وتكنولوجيا استكشاف الموارد البحرية.
– المراقبة البيئية وإدارة النظم البيئية البحرية: تطوير حلول تكنولوجية لمراقبة جودة المياه، وصحة الشعاب المرجانية، ومسارات الهجرة للأنواع البحرية، بما يدعم الحفاظ على التنوع البيولوجي.
– تحلية المياه وتكنولوجيا معالجة المياه: الابتكار في تقنيات تحلية المياه لتقليل استهلاك الطاقة والتكاليف والآثار البيئية، ما يعزز من استدامة هذا المورد الحيوي لدول الخليج.
– الاقتصاد الدائري البحري: تطوير حلول لإدارة النفايات البحرية، كإعادة تدوير المخلفات البلاستيكية البحرية، واستغلال الطحالب في صناعات مختلفة كالوقود الحيوي، والغذاء، والأدوية، خاصة وأن المنطقة مناسبة تمامًا لإنتاج الطحالب بكميات كبيرة، لوفرة المساحات الواسعة غير الصالحة للزراعة والسواحل الطويلة، وللظروف المناخية المواتية، بالإضافة إلى توفر محطات معالجة مياه الصرف الصحي، ووجود أنواع من الطحالب الدقيقة عالية الإنتاجية الدهنية في المياه الساحلية.
تُموّل مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (KACST) بالسعودية مشروعًا مبتكرًا يُسمى “مصفاة الطحالب الحيوية”، يهدف هذا المشروع إلى تعزيز البحث والتدريب في مجال إنتاج الوقود الحيوي القائم على الطحالب الدقيقة، مع هدف إضافي يتمثل في استخدام تقنيات المصفاة الحيوية الذي من شأنه أن يُعزز اقتصاد المملكة العربية السعودية ومجتمعها وبيئتها بشكل كبير. (Kouvelis, 2021, p. 38)
– سياحة الابتكار الأزرق: تطوير منتجات سياحية مبتكرة تعتمد على التكنولوجيا البحرية والتجارب التفاعلية مع البيئة البحرية.
5- تمويل الاقتصاد الأزرق المستدام (BEFP). وهو إطار توجيهي عالمي أطلقه الاتحاد الأوروبي، تُعزز مبادئه تنفيذ الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة (الحياة تحت الماء)، تُمهّد هذه المبادئ لمفهوم “الاستثمار المستدام” في المحيطات، بهدف ضمان أن يُحقق الاقتصاد الأزرق قيمةً طويلة الأجل دون أن يُؤثّر سلبًا على النظم البيئية البحرية، ومن ثم تعمل الهيئات التنظيمية في دول الخليج للمشاركة بفاعلية في تطوير تمويل واستثمار التنمية المستدامة، بما يُعزز جاذبية المنطقة للاستثمار في أنشطة الاقتصاد الأزرق.
وقد حصلت بالفعل شركة موانئ دبي العالمية على أحد أوائل القروض للشركات في المنطقة عام 2018، ورُبط سعر الفائدة على القرض البالغ ملياري دولار أمريكي بالتأثير البيئي للشركة، ومع ذلك لا تزال المنتجات المالية المتخصصة بالاقتصاد الأزرق محدودة في المنطقة. (Kouvelis, 2021, p. 34)
ومن الفرص الواعدة لدول الخليج في هذا الإطار إمكانية تطوير منتجات تمويل أزرق تتوافق مع الشريعة الإسلامية، خاصة وأن مبادئ الشريعة تتوافق مع الاستدامة، ويعزز هذا التوجه وجود البنية التحتية المالية الإسلامية القوية، وتوافر هيئات استشارية شرعية في معظم البنوك المحلية بدول الخليج لتقديم التوجيه والمشورة. (Kouvelis, 2021, p. 23)
الفرع الثاني: المساهمة الممكنة في تنويع مصادر الدخل القومي:
تُعد إمكانات الاقتصاد الأزرق رافعة أساسية لتحقيق أهداف تنويع الاقتصادات الخليجية، وتقليل الاعتماد على عائدات النفط والغاز، يمكن أن تتمثل هذه المساهمة في:
1- زيادة الناتج المحلي الإجمالي (GDP). من خلال تطوير القطاعات الجديدة مثل تربية الأحياء المائية المتقدمة، وتصنيع التكنولوجيا البحرية، والسياحة البحرية المستدامة، يمكن للاقتصاد الأزرق أن يضيف مليارات الدولارات إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج سنويًا، يقدر البنك الدولي أن الاقتصاد الأزرق العالمي يمكن أن يصل إلى 3 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030 (البنك الدولي، 2021)، ويمكن لدول الخليج أن تستحوذ على حصة متنامية من هذا النمو.
2- خلق فرص عمل جديدة ومتنوعة. يتطلب تطوير الاقتصاد الأزرق مجموعة واسعة من المهارات، بدءًا من المهندسين البحريين وعلماء الأحياء البحرية، وصولًا إلى خبراء اللوجستيات ومديري السياحة، هذا من شأنه توفير آلاف فرص العمل للكوادر الوطنية، وربما استقطاب كفاءات عالمية.
3- تعزيز الصادرات غير النفطية. يمكن لمنتجات الاقتصاد الأزرق مثل الأسماك المستزرعة، والتقنيات البحرية المبتكرة، والخدمات اللوجستية المتقدمة أن تساهم بشكل كبير في زيادة حجم الصادرات غير النفطية، مما يعزز من الميزان التجاري.
4- جذب الاستثمارات الأجنبية المباشر (FDI). تركز استراتيجية دول الخليج الاقتصادية المعتمدة على ما بعد النفط على التنويع الاقتصادي، وتهدف إلى تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال جذب الأموال والشركاء الدوليين لمشاريع البنية التحتية، والفرص الواعدة في الاقتصاد الأزرق يمكن أن تجذب استثمارات أجنبية ضخمة في البنية التحتية والمشاريع التقنية والمشاريع السياحية البحرية، استثمرت دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها ما يقرب من 53 مليار يورو (238.7 مليار درهم) في القطاع البحري في البلاد عام 2017، ويتزامن ذلك مع الدور المهم الذي تلعبه المنطقة في هذا القطاع، ومساهمتها الحيوية في مبادرة الحزام والطريق. (Kouvelis, 2021, p. 30)
5- تعزيز الأمن الغذائي والمائي. تُعد الثروة السمكية وتربية الأحياء المائية وتحلية المياه من الركائز الأساسية لتحقيق الأمن الغذائي والمائي، ما يقلل من تبعية دول الخليج للواردات في هذه الجوانب الحيوية.
