المعاملات المالية في البنوك التشاركية ودورها في التنمية البشرية
إعداد: د محمد الحفظاوي
منسق ماستر المالية الإسلامية ومقاصد الشريعة
وأستاذ الدراسات الإسلامية بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية-جامعة مولاي اسماعيل-المغرب
الملخص :
عرفت العقود الأخيرة نوازل قوية أصابت العالم في اقتصاده، مما أثبت الحاجة إلى نظام اقتصادي جديد ناجع وفعال. وهو النظام الإقتصادي الإسلامي.
وإن قيام النظام الاقتصادي الإسلامي على العدالة التعاقدية، وابتناء صيغ التمويل الإسلامية على المشاركة وعقود البيوع، بعيدا عن أسلوب الفائدة، يجعل الأموال توجه للاستثمار الحقيقي، ولإنجاز المشاريع التنموية التي تحقق الربح، كما يسهم في خلق أجواء الاستقرار ويحفظ من الوقوع في الأزمات. فقد أجمع خبراء الاقتصاد على أن من أهم أسباب حدوث الأزمات المالية استفحال الدين الربوي. وإذا كان التمويل الإسلامي بمختلف صيغه وأدواته أسلوبا ناجعا في الحياة الاقتصادية لتحقيق التنمية بمفهومها الشامل، فهذا يقتضي العناية به وتفعيله وتشجيعه .
Abstract
The last decades have been marked by serious economic upheavals that have thrown the global economy into a series of serious economic crises. This situation has created a favourable opportunity for the Islamic financial system to prove its utility and timeliness.
The fact that the Islamic Financial System (IFS) is based on fair and equitable contractual transactions that are asset-backed, interest – free, and that are bound to share both profits and losses guarantees that funds are directed towards real business and developmental profitable investments. It also creates stability and prevents economic crises.
Financial experts unanimously agree that high interest debts are a direct cause of financial crises. Since the different Islamic financial systems are interest-free and lead towards effective and efficient comprehensive economic development, they need to be given due attention, care and support.
الكلمات المفتاحية : المعاملات المالية. البنوك التشاركية . التنمية البشرية . الاقتصاد الاسلامي
مقدمة:
عرفت العقود الأخيرة نوازل قوية أصابت العالم في اقتصاده[1]، ورغم ماادعاه النظام الرأسمالي من سعي لتوفير الثروة لتلبية حاجات الإنسان، فقد حدث العكس فانهارت أسواقه وتأزمت مصارفه محولة غالبية مودعيها إلى مفلسين، ومقترضيها إلى معدمين، وسرحت الشركات والمقاولات عمالها ففشت البطالة، وانتشر الإجرام. هذا في الغرب أما في العالم العربي والإسلامي فقد آل حال غالبية البلدان خلال نصف قرن من التنمية إلى اللاتنمية ومزيد من التخلف خاصة في المجال الاقتصادي. مما أثبت الحاجة إلى نظام اقتصادي جديد ناجع وفعال. وهو النظام الإقتصادي الإسلامي الذي شرع الباري سبحانه أصوله وأسسه الثابتة،وترك للعقل البشري مجال الاجتهاد في الاستنباط والتطبيق لصيغه المالية المتعددة.
ومنذ 1963م، تأسس جانب من الاقتصاد الإسلامي تمثل في بنوك الإدخار المحلية بمدينة” ميت غمر” بجمهورية مصر العربية، ثم بعد ذلك تم إنشاء بنك ناصر الاجتماعي ، وفي عام 1975 تم إنشاء أول مصرف إسلامي متكامل وهو بنك دبي الإسلامي، ثم توالى بعد ذلك إنشاء المصارف الإسلامية(بلغت حوالي 267 مصرفامنتشرة في 48دولة)، التي لاقت إقبالا كبيرا ، وعملت على تفعيل التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية. لاستجابتها لتطلعات المجتمعات الإسلامية في التعامل مع صيغ مصرفية خالية من الربا. ومن الدول التي انتشر فيها التمويل الإسلامي دول الخليج العربية ومصر والأردن وماليزياوأندونيسيا وتركيا ودول آسيا الوسطى التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق.
ونشير هنا إلا أن عددا من الدراسات تناولت هذا الجانب الوظيفي للمصارف الإسلامية نذكر منها:
- دور البنوك الإسلامية في تحقيق التنمية الاقتصادية دراسة تحليلية مقارنة، لمحمد ابراهيم محمد أبو شادي وهي دراسة لنيل شهادة الدكتوراة من كلية الشريعة بجامعة الأزهر.1991
- دور المصارف الإسلامية في التنمية الصناعية لحسن يوسف داود، وهو بحث قدم لنيل درجة الماجستير في الاقتصاد الإسلامي، بمعهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة.1992
- المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق لعبد الرزاق رحيم جدي الهيتي،للحصول على شهادة الدكتوراة في العلوم الإسلامية من كلية الشريعة بجامعة بغداد.1993
- المصارف الإسلامية والتنمية في الوطن العربي لخميس سامي عباس العبد رسالة لنيل شهادة الدكتوراة في العلوم الاقتصادية من الجامعة المستنصرية ببغداد1998.
