البعد الديني والدنيوي في الشريعة الإسلامية
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾
سورة القصص، الآية 77
لا بد من التذكير بالرؤية الإسلامية الكلية للإنسان لفهم امتزاج البعد الديني مع البعد الدنيوي للأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات. فالإنسان الذي خلقه الله جل وعلا الذي ليس كمثله شيئ على صورته ونفخ فيه من روحه وجعله خليفة له في الأرض، كلف بالسعي لتحقيق التوازن بين معدنه الأرضي المادي الفاني ونفحته الربانية الروحانية الأبدية وهذا جوهر مفهوم العبادة التي خلق الجن والإنس من أجلها. ومن هذا المنطلق، ندرك ماهية الترابط بين أحكام الشريعة الإسلامية بدءا من توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته إلى إماطة الأذى عن الطريق فمناطها كلها هو السمو بالإنسان ليرتقي بروحه إلى ذلك الملأ الأعلى الذي نزلت منه والعودة لذلك البيت المعمور الذي أخرجت منه.
صحيح عودتنا كتب الفقه على التمييّز بين مجال العبادات ومجال المعاملات وأن الأول توقيفي مقيد بنصوص الكتاب والسنة بينما الثاني توفيقي اجتهادي وأن الدين في العبادات منشئ وفي المعاملات مصلح. ويترتب على ذلك أنه لا يُقبل أي فعل تعبدي ما لم يكن له أصل في القرآن أو السنة بينما لا ينطبق الأمر نفسه على شؤون الناس الدنيوية وتصرفاتهم المعاشية التي تخضع لمبدأ الإباحة الأصلية، وتُترك لأعرافهم ولمصالحهم المرسلة ما لم يرد نص صريح أو قياس صحيح أو إجماع ثابت بتحريمها.
ومع ذلك، يظل فقه المعاملات محكوماً بقواعد ذات بعد تعبدي وأخرى ذات بعد وضعي (قانوني)، وهي قواعد غالباً ما تتداخل، لكنها لا تُنتج دائماً الآثار نفسها. ومن أكثر المسائل إثارة للنقاش بين علماء أصول الفقه مسألة ما إذا كان كل فعل محرم ديانة يعد باطلاً قضاءً (قانونا). وقد انقسم الفقهاء إلى مدرستين: الأولى ترى أن كل ما حرمه الشرع باطل قضاءً، ومن ثم فإن البيع المحرم بين الأذان لصلاة الجمعة وأدائها باطل يستوجب رد الثمن والمبيع عند هؤلاء على تفصيل إن حدث فوت أم لا. أما المدرسة الثانية فترى أن العقد صحيح ومنتج لآثاره القانونية، لكنه معصية يأثم فاعلهاً.
وهكذا تميز هذه المدرسة الأخيرة بين البعد الروحي للمعصية الذي يترتب عليه الإثم، والبعد الزمني الذي يرتب آثاراً قانونية بين الأطراف. ومع ذلك، تتفق المدرستان على أن القاعدة الدينية ( فتوى الديانة) والقاعدة القانونية ( فتوى القضاء) تتطابقان عندما تكون شروط صحة العقود منصوصاً عليها في القرآن أو السنة، مثل حرمة الربا التي تفضي إلى إبطال الزيادة الربوية أو الجمع بين الأختين الذي يقتضي إبطال إحدى الزيجتين.
ومن القضايا المتفرعة عن هذه الإشكالية مسألة العقود التي تفتقر إلى شروط الصحة أو تتضمن شروطاً محرمة: هل هي باطلة بطلاناً مطلقاً أم نسبياً؟ يميز جمهور الفقهاء بين العقود التي تفتقر إلى أركانها الأساسية، كبيع المجنون، وبين العقود التي اختلت شروط صحتها ويمكن تصحيحها لاحقاً. فمثلاً، الزواج دون رضا الطرفين باطل لانتفاء شرط جوهري، بينما زواج المرأة دون ولي يمكن تصحيحه بإجازة الولي لاحقاً. وكذلك بطلان الزيادة في القرض الربوي إذ يمكن للقاضي إسقاط الزيادة مع تصحيح عقد القرض دونها.
كما يُثار التساؤل حول صحة العقود التي ترد على أشياء محرمة في الإسلام لكنها مباحة في ديانات أخرى، كالخمر أو الخنزير. إذ اتفق الفقهاء أن المسلم إذا أتلف خمراً لمسلم أو قتل خنزيراً مملوكاً له فلا ضمان عليه، لعدم اعتبارها مالاً متقوماً شرعاً. أما إذا كانت هذه الأشياء مملوكة لغير المسلم، فيرى بعضهم لزوم الضمان عليه، ويجبره القاضي على ذلك كونها مال متقوم عند الذمي. ويُستنتج قياساً أن بيع هذه الأشياء باطل بين المسلمين وصحيح بين غير المسلمين ولئن تقاضى هؤلاء لدى قاض مسلم يقضي بناء على ذلك.
إذن قد يكون الفعل صحيحاً قضاءً رغم كونه محرما ديانة في اعتقاد المكلف فالقانون الصادر عن الدولة أو الحكم الصادر عن القاضي وفق مذهب فقهي معين ملزمً حتى لمن يخالفه مذهبياً، عملاً بالقاعدة الفقهية: اجتهاد الحاكم يرفع الخلاف وذلك حفاظا على استقرار معاملات الناس والسلم الاجتماعي والنظام العام. فنكاح التحليل، محرم شرعاً ويُقضى ببطلانه إذا ثبتت تلك النية. أما إذا لم تثبت فيصح قضاء مع الإثم. وطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد يحتسب طلقة واحدة إذا اعتمد الحاكم هذا القول ولو كان الزوجان على غير هذا المذهب في المسألة.
ومن ثم يمكن القول إنه على الرغم من تعدد المذاهب واختلاف الفتاوى، فقد تمكن فقهاء الشريعة الإسلامية من بلورة مجموعة من القواعد العامة التي تتلاقى عندها مختلف الأحكام الفرعية المتباينة التي تشكّلت على مدى قرون. وانطلاقاً من هذه القواعد الأساسية، ومن المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية المتمثلة في حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل (الأسرة)، وحفظ المال تبلورت نظرية عامة للفقه الإسلامي لخصها الإمام ابن قيم الجوزية في كتاب إعلام الموقعين: “الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحِكَم كلها”.