6- بناء اقتصاد قائم على المعرفة. الاستثمار في الابتكار والبحث والتطوير في القطاعات البحرية يدعم بناء اقتصاد قائم على المعرفة، يعتمد على الكفاءات والتقنيات المتقدمة بدلاً من الموارد الطبيعية فقط.
7- الريادة الإقليمية والعالمية. من خلال تطوير اقتصاد أزرق رائد ومستدام، يمكن لدول الخليج أن تصبح نموذجًا يحتذى به في المنطقة والعالم في مجال التنمية الاقتصادية المستدامة التي تحافظ على البيئة البحرية.
المطلب الثاني: التحديات الاقتصادية والبيئية والإدارية:
على الرغم من الإمكانات الواعدة للاقتصاد الأزرق في دول الخليج، إلا أن تحقيق هذه الإمكانات يواجه مجموعة من التحديات المعقدة والمتشابكة، توزع بين الجوانب البيئية والإدارية والاقتصادية، هذه التحديات تتطلب مقاربات متكاملة لمعالجتها لضمان التنمية المستدامة للقطاع البحري.
الفرع الأول: التحديات الإدارية والبيئية:
تمثل هذه الفئة من التحديات عقبات رئيسية أمام التطور السليم والمستدام للاقتصاد الأزرق، ومنها:
1- غياب الاستراتيجيات المتكاملة والتشريعات الداعمة. لم يُعالَج الاقتصاد الأزرق في المنطقة حتى الآن كقطاع متكامل؛ حيث تفتقر بعض الدول إلى استراتيجيات وطنية للاقتصاد الأزرق، تحدد الأهداف، وآليات التنفيذ، ورغم بعض الجهود، وبروز مؤتمرات الاقتصاد الأزرق الإقليمية واستضافة فعاليات عالمية حوله، إلا أنه غالبًا ما تكون الرؤى مجزأة تركز على قطاعات محددة، دون منظور شمولي يربط بين مختلف الأنشطة البحرية. (Kouvelis, 2021, p. 15)
– غياب الإطار التشريعي: يؤدي غياب أو قصور الأطر القانونية والتشريعية المخصصة للاقتصاد الأزرق إلى صعوبة في تنظيم الأنشطة البحرية المستدامة، وحماية البيئة البحرية بشكل فعال، وتنظيم الاستثمار في القطاعات الناشئة (مثل طاقة الرياح البحرية أو التعدين البحري المستدام)، ما قد يخلق فراغًا قانونيًا أو تضاربًا في الصلاحيات بين الجهات المختلفة.
– بطء التكيف مع المتغيرات العالمية: لم تتكيف بعض التشريعات المحلية بالسرعة الكافية مع المفاهيم الحديثة للاستدامة والتغير المناخي وحماية التنوع البيولوجي البحري، ما يعيق تبني الممارسات الفضلى عالميَا في إدارة الموارد البحرية.
2– ضعف التنسيق بين الجهات المعنية. يُعد التنسيق الفعال بين مختلف الهيئات الحكومية والخاصة والأكاديمية أحد الركائز الأساسية لنجاح أي استراتيجية تنموية، وهو ما يمثل تحديًا في سياق الاقتصاد الأزرق في دول الخليج، حيث:
– تعدد الجهات وتداخل الصلاحيات: عادة ما تتقاسم مسؤولية إدارة الشؤون البحرية والموارد الساحلية عدة وزارات وهيئات (كوزارة البيئة، وزارة النقل، وزارة الطاقة، وزارة الثروة السمكية، وغيرها)، هذا التعدد يؤدي غالبًا إلى تضارب في الأدوار والصلاحيات، وضعف في اتخاذ القرارات.
– غياب آلية موحدة للحوكمة: لا توجد في كثير من الأحيان آلية حوكمة مركزية للإشراف على تطوير الاقتصاد الأزرق، حيث تتشتت أطر حوكمة قطاعات الاقتصاد الأزرق بين مختلف الجهات الحكومية داخل كل دولة، وبين المؤسسات الحكومية على المستوى الاقليمي، ما يؤدي إلى قرارات قطاعية معزولة قد لا تخدم الأهداف الكلية للتنمية المستدامة والأهداف الفرعية لحماية البيئة البحرية وتنميتها المستدامة. (Kouvelis, 2021, p. 16)
3- التلوث البيئي وتدهور النظم البيئية البحرية. يُهدد الصيد الجائر، وتصريفات مياه الصرف الصحي، والبلاستيك، والمواد الكيميائية، بما في ذلك الملوثات العضوية الثابتة والمغذيات، وتجريف المياه الضحلة وتغير تيارات المياه، والعديد من الضغوط الأخرى، الوضع البيئي للبيئة البحرية والساحلية، ما يُعرّض قدرتها على توفير الخدمات والرفاهية للخطر، لا سيما بالنظر إلى طبيعة الخليج العربي شبه المغلقة وارتفاع معدلات النشاط فيها، (Kouvelis, 2021, p. 18) ومن أهم تلك التحديات:
– التلوث النفطي: على الرغم من المعايير الصارمة، لا تزال حوادث التسرب النفطي (سواء من الناقلات أو من عمليات الاستكشاف والإنتاج) تشكل تهديدًا مستمرًا وخطيرًا على البيئة البحرية والتنوع البيولوجي.
– تدمير الموائل البحرية: يؤدي التوسع العمراني الساحلي غير المخطط له، وعمليات التجريف والردم، إلى تدمير الشعاب المرجانية وغابات المانجروف والأعشاب البحرية، والتي تُعد موائل حيوية للتنوع البيولوجي ومناطق تفريخ للأسماك.