- الدور التنموي للبنوك الإسلامية دراسة نظرية تطبيقية(1980-2000) لجميل أحمد، رسالة لنيل شهادة الدكتوراة في العلوم الاقتصادية بكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير في جامعة الجزائر 2006.
- التمويل التشاركي في المغرب بين الفقه والقانون والواقع لعبد اللطيف ركيك.2016.
ولاريب في أن المال هو عصب الحياة،وقوته في اجتماعه وتماسكه وتنميته واستثماره، وهذا لايتحقق في زماننا إلا بالمؤسسات المصرفية الشرعية التي تعد بويتا آمنة للرأسمال في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة،التي تستوجب التكتل المالي والاقتصادي،ونظرا لقيمة البنوك في الوقت المعاصر في اقتصاد الدولة والمجتمع فقد تعددت وظائفها المتعلقة بالتصرف في المال بالعمل والإنتاج مما يخدم عجلة التنمية في البلاد.
وإننا عندما نتحدث عن التنمية كنتاج لتدبير الصيغ المالية والموارد البشرية والطبيعية، نجعل على رأس أصول التنمية العلم والمعرفة، فمادمنا لم نلج مجتمع المعرفة القائم على إعطاء الأولوية للإنتاج العلمي والمعرفي عوض تعظيم الثروة المادية والعناية بالاستهلاك،والبحث عن الفاعلية وعدم الاكتفاء بالكفاءة، والانتقال من التخصص إلى الشمولية وتعدد المجالات، والتأكيد على المحتوى النوعي بدل الكمي فقط.فلن نبرح مكاننا ولن تتحقق التنمية المرجوة.
التصميم
مدخل مفاهيمي:المعاملات المالية،والبنوك التشاركية،والتنمية البشرية.
المبحث الأول:المعاملات المالية في البنوك التشاركية
المبحث الثاني:البنوك التشاركية وأثرها في التنمية البشرية
خاتمة:
النص
مدخل مفاهيمي:
- –المعاملات: المعاملات في اللغة جمع معاملة، وهي مأخوذة من عاملت الرجل أعامله معاملة[2]. والمعاملات في الاصطلاح هي الأحكام المتعلقة بالتعامل المالي بين الناس.
وعقود المعاملات المالية أنواع وأقسام تصنف باعتبارات متعددة منها باعتبار المقصود منها وهي بهذا الاعتبار تقسم إلى ثلاثة أنواع:
أولا عقود التبرع: وهي مايكون إيتاء المال والمنفعة فيها قائما على التبرع والإحسان بغير مقابل كالهبة والوصية والعارية والصدقة والوقف والقرض.
ثانيا عقود معاوضة: وفيها يكون بذل المنافع والأموال بطريق التعويض وبذل المقابل وهي تنقسم إلى:
- معاوضات مالية، وفيها تتم مبادلة مال بمال كالبيع والسلم والمرابحة، أو بين مال ومنفعة كالإجارة والاستصناع.
- معاوضة غير مالية:وهنا تكون المبادلة بين مال وماليس بمنفعة ولامال كعقد الزواج والخلع مثلا.
ثالثا:عقود مشاركات: وفيها تكون الشركة ببذل مال أو منفعة كالمضاربة والمزارعة مقابل الاشتراك في الربح والخسارة.
- –المالية الإسلامية: المالية من المال و المال في اللغة كما قال ابن منظور :”ما ملكته من جميع الأشياء … قال ابن الأثير : المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل، لأنها كانت أكثر أموالهم “[3].
فالمال لغة يتراوح مدلوله بين التخصيص والتعميم ، فتارة يخصص بالذهب والفضة ، وتارة يعم كل ما يقتنى ويملك من الأعيان كما في القاموس المحيط:”المال:ماملكته من كل شيء،ج:أموال”[4]، وأخرى ينحصر في أشياء معينة كالإبل والبقر والخيل والغنم ، والشجر والأرضين والذهب والفضة .
والمال في الاصطلاح الفقهي ، له عدة تعاريف بحسب المذاهب، “فعرفه الحنفية : بأنه مايميل إليه الطبع ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة . وعرفه المالكية : بأنه ما يقع عليه الملك ، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه . وعرفه الشافعية : بأنه ماله قيمة يباع بها وتلزم متلفه . وعرفه الحنابلة بأنه ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة . وزاد بعضهم أو حاجة”[5] .
يلاحظ من خلال تعاريف الفقهاء أن الحنفية قيَّدوا تعريف المال بكونه قابلا للادخار بمعنى حيازته ، وبهذا لايكون المال إلا مادة .
أما التعاريف الأخرى فتحدد المال في إمكان الاستبداد به وكونه ذي منفعة وقيمة ، فالمنفعة أيضا مال، وهذا ما ذكره يوسف القرضاوي في كتابه “فقه الزكاة “، عندما قال :”وقد اختلف الفقهاء في تحديد معنى المال شرعا، فعند فقهاء الحنفية ، المال كل ما يمكن حيازته، والانتفاع به على وجه معتاد، وذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن المنافع أموال؛ إذ ليس من الواجب في المال عندهم إمكان إحرازه بنفسه بل يكفي أن تمكن حيازته بحيازة أصله ومصدره ، وقد أخذ علماء التشريع بهذا الرأي فاعتبروا المنافع أموالا “[6].
فبالنسبة للتعريف الأول- أي تعريف الحنفية- لا يكون المال إلا مادة، أما التعريفات الأخرى فخصت المنفعة بكونها مالا أيضا، لذلك كان المال فيها أعم من المال عند الحنفية، كما قال الحكيم الترمذي:”وذلك أن المال سُمي مالا، لأنه مالَ بالنفوس عن الله تبارك وتعالى، ومالت النفوس عن الله تعالى لما أحست بمنافعه، وميلها إلى ذلك أورثها الحب لها حتى افتتن بها، أعني المنافع. وقد علمت أن ذلك كله من المال”[7]
ومما يؤيد هذا المفهوم كون المنفعة هي المقصودة أصالة من المعاملات المالية، كما قال القرافي: “وتحقيق الملك أنه إن ورد على المنافع مع رد العين فهو الإجارة، وفروعها من المساقاة والمجاعلة والقراض ونحو ذلك، وإن ورد على المنافع مع أنه لايرد العين بل يبذلها بعوض أو بغير عوض، فهو البيع والهبة والعقد في الجميع إنما يتناول المنفعة”[8].
وقال الشاطبي:”وأعني بالمال مايقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه على وجهه، ويستوي في ذلك الطعام والشراب واللباس على اختلافها، ومايؤدي إليها من جميع المتمولات”[9].
فقول الشاطبي “ومايؤدي إليها” تدخل فيه المنافع أيضا. وهذا ماجعل ابن عاشور يعرف المال بقوله:”مال الأمة كل ما به تستغني الناس في تحصيل ما ينفعهم في معاشهم”[10].
لذلك يمكن أن نخلص في تعريف المال إلى تعريف جامع ، فنقول : ان المال شرعا هو كل ما ” فيه منفعة مقصودة مباحة شرعا لغير حاجة أو ضرورة ، وله قيمة مادية بين الناس “[11] .
والمالية الإسلامية موضوعها التمويل الذي يقوم على تقديم الأموال والخدمات، وفق صيغ شرعية لتلبية الحاجيات التمويلية للمؤسسات المستفيدة، ويتم ذلك إما ببدل فيكون تمويلا استرباحيا، أو بدون بدل فيكون تمويلا تبرعيا تكافليا. ويقسم التمويل الإسلامي الاسترباحي إلى قسمين:تمويل تبادلي يتم بموجبه تمليك السلع والخدمات من طرف لآخر ببدل معلوم وطبق صيغ شرعية(عقود بيوع وعقود إجارات)، وتمويل تشاركي يتم بمقتضاه إنتاج السلع والأصول، إما مقابل حصة من الربح كما في عقود المشاركة والمضاربة، أو مقابل حصة من الإنتاج كما في عقود الاستثمار الزراعية مثل المساقاة والمزارعة والمغارسة. فالمالية الإسلامية “تهتم بتمويل اكتساب وتنمية وتوزيع الثروة،وعلم المالية هو الذي يبحث في طرق ومناهج وأساليب وأدوات هذا التمويل، وعلى هذا فإن علم المالية الإسلامية يبحث في الأحكام الشرعية الخاصة بطرق ومناهج وأساليب وأدوات تمويل اكتساب وتنمية وتوزيع الثروة…وتتكون المالية الإسلامية من عدة أقسام أهمها: الزكاة، والوقف، وصناديق الحج، والتأمين التكافلي،والصكوك الإسلامية، والمصارف الإسلامية”[12]. فالبنوك التشاركية إذن جزء من المالية الإسلامية.
- –البنوك التشاركية:” عرفت البنوك الإسلامية طبقا للفقرة الأولى من المادة الخامسة من اتفاقية إنشاء الإتحاد الدولي للبنوك الإسلامية بأنها (تلك البنوك أو المؤسسات التي ينص قانون إنشائها ونظامها الأساسي صراحة على الالتزام بمبادئ الشريعة، وعلى عدم التعامل بالفائدة أخذا وعطاء)”[13]. وقد سما ها القانون المغربي بالبنوك التشاركية -كما هو الشأن بتركيا- لعدة اعتبارات:
- “الإسلام لم يطلق وصف إسلامي على تشريعاته ومؤسساته.
- لتجنب مختلف الحساسيات وردود الأفعال على الصفة.
- لغلبة التشارك واقتسام المخاطر مع عملائها على عقودها.
- الدستورالمغربي يسند الشأن الديني للملك دون الحكومة.
- تجنب تحميل أخطاء الاجتهاد للإسلام في موضوع تجاري.
- تسمية البنوك الإسلامية جاءة في ظروف الصراع وإثبات الذات”[14].