الفرع الثاني: هشاشة البنية التحتية البحرية (المعلوماتية والبحثية):
على الرغم من الاستثمارات الضخمة في الموانئ والبنى التحتية النفطية، إلا أن هناك جوانب أخرى من البنية التحتية البحرية التي تحتاج إلى تعزيز لدعم الاقتصاد الأزرق الشامل منها:
1- نقص البيانات والمعلومات البحرية. حتى في حال توافر البيانات، غالبًا ما تكون مجزأة ومشتتة بين جهات متعددة، ويصعب الوصول إليها أو تبادلها بشكل فعال بين الباحثين وصناع القرار، هذا بخلاف ضعف أنظمة الرصد والمراقبة للبيئة البحرية، بينما تُعد البيئة البحرية الآمنة أمرًا أساسيًا لتنمية الأنشطة الاقتصادية البحرية في سياق الاقتصاد الأزرق، حيث تهدف المراقبة البحرية المتكاملة إلى توفير سبل مشتركة لتبادل المعلومات والبيانات بين الجهات المعنية بمختلف جوانب المراقبة، مثل التلوث البحري، ومراقبة مصايد الأسماك، وصحة المخزون السمكي، وتأثيرات الأنشطة البشرية على النظم البيئية، وإنفاذ القانون، وغيرها. لا تزال هذه الأنظمة بحاجة إلى تطوير وتكامل في دول الخليج، هذا النقص في البيانات يعيق اتخاذ القرارات القائمة على الأدلة العلمية. (Kouvelis, 2021, p. 19)
2- قصور في البحث العلمي والابتكار البحري. يُعدّ البحث البحري الشامل، بالإضافة إلى جمع البيانات البحرية ودمجها، أمرًا أساسيًا للتنمية المستدامة للأنشطة البحرية، ومع ذلك لا تزال دول الخليج تفتقر إلى جهود متكاملة ومخططة ومنسقة بشكل مناسب للبحث وجمع البيانات والمعرفة، بالإضافة إلى:
– محدودية الاستثمار في البحث والتطوير: رغم من وجود عدد من المراكز البحثية في دول الخليج، مثل معهد الكويت للأبحاث العلمية، ومركز الشيخ خليفة للأبحاث البحرية، وقسم علوم البحار بجامعة قطر، والسفن البحثية في المملكة العربية السعودية والبالغ عددها 4 سفن، مع سعي السعودية لزيادة قدرة المؤسسات في مجال علوم وتكنولوجيا البحار، إلا أن حجم الاستثمار في البحث والتطوير الموجه نحو الاقتصاد الأزرق لا يزال محدودًا مقارنة بالإمكانات. (Kouvelis, 2021, p. 18)
– ضعف ربط البحث بالصناعة: هناك فجوة بين المخرجات البحثية واحتياجات القطاع الصناعي البحري، ما يحد من تحويل الابتكارات إلى حلول تجارية قابلة للتطبيق، بالإضافة إلى نقص الكوادر الوطنية المتخصصة في مجالات علوم البحار، والهندسة البحرية المتقدمة، وإدارة الموارد البحرية، وتكنولوجيا الاقتصاد الأزرق.
3- هشاشة أنظمة حماية البيئة البحرية. على الرغم من وجود خطط للطوارئ، إلا أن القدرات والموارد المتاحة للاستجابة الفورية والفعالة لحوادث التلوث البحري الكبرى، قد تكون غير كافية أو بحاجة إلى تعزيز مستمر، علاوة على القصور في محطات معالجة المياه العادمة، حيث تحتاج العديد من المدن الساحلية إلى تحديث أو بناء محطات جديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي لضمان عدم تصريفها في البحر دون معالجة كافية.
تُشكل هذه التحديات عقبات أمام تحقيق رؤية متكاملة للاقتصاد الأزرق في دول الخليج، تتطلب معالجتها مقاربة متعددة الأوجه تشمل تطوير الأطر القانونية، وتعزيز التنسيق الحكومي، والاستثمار في البحث والابتكار، وتطبيق حلول مستدامة للحفاظ على البيئة البحرية، إذ يمثل مواجهة هذه التحديات مفتاحًا لاستغلال الإمكانات الكاملة للاقتصاد الأزرق، وتحويله إلى ركيزة للتنويع الاقتصادي المستدام في المنطقة.
المبحث الرابع
نماذج تطبيقية، ورؤية مقترحة لتفعيل الاقتصاد الأزرق في دول الخليج
في السنوات الأخيرة بتوقيع جميع دول مجلس التعاون الخليجي على أجندة الأمم المتحدة 2030 وأهداف التنمية المستدامة، بالإضافة إلى اتفاق باريس بشأن تغير المناخ، شاركت معظم دول الخليج في مبادرات تتعلق بالاقتصاد الأزرق، كما استضافت المنطقة عددًا من الفعاليات التي ركزت على تطوير الاقتصاد الأزرق والدور الذي يمكن أن تلعبه الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحر في تنويع الاقتصاد.
المطلب الأول: تجارب خليجية ودولية مقارنة:
على الرغم من عدم وجود ذكر محدد للاقتصاد الأزرق في بعض دول الخليج كالبحرين وقطر، إلا أن جميعها تُركز على تنويع اقتصاد البلاد وتحولها إلى مركز مالي وتجاري، كما أن القطاعات المُطورة في سياق الرؤى الوطنية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالاقتصاد الأزرق، وتشمل هذه القطاعات والأنشطة حماية البيئة، مع إيلاء اهتمام خاص للبيئة البحرية والنظم البيئية، والسياحة الساحلية والبحرية، وتربية الأحياء المائية، والموانئ.
الفرع الأول: تجارب خليجية:
– سلطنة عُمان. تُعد سلطنة عُمان من دول الخليج الرائدة في تبني مفهوم الاقتصاد الأزرق ضمن استراتيجيتها التنموية الشاملة “رؤية عُمان 2040“، يعكس هذا التوجه إدراك السلطنة لأهمية مواردها البحرية الغنية، وموقعها الاستراتيجي على بحر العرب والمحيط الهندي، وطول شواطئها الممتدة على مساحة 3169 كيلو متر مربع.