- -التنمية البشرية:
التنمية في اللغة تعني الزيادة والكثرة وفي الاصطلاح هي التزكية بمفهومها التربوي بتطهير نفس الإنسان ومفهومها الاقتصادي بالزيادة في الثروة. غير أن التنمية الاقتصادية لن تتحقق بالنمو الاقتصادي وحده، بل لابد من أنواع أخرى من التنمية،مثل:التنمية العلمية،والاجتماعية،والسياسية،والثقافية. “ولذلك فإن التنمية الحقيقية لها ركنان أساسيان في فكر الاقتصاد الإسلامي يتمثلان في التنمية الداخلية:(الروحية،والعقلية،والعلمية،والثقافية)والتنمية المادية(البدنية،والاقتصادية،والعسكرية)، أو بعبارة أخرى فإن التنمية الاقتصادية المستدامة الحقيقية لن تتحقق إلا إذا نما الإنسان وتحققت له التنمية الثقافية والعلمية والسياسية والاجتماعية إضافة إلى التربية الروحية والأخلاقية”[15]. إذن فمنطلق التنمية الشاملة هو الإنسان بتعبير آخر هي التنمية البشرية.
منذ صدور التقرير الأول للتنمية البشرية سنة 1990م، حاول إيضاح مفهوم التنمية فنص على مفهومها بالعبارة الآتية:”عملية تهدف إلى زيادة القدرات المتاحة أمام الناس، في مستويات معيشية أفضل، واكتساب المعارف، والتمتع بمستويات صحية أفضل”[16]. فمقصود التنمية هنا الارتقاء بالمستويات الآتية:
- متوسط العمر، وذلك بالنهوض بالجانب الصحي.
- مستوى المعرفة، وذلك بالنهوض بالجانب التعليمي.
- المستوى المعاشي، وذلك بالنهوض بالجانب الاقتصادي.
و”بعد فشل كثير من المحاولات التي بذلتها الأمم المتحدة لإحداث التنمية البشرية في العالم الثالث،توصلت في تقاريرها السنوية إلى مجموعة من المعايير تتضمن:التحصيل العلمي، والحرية، ونصيب الفرد من الناتج المحلي، وتمكين النساء من التصويت والترشيح والمساواة مع الرجل في العمل والأجور. بل إن تقرير التنمية البشرية لعام 2004م الصادر من الأمم المتحدة يركز على الحريات الثقافية كمعيار للتنمية في المجتمعات المعاصرة”[17]. أما تقرير التنمية البشرية لعام 2010م فيؤكد على إمكانية تحقيق التنمية برغم التحديات إذا توفرت الإرادة السياسية، والقيادة الشجاعة، ومازال مفهوم التنمية البشرية لم يتحدد بشكل نهائي لأنه يواكب احتياجات البشرية في الزمان والمكان. لكن يظل المفهوم الإسلامي للتنمية المفهوم الأشمل لمتطلبات الحياة الإنسانية ،وهو:”تحقيق السعادة والرفاهية الروحية،والعقلية،والنفسية،والبدنية للإنسان داخل المجتمع الذي يعيش فيه”[18]. ويعد المال والاقتصاد من أهم أركانه،والإنسان هو نواته،التي تتم تغذيتها وفق مقاصد الشريعة. لذلك فإن من عوامل التنمية الاقتصادية، البنوك الإسلامية التي يقوم نظامها الاقتصادي على استبعاد التعامل بالربا،وتوظيف المال في الأعمال الاستثمارية،وإشراك المتعاملين معها في اتخاذ القرار، وتوجيه السياسة المالية. ومن الناحية الاقتصادية،فإن”مؤشر نجاح التنمية يكمن بالنسبة للفرد،في الخروح من حد الكفاف(الفقر) إلى حد الكفاية،للوصول إلى تمام الكفاية…وهو بالنسبة للمجتمع والأمة،يتحقق بالوصول إلى الاكتفاء الذاتي زراعيا وصناعيا وتجاريا،ثم الاستمرار في النمو والزيادة دون توقف في كافة مجالات الحياة،وتقنيا،مع تحقيق القوة الاقتصادية المتكاملة والقوة السياسية والعسكرية،والتحرر من التبعية بكل أشكالها من خلال التقدم العلمي والتكنولوجي،والإبداع والقدرة على المساهمة الفعالة في إدارة النظام الدولي وتحقيق أمة الشهود بالحق والعدل”[19].
المبحث الأول:المعاملات المالية في البنوك التشاركية:
لقد كانت العناية بالاقتصاد الإسلامي في المغرب مبكرة وسابقة على اعتماد البنوك التشاركية، فقد قامت الجامعة المغربية والمجتمع المدني مثل الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في الاقتصاد الإسلامي، بالتعريف به ونشر قضاياه،وأثير موضوع المعاملات المصرفي داخل المجلس العلمي الأعلى في دورته لعام1402هـ،وتوج هذا الحراك العلمي والثقافي بتقديم أول طلب لإنشاء بنك إسلامي إلى البنك المركزي عام 1985م، إلى أن صدربالجريدة الرسمية ظهير تنفيذ القانون المنظم للمالية التشاركية عام2015م.
- من الصيغ البديلة إلى البنوك التشاركية:
عرف المغرب منذ عام 2007م إطلاق الصيغ المالية البديلة، بعد توجيه والي بنك المغرب توصياته للبنوك من أحل اعتماد صيغ المرابحة والإيجارة المنتهي بالتمليك والمشاركة، لكن هذه التجربة لم تنجح كما صرح بذلك المفكر الاقتصادي المغربي الدكتور عمر الكتاني[20]. ويرجع فشل تجربة الصيغ البديلة إلى عدة اعتبارات منها ضعف الإطار القانوني المنظم لها إذ وردت في إطار منشور أصدره والي بنك المغرب تحت رقم33/2007، مما أفقدها القوة الإلزامية، لأنها لاترقى إلى مستوى القوانين أو المراسيم الوزارية.وضعف الدعاية الإعلامية، وارتفاع التكلفة الجبائية للمنتجات البنكية البديلة،مما انعكس على تكلفة هذه الأخيرة، عدم وجود هيئة للمراقبة أو المطابقة الشرعية، عدم حماس البنوك التقليدية لهذه التمويلات، عدم تأهيل الأطر البنكية . بعد هذه التجربة سيتعزز المشهد المالي الإسلامي بإصدار قانون جديد خاص باعتماد البنوك التشاركية سنة 2013.وهو مشروع قانون مؤسسات الائتمان والهيئات التي في حكمها، وهو القانون البنكي المغربي، الذي يشكل الإطار القانوني للبنوك الإسلامية التي سماها القانون بالبنوك التشاركية، ويتكون هذا القانون من تسعة(9) أقسام ومائة وستة وتسعين (196)مادة، وخصص القسم الثالث منه للبنوك التشاركية. ومن المعلوم أن المغرب كان متأخرا في اعتماد المصارف الاسلامية في اقتصاده.
- منتجات وخدمات البنوك التشاركية:
طبقا لقانون مؤسسات الائتمان والهيئات التي في حكمها، فإن البنوك التشاركية تقدم ثلاثة أنواع من الخدمات والمنتجات:خدمات مشتركة مع البنوك الأخرى، وخدمات تنفرد بها، وخدمات يقترحها الزبناء.
- الخدمات المشتركة:
وهي الخدمات المشتركة بين البنوك التشاركية والبنوك التقليدية،وتنص عليها المادة57 من القانون، حيث تسمح للبنوك التشاركية بمزاولة العمليات الواردة في المواد7و8و9و16 وفق الشروط المنصوص عليها في المادة54.وبالرجوع إلى هذه المواد نجد أن العمليات الواردة فيها تشمل:
- خدمات الاستثمار.
- عمليات الصرف.
- العمليات المتعلقة بالذهب والمعادن النفيسة.
- عمليات تأمين الأشخاص والقروض
- خدمات الأداء.
- الخدمات والمنتجات الخاصة:
وهي منتجات خاصة بالبنوك التشاركية، وقد نصت عليها المادة58،ويبلغ عددها ثمانية منتجات أو عقود، وهي:
- المرابحة: وهي عقد يقتني بموجبه بنك تشاركي، منقولا أو عقارا محددا من أجل إعادة بيعه لعميله بتكلفة اقتنائه،،مضاف إليها هامش ربح متفق عليه مسبقا.
- الإجارة:وهي كل عقد يضع بموجبه بنك تشاركي، عن طريق الإيجار، منقولا أو عقارا محددا وفي ملكية هذا البنك، تحت تصرف عميل قصد استعمال مسموح به قانونا، وتنقسم الإجارة إلى قسمين: إجارة تشغيلية، وإجارة منتهية بالتمليك.
- المشاركة:وهي كل عقد يكون الغرض منه مشاركة بنك تشاركي في مشروع قصد تحقيق ربح، ويشارك الأطراف في تحمل الخسائر في حدود مساهماتهم وفي الأرباح حسب نسب محددة مسبقا بينهم، وتنقسم المشاركة إلى قسمين:المشاركة الثابتة، والمشاركة المتناقصة.والشركة تنقسم الى شركة ملك وشركة عقود(شركة العنان، وشركة المفاوضة؛وهي شركتي أموال. وشركة الأبدان، ،وشركة الوجوه،وشركة المضاربة)،وتنقسم شركة الملك الى قسمين:شركة اختيار وشركة وشركة جبر.
- المضاربة: هي آلية لتثمير الأموال من خلال التجارة،وهي كل عقد يربط بين بنك أو عدة بنوك تشاركية(رب المال)، تقدم بموجبه رأس المال نقدا أو عينا، أو هما معا. ومقاول أو عدة مقاولين(مضاربة) ويتحمل المقاول أو المقاولين المسؤولية الكاملة في تدبير المشروع. فيتم اقتسام الأرباح المحققة باتفاق مسبق بين الأطراف، ويتحمل رب المال الخسارة وحده إلا في حالة الإهمال أو سوء التدبير أو الغش أو مخالفة شروط العقد من طرف المضارب.وتعد من أهم صيغ التمويل المبنية على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة والبديلة عن القروض الربوية.
- السلم:هوبيع يتقدم فيه رأس المال ويتأخر المثمن لأجل أو هو كل عقد يجعل بمقتضاه أحد المتعاقدين، مبلغا محددا للمتعاقد الآخر الذي يلتزم من جانبه بتسليم مقدار معين من بضاعة مضبوطة بصفات محددة في أجل.و”السلم وإن كان يشترك مع البيع في كونه عقدا واردا على عين، ناقلا للملكية لكنه يختلف معه في كثير من الأمور والأحكام…-وبالتالي-فإن إبقاء كل عقد على استقلاليته يكون أدعى للحفاظ على مقتضاه الأصلي،وضوابطه وعدم الخلط بينه وبين غيره”[21].