1- الأهداف والمحاور. تركز خطة الاقتصاد الأزرق العُمانية على عدة محاور تهدف إلى تعظيم الاستفادة المستدامة من الموارد البحرية، وتشمل:
- تنمية الثروة السمكية وتربية الأحياء المائية: يُعد قطاعا الثروة السمكية والاستزراع المائي من أقدم القطاعات وأهمها في عُمان، لما لهما من أهمية ثقافية واجتماعية، بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من الثروة السمكية عام 2017 نحو ١٩٣٪، ما يُشكل موردًا يُمكن أن يدعم الصادرات بقوة. تهدف عُمان في رؤيتها إلى مضاعفة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي أربع مرات، باعتباره مصدر للأمن الغذائي وتنويع الاقتصاد، ولتصبح مركزًا إقليميًا، من خلال التركيز على التقنيات المتقدمة لضمان الاستدامة وزيادة الإنتاجية. (Kouvelis, 2021, p. 48)
- اللوجستيات والموانئ البحرية: مع موقعها الذي يُعد نقطة وصل هامة على طرق التجارة البحرية، تسعى الموانئ العُمانية (مثل ميناء الدقم، صحار، وصلالة) لتصبح محاور لوجستية عالمية رئيسية، بتقديم خدمات متكاملة للسفن وتطوير المناطق الصناعية المرتبطة بالموانئ. (Kouvelis, 2021, p. 49)
- السياحة البحرية: تهدف رؤية السلطنة إلى تعزيز السياحة الساحلية والبحرية المستدامة، خاصة وأن السياحة البحرية تُعد أهم ركائز نمو صناعة السياحة بها، في ظل بيئة مثالية لممارسة العديد من الأنشطة، واستكشاف التنوع البيولوجي البحري.
- الطاقة المتجددة البحرية: استكشاف إمكانات طاقة الرياح البحرية لدعم الاستدامة، بالإضافة إلى تقليل الانبعاثات الكربونية. تهدف عمان إلى تغطية 30% من احتياجاتها من الكهرباء بمصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، والالتزام بالحياد الكربوني بحلول عام 2032. (الدقوم الاقتصادية، 2025، ص27)
- البحث العلمي والابتكار: الاستثمار في البحث والتطوير لبناء اقتصاد معرفي بحري، دعم الأبحاث حول التنوع البيولوجي، والتغير المناخي، ودعم الابتكار في التقنيات البحرية.
2- آليات تنفيذ رؤية الاقتصاد الأزرق في سلطنة عمان.
- الدمج في الرؤية الوطنية: دمج الاقتصاد الأزرق كركيزة أساسية ضمن رؤية “عُمان 2040” ما يوفر إطارًا استراتيجيًا واضحًا ودعمًا حكوميًا عالي المستوى.
- التركيز على الاستدامة: إيلاء أهمية قصوى للحفاظ على البيئة البحرية والتنوع البيولوجي، مع تطبيق ممارسات مستدامة في جميع الأنشطة البحرية، وتطوير إطار قانوني مستدام.
- الاستثمار في البنية التحتية: ضخ استثمارات كبيرة في تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية الخاصة لدعم النمو البحري.
- التعاون الإقليمي والدولي: تعزيز بناء شراكات لتبادل المعرفة لجلب الخبرات والتكنولوجيا في القطاعات البحرية، وتطوير الاستراتيجيات المشتركة لحماية الموارد البحرية.
- استقطاب الاستثمارات وتطوير التمويل: من خلال تقديم حوافز استثمارية كالسندات الزرقاء، لدعم المشاريع المستدامة في الاقتصاد الأزرق، بالإضافة إلى مراقبة مؤشرات الأداء، لضمان الأثر الإيجابي على البيئة والمجتمع. (الدقوم الاقتصادية، 2025، ص27)
الفرع الثاني: تجارب دولية رائدة:
نستعرض في هذا الفرع تجربتين دوليتين بارزتين تقدمان نماذج فريدة في إدارة وتطوير الاقتصاد الأزرق:
أولاً: النرويج: الإدارة المتكاملة للنظم البحرية. تُعد النرويج دولة رائدة عالميًا في الإدارة المستدامة لمواردها البحرية الشاسعة، وتُعرف بنهجها الشامل في الإدارة المتكاملة للنظم البحرية، هذا النهج لا يقتصر على قطاع واحد، بل يجمع بين مختلف الأنشطة البحرية مع الحفاظ على التوازن البيئي.
– الركائز الأساسية. تهدف خطط الإدارة إلى توفير إطار عمل للحفاظ على القيمة البيئية العالية لبحار ومحيطات النرويج، وتحقيق الأمن الغذائي من خلال الاستخدام المستدام للموارد البحرية وخدمات النظم الإيكولوجية، بالاعتماد على المحاور التالية:
- العلوم والبيانات: تستند جميع القرارات المتعلقة بإدارة المحيطات في النرويج إلى بيانات علمية دقيقة وبحوث مستمرة حول حالة النظم البيئية البحرية والمخزونات السمكية.
- التخطيط المكاني البحري: تطوير خطط مكانية تحدد استخدامات المناطق البحرية، لتقليل التضارب بين الأنشطة وضمان الاستدامة.
- التعاون القطاعي المتعدد: يتم التنسيق بشكل وثيق بين الوزارات المختلفة، لضمان اتخاذ قرارات متكاملة.
- المساءلة والشفافية: وجود أطر واضحة للمساءلة ومشاركة أصحاب المصلحة في عمليات صنع القرار.
- الابتكار والتكنولوجيا: استثمار مكثف في التكنولوجيا البحرية، من الاستشعار عن بعد إلى تربية الأحياء المائية المتقدمة. (Norwegian Ministry of Climate and Environment, 2020, p. 14)
يُظهر النموذج النرويجي أن الإدارة المتكاملة المبنية على العلم والتخطيط الشامل والتعاون بين القطاعات تُعد ضرورية لتحقيق التنمية المستدامة للمحيطات، حتى في وجود صناعات مكثفة مثل النفط والغاز.
ثانيًا: سنغافورة: مبادرة السندات الزرقاء. بالتعاون مع البنك الدولي أعلنت سنغافورة عام 2023 عن إطلاق السندات الزرقاء، لتعزيز مكانتها كمركز عالمي للتمويل المستدام، استخدمت سنغافورة أدوات التمويل المبتكرة، لتمويل مشاريع البنية التحتية المستدامة، بما في ذلك المتعلقة بإدارة المياه الساحلية، وحماية البيئة البحرية، وتطوير التكنولوجيا البحرية.
– مفهوم السندات الزرقاء. هي أدوات دين تصدرها الحكومات أو المؤسسات لتمويل مشاريع ذات تأثير بيئي إيجابي على المحيطات والموارد المائية، تهدف هذه السندات إلى جذب المستثمرين المهتمين بالاستدامة البيئية وتقديم عوائد مالية لهم. (World Bank, 2025)
– تجربة سنغافورة. خصصت سنغافورة نحو 740 مليون دولار أمريكي لدعم هذه المبادرة، وتشجيع القطاع الخاص من خلال الحوافز الضريبية وتسهيلات للمستثمرين في السندات الزرقاء، تُظهر التجربة أن التمويل المبتكر يعد محركًا قويًا لتنمية الاقتصاد الأزرق، وأن دمج الاستدامة في الأطر المالية يجذب رؤوس الأموال اللازمة لتنفيذ المشاريع البيئية والاقتصادية.
الفرع الثالث: تحليل إمكانات الاستفادة من التجارب في السياق الخليجي:
توفر هذه التجارب رؤى قيمة يمكن لدول الخليج الاستفادة منها في تطوير اقتصادها الأزرق:
أولاً: الاستفادة من التجربة العُمانية.
– أهمية الرؤية الشاملة. ضرورة دمج الاقتصاد الأزرق كركيزة أساسية في الرؤى الوطنية التنموية طويلة الأمد لدول الخليج الأخرى (مثل رؤية السعودية 2030، رؤية الإمارات 2071)، لضمان الدعم السياسي والمالي المستمر.
– التركيز على قطاعات محددة. يمكن لدول الخليج الأخرى أن تحدد قطاعات بحرية واعدة تتناسب مع إمكاناتها (كتربية الأحياء المائية، الموانئ اللوجستية، السياحة البحرية) وتوجيه الاستثمارات نحوها بشكل مكثف.
– الاستدامة كعنصر أساسي. التأكيد على أن التنمية الاقتصادية البحرية يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على البيئة البحرية، لتجنب التدهور الذي قد يقوض النمو المستقبلي.
ثانيًا: الاستفادة من التجربة النرويجية:
– الحاجة إلى البيانات والبحوث. ضرورة الاستثمار في البحث العلمي، وجمع البيانات الدقيقة حول البيئة البحرية والموارد، لاتخاذ قرارات مستنيرة، بالإضافة على إنشاء مراكز بحثية متخصصة وتعزيز التعاون البحثي الإقليمي.
– التخطيط المكاني البحري. تبني مفهوم التخطيط المكاني البحري لتنظيم الأنشطة المختلفة في المناطق البحرية لدول الخليج، لتقليل التضارب وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
– تعزيز التنسيق الحكومي. تطوير آليات حوكمة فعالة تضمن التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية المعنية بالشؤون البحرية، وإنشاء هيئات عليا للإشراف على استراتيجيات الاقتصاد الأزرق.
ثالثًا: الاستفادة من التجربة السنغافورية:
– استكشاف أدوات التمويل المستدام. تتمتع دول الخليج بأسواق مالية متطورة، ومن ثم يمكن استكشاف إصدار السندات الزرقاء أو غيرها من أدوات التمويل المستدام لتمويل مشاريع الاقتصاد الأزرق.
– بناء القدرات المالية والفنية. تطوير الخبرات في القطاع المالي لتقييم وإدارة هذه الأدوات التمويلية، وتعزيز الوعي بأهمية الاستثمار في الاقتصاد الأزرق.
تُظهر هذه التجارب أن تحقيق أهداف الاقتصاد الأزرق يتطلب رؤية استراتيجية، التزامًا بالاستدامة، استثمارًا في البحث والتكنولوجيا، وتنسيقًا فعالاً بين القطاعات، بالإضافة إلى تبني آليات تمويل مبتكرة. يمكن لدول الخليج الاستفادة من هذه النماذج لبناء اقتصاد أزرق يتناسب إمكاناتها، مع تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتعظيم الفوائد وتقليل التحديات.
المطلب الثاني: رؤية مقترحة لتفعيل الاقتصاد الأزرق في دول الخليج:
يحتاج الاقتصاد الأزرق في دول الخليج إلى رؤية شاملة ومستدامة تجمع بين المتطلبات التنموية، والضوابط الشرعية، فمن الناحية التنموية: يتطلب استثمار في البنية التحتية البحرية، وتبني التقنيات الحديثة، ومن الناحية الشرعية: يلزم الأسس الفقهية الرصينة المستمدة من التراث الإسلامي في تنظيم الموارد الطبيعية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة في ظل التحديات البيئية التي تواجه المنطقة، حيث تشير التقارير إلى أن الخليج العربي من أكثر المناطق تأثرًا بالتغير المناخي وارتفاع منسوب مياه البحر، ما يجعل اعتماد نموذج تنموي بحري متوازن ليس خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لضمان الأمن المائي والغذائي للأجيال المستقبلية (United Nations General Assembly, 2015, pp. 23–31).
الفرع الأول: المقترحات التنموية والاقتصادية:
لتعزيز الاقتصاد الأزرق في دول الخليج وتحقيق أقصى استفادة من الموارد البحرية المتاحة، يمكن تقديم الحزمة المتكاملة التالية من المقترحات التنموية والاقتصادية، كما في الجدول رقم (1).