- الاستصناع:هو كل عقد يشترى به شيء مما يصنع، يلتزم بموجبه أحد المتعاقدين، بتسليم مصنوع بمواد عنده بأوصاف معينة يتفق عليها، وبثمن محدد يدفع من طرف المستصنع حسب الكيفية المتفق عليها،وهذا النوع من العقود تقوم بموجبه البنوك بإنشاء مباني سكنية،واستثمارية،وصناعة السفن،والطائرات، والطرق،وقد يكون البنك صانعا أو مستصنعا، أو هما معا بمايسمى بالاستصناع الموازي.
- تسنيد الأصول: وللبنوك التشاركية الحق في إصدار صكوك الاستثمار، فبمقتضى قانون تسنيد الديون وعمليات الاستحفاظ قانون رقم119.12 والذي يغير ويتمم القانون رقم33.06 المتعلق بتسنيد الديون، والقانون رقم 24.01 المتعلق بعمليات الاستحفاظ، تنص المادة1-7:على إصدار شهادات الصكوك، وتعرفها بأنها:” هي سندات لحق انتفاع مشاع لكل حامل في أصول مؤهلة تم تملكها، أو في طور التملك، أو في استثمارات منجزة أو في طور الإنجاز من طرف مصدر هذه السندات”[22].
- خدمات ومنتجات مقترحة ومجازة:
تنص المادة58 على أنه:”يجوز للبنوك التشاركية أن تمول عملاءها بواسطة أي منتوج آخر، لايتعارض مع الشروط الواردة في المادة54، والذي تحدد مواصفاته التقنية وكذا كيفية تقديمه إلى العملاء بمنشور يصدره والي المغرب، بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان، وبعد الرأي بالمطابقة الصادر عن المجلس العلمي الأعلى(أي أنه ملزم)”[23].وهذه مرونة من المشرع تفتح الباب على مصراعية للإبداع والابتكارفي صياغة عقود تمويل جديدة،وهذا من مهام البحث العلمي بالجامعات العربية والإسلامية.
المبحث الثاني:البنوك التشاركية وأثرها في التنمية البشرية:
- أثر المعاملات المالية في التنمية البشرية:
يقوم القطاع المصرفي بدور أساسي في النشاط الاقتصادي بشكل خاص، والتنمية البشرية بشكل عام. بل يعد مستوى تطور النظام المصرفي ومدى تكامله وفاعليته في تعبئة الموارد المالية، وقدرته على توجيهها لخدمة التنمية، واحد من المؤشرات المعبرة على مدى التطور الاقتصادي والاجتماعي لبلد ما. ومما يجعل المصارف الإسلامية قادرة على تحقيق التنمية ابتناؤها على فلسفة تشريعية مالية تنظر إلى المال كوسيلة للحصول على السلعة، ولايعد المال سلعة في ذاته.وليس في الإسلام مال ينتج مالا بمجرد ملكيته فقط، بل لابد من اقترانه بالعمل، مما يجعل المال متداولا ورائجا في المجتمع تتحقق برواجه مشاريع التنمية والاستثمار المختلفة، كما أن أصول النظام المالي حددها الشرع ولم يدعها للناس يجتهدون فيها بآرائهم وأهوائهم وأغراضهم، من هنا نحد أن الأصل في تشريع حفظ المال من جهة العدم،نصان قرآنيان هما:
- قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾[24]. فالنص القرآني يقرر اتجاهين تشريعيين: اتجاه المسالك المحرمة التي يجمعها لفظ الباطل الذي يشمل كل العقود والبيوع المحرمة لعلتي الغرر والظلم. واتجاه المسالك المشروعة التي يدل عليها لفظ التراضي.
- وقوله تعالى:﴿ dhÓ%&Aæo fb/@]A ælö÷EÓöYEö>j@H Ó}dsöÓæo >A$?pÓYöF³Psj@]A vÓÓöYX ‘bÓ§,BÓÑ ö]O ùn÷pöÓ vö³ù ©ùö³`YöFdt êÉ]ôEöZöFBÓöYX ‘bö]iÓöYX BÓ æV]iæz ¨bbsö÷%&Aæo ]j;`A $çf/@]A ØvöÓæo ]rBÓn \«<E]×jØo£BÓöYX _cD#<ÓÌ%&A `tB±öQóEj@H ÷~a BæEö`YX æuo.qùöiö#<]Z (274) ﴾، فمسالك المعاملات المحرمة ترجع إلى أصلين كبيرين:الباطل)الغرر/الظلم)،والربا. فأما الباطل، فيتشعب إلى شعبتين:الغرر والظلم. وهذا ماقررته وأكدت عليه السنة النبوية تفصيلا وبيانا.
وهي قاعدة فاصلة بين المعاملات الشرعية والمعاملات غير الشرعية، ومنطبقة على المعاملات المالية.وهادية للمسلم للحرص على الكسب الحلال، والتدبير الراشد، والإنفاق النافع، ونظرا لعجز الأفراد عن القيام بالمشاريع الاستثمارية الكبيرة، فإن المؤسسات المصرفية الإسلامية تتولى القيام بذلك.