جدول رقم (1): الآليات التنفيذية للمقترحات التنموية والاقتصادية
| محاور الرؤية | ألية التنفيذ |
|
تطوير البنية التحتية البحرية المتطورة:
|
1) الموانئ الذكية الخضراء:
· تطوير 10 موانئ تعمل بالطاقة المتجددة. · تطبيق تقنيات إنترنت الأشياء (IoT) لإدارة الحركة الملاحية بشكل آلي. · استخدام الروبوتات الذكية لخفض تكاليف مناولة الحاويات. 2) الشبكات اللوجستية المتكاملة: · إنشاء شبكة طرق بحرية لربط موانئ الخليج. · تطوير مراكز لوجستية متخصصة في إعادة التصدير. · ربط الموانئ بالمناطق الصناعية عبر أنفاق وسكك حديدية بحرية. 3) التقنيات الحديثة: · استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بحركة السفن وتحسين المسارات. · تطبيق تقنيات البلوك تشين في إدارة سلسلة التوريد البحرية. · إنشاء منصات رقمية موحدة لتبادل البيانات بين الموانئ الخليجية. |
|
تنويع القطاعات البحرية المستدامة:
|
1) السياحة البحرية المتكاملة:
· تطوير 50 منتجعًا بحريًا بيئيًا بحلول 2030. · إنشاء مسارات سياحية بحرية بين دول الخليج. · استحداث متاحف عائمة تعرض التراث البحري الخليجي. 2) الطاقات المتجددة البحرية: · إقامة مزارع رياح بحرية بطاقة إجمالية 5 جيجاوات. · تطوير محطات عائمة لتوليد الطاقة من الأمواج. · إنشاء محطات شمسية عائمة في المناطق الساحلية الضحلة. 3) الأمن الغذائي البحري: · إنشاء 100 مزرعة سمكية ذكية. · تطوير تقنيات الاستزراع السمكي العميق. · إقامة مراكز أبحاث للتقنيات السمكية الحديثة. |
|
تعزيز البحث العلمي والابتكار:
|
1) المراكز البحثية المتخصصة:
· إنشاء 5 مراكز أبحاث إقليمية للاقتصاد الأزرق. · تطوير مختبرات بحرية للتقنيات الحديثة. · إطلاق برامج دكتوراه مشتركة في العلوم البحرية. 2) بيئات الابتكار: · تخصيص 500 مليون دولار لتمويل المشاريع الابتكارية. · إنشاء مناطق حرة تكنولوجية للشركات الناشئة. · تنظيم مسابقات سنوية لأفضل الابتكارات البحرية. 3) التقنيات الحديثة: · تطوير أنظمة تحلية مياه تعمل بالكامل بالطاقة المتجددة. · ابتكار مواد بناء صديقة للبيئة من النفايات البحرية. · تصميم سفن ذكية صديقة للبيئة. |
|
تعزيز التعاون الإقليمي:
|
1) المبادرات المشتركة:
· إنشاء صندوق خليجي للاقتصاد الأزرق برأسمال 10 مليارات دولار. · تطوير استراتيجية خليجية موحدة لإدارة المصايد السمكية. · إقامة قوة خليجية مشتركة لحماية البيئة البحرية. 2) التكامل مع الرؤى الوطنية: · توحيد التشريعات البحرية بين دول الخليج. · إنشاء سوق خليجية موحدة للخدمات البحرية. · تطوير نظام مشترك لترخيص السفن والمعدات البحرية. 3) الشراكات الدولية: · التعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة في الشؤون البحرية. · جذب الاستثمارات الأجنبية في المشاريع البحرية الكبرى. · المشاركة في المبادرات العالمية للاقتصاد الأزرق. |
المصدر: من إعداد الباحثات.
وعليه، تمثل هذه المقترحات رؤية شاملة لتطوير الاقتصاد الأزرق في دول الخليج، حيث تركز على بعض الجوانب الهامة، كالجدوى الاقتصادية، والاستدامة البيئية، والابتكار التكنولوجي، والتحول الرقمي، والتوافق مع الرؤى الوطنية الخليجية.
الفرع الثاني: المقترحات الشرعية والتنظيمية:
لضمان توافق الاقتصاد الأزرق مع الشريعة الإسلامية والقوانين التنظيمية، مع تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة البحرية، يمكن تقديم الحزمة التالية من المقترحات:
أولاً: المقترحات الشرعية.
- الإطار الفقهي الشامل. تشكيل لجنة فقهية لوضع “مدونة فقهية معاصرة للاقتصاد الأزرق”، بالإضافة إلى إصدار دليل تفصيلي لأحكام الاستثمار البحري يشتمل على: أحكام ملكية الموارد البحرية وحدود الانتفاع بها، والضوابط الشرعية للاستغلال التجاري للثروات البحرية، وأحكام العقود البحرية الحديثة (الإجارة المنتهية بالتمليك، المشاركة البحرية).
- الضوابط الشرعية للاستثمارات. وضع معايير شرعية للاستثمارات البحرية تشمل: حظر الصيد الجائر وفقًا للحديث الشريف “لا ضرر ولا ضرار” (السيوطي، 2004، ص585)، منع التلوث البحري استنادًا لمبدأ “إصلاح الأرض” طبقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا …﴾ (الأعراف: 56)، وتنظيم الاستزراع السمكي وفق ضوابط المصلحة المرسلة.
- الفتاوى المعاصرة. إصدار فتاوى متخصصة حول مشاريع الطاقة المتجددة البحرية (طاقة الأمواج، طاقة الرياح)، والتكييف الفقهي للتقنيات الحديثة (الاستشعار عن بعد، الذكاء الاصطناعي في الصيد)، وأحكام التمويل الإسلامي للمشاريع البحرية الكبرى.
ثانيًا: المقترحات التنظيمية الشاملة.
- الإطار التشريعي الموحد: وذلك من خلال إصدار “نظام خليجي موحد للاقتصاد الأزرق” يشتمل على: قانون البيئة البحرية الخليجي، وإنشاء نظام عقوبات رادع للتلوث البحري (غرامات تصل إلى 10% من رأس المال)، وأيضًا معايير خليجية موحدة للموانئ.
- الهيكل المؤسسي المتكامل: من خلال إنشاء “الهيئة الخليجية للاقتصاد الأزرق” وتتضمن: مركز الرقابة البحرية الذكي (باستخدام الأقمار الصناعية والدرونز)، والمجلس الخليجي للبحث العلمي البحري، وصندوق التمويل المشترك للمشاريع المستدامة.
- آليات التنفيذ: تطبيق نظام “التراخيص الخضراء” للمشاريع البحرية ويشترط فيه: دراسة شاملة لتقييم الأثر البيئي، وخطة لإدارة النفايات البحرية، مع التزام بتقنيات وضوابط الصيد المستدام.
- الشفافية والحوكمة: إطلاق “المنصة الخليجية الموحدة للبيانات البحرية” والتي يمكنها استيعاب: نظام مراقبة حركة السفن في الوقت الحقيقي، مع قاعدة بيانات للثروات السمكية، ومنصة إبلاغ عن المخالفات البيئية.
ثالثًا: التكامل بين المقترحات الشرعية والتنظيمية:
يبين الجدول رقم (2) خطة عمل مقترحة لتوحيد الضوابط بين المقترحات الشرعية والتنظيمية.
جدول رقم (2): خطة عمل مقترحة لتوحيد الضوابط الشرعية والتنظيمية
| البند | الخطة المقترحة | الجهات المسؤولة |
| اللجان المشتركة | تشكيل “لجنة العليا للتكامل بين الأحكام الشرعية والأنظمة”. | تتكون اللجنة من أعضاء من:
– الجهات القضائية العليا. – الجهات التشريعية. – الجهات التنفيذية ذات الصلة. |
| البرامج التوعوية | إطلاق برامج تدريبية مشتركة للعاملين في القطاع البحري تشمل: الوعي بالضوابط الشرعية، والتدريب على الأنظمة الحديثة، وتوفير برامج التثقيف البيئي. | المسؤولية مشتركة بين:
– الهيئات المشرفة على القطاع البحري. – المؤسسات الدينية. – المؤسسات البيئية والتدريبية المختصة. |
| الرقابة المزدوجة | تطبيق نظام رقابي يجمع بين: الرقابة الشرعية، والرقابة التنظيمية، والرقابة المجتمعية عبر منصات المشاركة. | تتطلب الرقابة التعاون بين:
– هيئة الفتوى أو ما يمثلها للرقابة الشرعية. – الجهات الرقابية التنظيمية. – المنظمات الأهلية، ومنصات الرقابة المجتمعية. |
المصدر: من إعداد الباحثات.
وعليه، تمتلك دول الخليج مقومات استراتيجية لتكون مركزًا عالميًا للاقتصاد الأزرق المستدام، حيث تساهم الصناعات البحرية حاليًا بحوالي 2.5 تريليون دولار في الاقتصاد العالمي ويتوقع أن تزيد هذه المساهمة مستقبلًا، ويدعم البنك الدولي هذه الجهود عبر مشاريع للتكيف مع تغير المناخ وخلق فرص عمل. (البنك الدولي، 2024)
ولتحقيق هذه الرؤية، يلزم:
- التكامل بين المتطلبات الشرعية والضوابط التنظيمية والحوافز الاقتصادية.
- تنسيق السياسات بين المؤسسات الدينية والجهات التشريعية والقطاع الخاص.
- وضع خارطة طريق محددة بمؤشرات أداء وجدول زمني وآليات متابعة.
وبهذه الرؤية المتكاملة، يمكن لدول الخليج تقديم نموذج فريد يجمع بين الأصالة والحداثة والريادة الاقتصادية والاستدامة البيئية، لتصبح مركزًا يحقق التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة البحرية
النتائج والتوصيات:
في الوقت الذي تشهد فيه دول الخليج تحولًا اقتصاديًا طموحًا لتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط، يأتي الاقتصاد الأزرق كخيار استراتيجي واعد، حيث أن الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية معتبرة لدعم المجتمعات الساحلية مقارنة بالاستثمارات التقليدية، مع الحفاظ على التوازن البيئي. وفي ضوء ذلك كانت أهم النتائج:
- يوفر الموقع الجغرافي لدول الخليج منفذًا على بحار تُضفي عليها أهميةً من حيث طرق التجارة، وثروةً سمكيةً كبيرةً، وساحلًا طويلًا يوفر إمكانياتٍ كبيرةً للسياحة الساحلية، بما في ذلك الترفيه والأنشطة تحت الماء، وخاصةً في البحر الأحمر (المملكة العربية السعودية)، وخليج عُمان (عُمان، الإمارات العربية المتحدة)، والخليج العربي (البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة).
- تتجه دول الخليج نحو تنويع اقتصاداتها، وتعترف معظم الدول بالاقتصاد الأزرق كبُعد إنمائي مهم، يسمح لها باستغلال موارد المنطقة وموقعها الجيوسياسي على النحو الأمثل، ويخدم هدف التنويع بما يتماشى مع رؤى التنمية الخاصة بها.
- غياب سياسات متكاملة للاقتصاد الأزرق ككل ولقطاعاته في معظم الدول الخليج، باستثناء بعض الأطر التنظيمية القائمة لقطاعات فرعية محددة (مثل مصايد الأسماك).
- طورت كل دولة من دول الخليج بدرجات متفاوتة سياسات وطنية فيما يتصل بمكافحة التلوث، وتأثيرات استخراج الموارد الحيوية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والأمن البحري، ولكن التعاون الإقليمي لمعالجة القضايا التي تتجاوز نطاق الأراضي الوطنية غائب في الغالب.
- تواجه البيئة البحرية والموائل تدهورًا، نتيجةً للآثار الناجمة عن الأنشطة الصناعية والسكنية والسياحية، والبنية التحتية، وحفر قاع البحر، والترسيب في المياه الضحلة لتوسيع الأراضي، ما يؤدي أيضًا إلى الترسيب وتغيرات في تدفقات المياه.
- يُعد التلوث البحري وتدهور البيئة البحرية من أخطر التحديات التي تهدد استدامة الاقتصاد الأزرق في دول الخليج، لا سيما بالنظر إلى طبيعة الخليج العربي شبه المغلقة وارتفاع معدلات النشاط فيها.
- الفقه الإسلامي يقدم ضوابط شرعية لاستغلال الموارد البحرية تركز على الاستدامة والعدالة.
التوصيات:
- تعزيز التعاون الإقليمي من خلال إنشاء هيئة خليجية موحدة للاقتصاد الأزرق تُنسق بين دول المجلس، مع إطلاق صندوق تمويل إقليمي لدعم المشاريع البحرية المستدامة، واعتماد أنظمة رقابية مشتركة لمكافحة الصيد الجائر.
- وضع مدونة فقهية معاصرة للاقتصاد الأزرق بالتعاون بين مؤسسات الفتوى والجهات التشريعية، لضمان توافق المشاريع مع الضوابط الشرعية، مع إصدار دليل تنفيذي لأحكام الاستثمار البحري المستند إلى قواعد “لا ضرر” و”إصلاح الأرض”، والاسترشاد بالفتاوى الصادرة عن هيئات كبار العلماء في دول الخليج.
- بناء القدرات البحثية، من خلال إنشاء شبكة خليجية من المراكز البحثية المتخصصة في العلوم البحرية، مع تطوير برامج أكاديمية مشتركة، وشراكات مع المؤسسات الدولية الرائدة مثل معهد البحوث النرويجي، لتعزيز الابتكار في مجالات الاستزراع السمكي المتقدم وتقنيات تحلية المياه المستدامة.
- تحفيز الاستثمار الخاص عبر حزمة من الإعفاءات الضريبية وضمانات التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع إشراك الصيادين المحليين في عمليات التحول نحو الصيد المستدام، وتنظيم حملات توعوية لربط التنمية الاقتصادية بالحفاظ على التراث البيئي، كما هو مطبق في برامج “السياحة البيئية” بدولة عُمان.
المراجع
- البخاري، محمد إسماعيل. (2002). صحيح البخاري، دار ابن كثير- بيروت، باب من أحيا أرضًا مواتًا، حديث رقم (2335).
- البنك الدولي. (2024). الاقتصاد الأزرق: تعزيز الفرص للدول الجزرية. متاح على:
- الدقوم الاقتصادية، (2025). الاقتصاد الأزرق ثروة مستدامة وفرص استثمارية لا تنضب، الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، العدد 38، يناير 2025.