ويعتبر التمويل التشاركي بصيغه المتعددة الإطار التنظيمي الملائم لتحقيق التعاون والعدل على مستوى المعاملات المالية،كما أنه يمكن من الاستفادة من نتائج الأعمال الاستثمارية بما يضمن مصالح الأطراف كلها. وهذا الأسلوب التمويلي بديل شرعي وعملي لنظام الفائدة، يجنب البلاد الأزمات المالية ويحقق لها الاستقرار الاقتصادي. ومن آثاره التنموية:
1- تعبئة الموارد المالية: للتمويل التشاركي القدرة على تعبئة الموارد الاقتصادية والثروات النقدية بالطريقة التي تحقق المشروعات الإنتاجية المرتبطة بالضروريات الأساسية والحاجيات الاجتماعية.
2- تداول الأموال ورواجها: تحقق المعاملات المالية التداول الفعلي للأموال، فتجمع بين بذل رأس المال وبذل العمل والخبرة لأجل إنجاح المشاريع الاستثمارية التي تسهم بشكل فعال في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية الفعالة. وذلك على أساس الاشتراك في الأرباح وتحمل الخسائر بناء على قاعدة الغنم بالغرم.وتعتبر هذه القاعدة من المحفزات على الاستثمار لأنها تحمي المستثمرين من خلال مشاركة المصصرف لهم في تحمل الخسائر المحتملة.
- تحقيق الاستقرار الاقتصادي والوقاية من الأزمات المالية:
إن قيام صيغ التمويل الإسلامية على المشاركة وعقود البيوع، بعيدا عن أسلوب الفائدة، يجعل الأموال توجه للاستثمار الحقيقي، ولإنجاز المشاريع التنموية التي تحقق الربح، كما يسهم في خلق أجواء الاستقرار ويحفظ من الوقوع في الأزمات. فقد أجمع خبراء الاقتصاد على أن من أهم أسباب حدوث الأزمات المالية استفحال الدين الربوي.
- مستقبل انعكاس آثارالبنوك التشاركية على التنمية البشرية بالمغرب:
تعتبر الصكوك أشهر أنواع الأوراق المالية الإسلامية، التي تقابل السندات في المصارف التقليدية، وهي شهادات مالية متساوية القيمة، تمثل حصصا في ملكية قائمة أو سيتم إنشاؤها من حصيلة الاكتتاب. وهي بمنزلة الأوراق المالية، يصدرها المصرف للحصول على أموال لتقوية السيولة لتمويل العجز أو تنفيذ مشروعات تنموية من الحكومات. وبخلاف النظام المصرفي التقليدي تعتبر المصارف الإسلامية المساهم أو المشتري للصكوك بمنزلة مشارك في الأرباح والخسائر، ويتحدد مقدار الربح والخسارة يتحدد بناء على قدر مايملكه المساهم من الصكوك، في حين تضمن السندات نسبة فوائد سنوية قارة بغض النظر عن حجم الأرباح والخسائر الناجمة عن استثمارها من الجهة المصدرة لها. والصكوك الإسلامية أنواع منها صكوك المشاركة والمرابحة والاستصناع.” ومع أن إصدارالصكوك شمل معظم الدول الإسلامية، إلا أن ماليزيا تعد رائدة في إصدارها؛ حيث تستحوذ على 60% تقريبا من حجم الصكوك في العالم، وهي البالغة 300 مليار دولار، ويبدو أن ماليزيا التي شهد اقتصادها قفزات متتالية في العقود الثلاثة الماضية، استفادت استفادة قصوى من آلية إصدار الصكوك لتمويل احتياجاتها التنموية؛ حيث تحولت إلى أحد النمور الآسيوية التي حققت معدلات نمو سريعة أدت إلى تحسين مستويات المعيشة. وقاد هذا التقدم، لسنوات طويلة، رئيس وزرائها السابق مهاتير محمد، الذي ركز ضمن اهتماماته- على الاستفادة من أساليب التمويل الإسلامية، وفي مقدمتها الصكوك”[25]. وهكذا يتبين أهمية الصكوك الإسلامية من حيث وظيفتها التنموية، في مجالي التمويل والاستثمار.
لكن يلاحظ في عملية تنزيل الصيغ المالية في عمل المصارف الإسلامية تغليب التمويل التبادلي على حساب صيغ التمويل التشاركي، مما يضعنا أمام سؤال العلة التي دفعت لهذا التدبير؟ وإننا نجد في تسمية البنوك الإسلامية بالمغرب بالبنوك التشاركية عنوانا كبيرا يشي بحضور قوي للتعامل التشاركي، فهل هذا ما سيتم؟ إننا نجد في النصوص القانونية أن المعاملة التشاركية هي جانب من المعاملات المالية للمصارف، كما أن تجربة المصارف الإسلامية أثبتت عدم الاهتمام بها وغلبت أدوات التمويل المرتبطة بالمداينات كالمرابحة والتورق. ففي السعودية مثلا بلغت نسبة التمويل بالمشاركة في المصارف الإسلامية والنوافذ 3% فقط من إجمالي تمويلات البنوكبناء على دراسة أجراها أحد المراكز الاستشارية لمتخصصة سنة2009.وفي الأردن لم تتجاوز صيغ المشاركات بالبنك الإسلامي الأردني4%،خلال السنوات2007-2008-2009، وبالمقابل نجد أن صيغ البيوع تستحوذ على إجمالي الصيغ التمويلية حيث وصلت نسبتها سنة2007إلى89.8%وفي سنة2003 بلغت84.36%. ومجموعة البركة المصرفية التي تعمل في مجموعة من البلدان العربية والإسلامية مثل مصروالسودان وتونس وسوريا والبحرين وأندونيسيا والجزائر، نجد في التقرير السنوي للمجموعة لعام2009: أن نسبة اعتماد صيغة المشاركة المتناقصة مقارنة مع بقية صيغ التمويل الإسلامية هي أقل من 3% بينما سجلت نسبة استعمال صيغ البيوع أكثر من 74%، أما صيغ المضاربة فكانت نسبتها في حدود7.85%[26].