- الزحيلي، وهبة. (1985). الفقه الإسلامي وأدلته. (الطبعة 2، الجزء 5: تتمة العقود، الملكية وتوابعها). دار الفكر.
- السِّجِسْتاني، أبي داود سليمان. (2016). سنن أبي داود، تحقيق محمد ناصر الألباني، مكتبة المعارف-الرياض، ط 2، كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي إِقْطَاعِ الْأَرَضِينَ، حديث رقم (3071)، وحديث رقم (3477).
- السيوطي، جلال الدين بكر. (2004). الجامع الصغير في أحاديث البشير، دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة 2، حديث رقم (9899).
- الصرعاوي، أسماء. والعتيبي، غدير. (2022). الطحالب متعددة الخلايا على سواحل دولة الكويت، هيئة حماية البيئة الكويتية (EPA).
- فايع، عبد الرحمن بن أحمد بن محمد. (2000). أحكام البحر في الفقه الإسلامي، الطبعة الأولى، دارابن حزم.
- الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. (2023). تقرير حول مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
- المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي. (2023). ملخص تنفيذي إحصاءات الزراعة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، العدد 5.
https://gccstat.org/images/gccstat/docman/publications/Agriculture_Statistics_2021_1.pdf
- موانئ دبي العالمية. (2024). تقرير التجارة الأذكى- التقرير السنوي والحسابات لعام 2024، مجموعة موانئ دبي العالمية “دي بي وارلد”.
- هيئة البيئة- أبوظبي. (2019). بيان الإطار الوطني لاستدامة الثروة السمكية بدولة الامارات العربية المتحدة (2019-2030)، برنامج المصايد السمكية المستدامة لدولة الامارات العربية المتحدة، هيئة البيئة- أبوظبي، ووزارة التغير المناخي والبيئة- الامارات العربية المتحدة.
- وزارة البيئة والمياه والزراعة. (2024). المملكة تستهدف إنتاج 16.2 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا، السعودية.
https://www.mewa.gov.sa/ar/MediaCenter/News/Pages/News9392020.aspx
- وزارة البيئة والمياه والزراعة. (2024). مليار ريال لتعزيز صناعة الاستزراع المائي وتحقيق الأمن الغذائي. السعودية.
- Convention on Biological Diversity. (1992). Text of the Convention on Biological Diversity. United Nations. https://www.cbd.int/doc/legal/cbd-en.pdf
- Food and Agriculture Organization of the United Nations) FAO (. (2017). Blue Growth Initiative: Partnering with countries to achieve the Sustainable Development Goals. FAO. https://www.fao.org/3/a-i7862e.pdf
- Food and Agriculture Organization of the United Nations) FAO (. (2024). The state of world fisheries and aquaculture 2024: Blue transformation in action. FAO. https://www.fao.org/publications/sofia
- Kouvelis, S. (2021). Policy paper: Assessment of the challenges and opportunities for the development of ‘Blue Economy’ projects in GCC member EU-GCC Dialogue on Economic Diversification & GFA Consulting Group.
- Mordor Intelligence, (2025). GCC Aquaculture Market Size and Share Analysis – Growth Trends and Forecast (2024 – 2029). https://www.mordorintelligence.com/ar/industry-reports/gcc-fisheries-and-aquaculture-sector-analysis
- Norwegian Ministry of Climate and Environment. (2020). Norway’s integrated ocean. (Report No. 20). Norwegian Government Security and Service Organisation.
- Organisation for Economic Co‑operation and Development OECD. (2024). The blue economy in cities and regions: A territorial approach (OECD Urban Studies). OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/bd929b7d-en
- Patil, P. G., Virdin, J., Diez, S. M., Roberts, J., & Singh, A. (2016). Toward a blue economy: A promise for sustainable growth in the Caribbean (Report No. AUS16344). The World Bank. https://documents1.worldbank.org/curated/en/965641473449861013/pdf/AUS16344-REVISED-v1-BlueEconomy-FullReport-Oct3.pdf
- United Nations. (2012). The future we want: Outcome document of the United Nations Conference on Sustainable Development (Rio+20). United Nations. https://sustainabledevelopment.un.org/content/documents/733FutureWeWant.pdf
- United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD (. (2024). Review of maritime transport 2024. https://unctad.org/webflyer/review-maritime-transport-2024
- United Nations General Assembly. (2015). Transforming our world: The 2030 Agenda for Sustainable Development (A/RES/70/1). https://docs.un.org/en/A/RES/70/1
- United Nations Environment Programme Finance Initiative) UNEP FI (. (2022). Harmful marine extractives: Understanding the risks & impacts of financing non-renewable extractive industries. https://www.unepfi.org/wordpress/wp-content/uploads/2022/04/Harmful-Marine-Extra-ctives_Offshore-Oil-Gas.pdf
- World Bank. (2017). The Potential of The Blue Economy Increasing Long-Term Benefits of The Sustainable Use of Marine Resources for Small Island Developing States and Coastal Least Developed Countries. Washington DC: International Bank for Reconstruction and Development/The World Bank.
- World Bank. (2022). Jobs and livelihoods in the blue economy. https://thedocs.worldbank.org/en/doc/04de15fdd51a34d2bedbad19dfcfa96b-0320012022/original/Jobs-and-Livelihoods-in-the-Blue-Economy.pdf
- World Bank. (2024). Sustainable development in shipping and ports. https://www.worldbank.org/en/topic/transport/brief/sustainable-development-in-shipping-and-ports
- World Bank. (2025). A Sustainable World Needs Sustainable Finance. https://www.worldbank.org/en/news/feature/2023/12/07/a-sustainable-world-needs-sustainable-finance
[1] دكتوراة الفلسفة في الاقتصاد- قسم السياسة والاقتصاد- كلية الدراسات الأفريقية العليا- جامعة القاهرة- مصر.
[2] باحثة دكتوراة- قسم السياسة والاقتصاد- كلية الدراسات الأفريقية العليا- جامعة القاهرة- مصر.
[3] PhD in Economics – Department of Politics and Economics – Faculty of African Postgraduate Studies – Cairo University – Egypt. Fedaa.Mansour@faps.cu.edu.eg
[4] PhD Researcher – Department of Politics and Economics – Faculty of African Postgraduate Studies – Cairo University – Egypt. gad.heba83@gmail.com