إذن من أجل ضمان دور تنوي للبنوك التشاركية مسقبلا لابد من تفعيل عقود المشاركات،ولابد من قيام اللجنة الشرعية التي تتحدد مهمتها في حفظ المؤسات المالية التشاركية من المخالفات الشرعية،بتتبع سيرهذه المؤسسات برقابة محلية، من أجل التقويم والترشيد والمعالجة. ويبقى من التحديات القائمة في وجه هذا النمط من المؤسسات المالية، مدى قناعة الدولة بهذا المشروع الجديد ودعمها له،لأن فعاليتها رهينة بوجودها ضمن إطار اقتصادي ومالي يدعمها. وليس هناك أنسب من الإطار الاقتصادي الإسلامي الذي تقتضي الهوية والانتماء،ترسيخه في البيئة العربية والإسلامية. ومن التحديات صغر حجم رأسمال هذه البنوك،مما يضعف موقعها في سياق الاقتصاد المحلي والجهوي والعالمي،وكذلك خضوعها،وعملها تحت وضمن مؤسسات مالية تقليدية،وأمام مشكلات السيولة التي تعترض طريق البنوك التشاركية نتيجة تغليب معاملات المداينات، يكون من الأجدر مستقبلا أن يتدخل بنك المغرب”لمساعدة البنوك التشاركية في وضعية صعبة بواسطة تسبيقات قابلة للإرجاع،وهي قروض بدون فائدة،نظرا لطبيعة البنوك التشاركية وعدم تعاملها بالفائدة،علما أن البنوك التقليدية،تستفيد من قروض من بنك المغرب،وهذا المقترح معمول به في ماليزيا”[27].
ويمكن للمصارف الإسلامية التشاركية أن تثري البعد التنموي بالعمل الخري التكافلي، ذلك أن الأنموذح الاجتماعي الذي يقدمه الإسلام،هو الذي يتأسس على قاعدة توحيدية،محفوقة بقيم إنسانية مثل التكافل والتعاون والتراحم والمحبة والبذل،مما يضمن تماسكه، لأن المواساة أصل من أصول الإسلام،ومن أول مادعا إليه،وتظهر المواساة أو العمل الخيري في أعمال متنوعة مثل:القرض الحسن،والزكاة والصدقة والهبة والإسلاف والعارية والعرية والإرفاق والعمرى،والإسكان ،والمنحة ،الوقف الخيري.
خاتمة:
إن التمويل الإسلامي بمختلف صيغه وأدواته يعد بديلا شرعيا لأسلوب الإقراض بالفائدة، وأسلوبا ناجعا في الحياة الاقتصادية لتحقيق التنمية بمفهومها الشامل، خاصة إذا تمت العناية به وتفعيله وتشجيعه . من هنا يكون لزاما على هذه البنوك جعل التنمية البشرية في صلب اهتماماتها،وإدراجها في أنظمتها الداخلية، بمايعزز ثقة الجمهور،ويثبت وظيفتها التنموية في الوطن، ومن المؤشرات الإيجابية المتعلقة بالأدوار التنموية للبنوك التشاركية في التجربة المغربية تفردها بخصوصيات متميزة منها،استقلالية ومركزية اللجنة الشرعية للمالية التشاركية،بالنظر إلى كونها لجنة علمية متتخصصة لدى الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى،مكلفة بإبداء الرأي في شأن مطابقة أعمال المؤسسات التشاركية لأحكام الشريعة.ومن متطلبات فاعلية الأبناك التشاركية في تدبير الثروة المالية واستمرار إسهامها في التنمية،اعتماد بنيات قانونية لحل النزاعات، تيسر العمل المالي بعيدا عن مساطر القضاء،وهو مايسمى بالتحكيم أو هيئة التحكيم،وأيضا توفيرمقتضيات ضمان الأموال،بمؤسسات التأمين التعاوني.
قائمة المصادر والمراجع
- استراتيجية التنمية الشاملة والسياسات الاقتصادية في ظل الربيع العربي للدكتور علي محيي الدين القره داغي،دار البشائر الإسلامية،بيروت،طبعة أولى:1433هـ-2012م .
- الأزمة المالية العالمية:دراسة أسبابها وأثارها،ومستقبل الرأسمالية بعدها، علاجها من منظور الاقتصاد الإسلامي وكيفية الاستفادة منها في عالمنا المعاصر، للدكتور علي محيي الدين القره داغي،دار البشائر الإسلامية، بيروت،طبعة أولى:1430هـ-2009م .
- أصول النظام الاجتماعي في الإسلام للإمام محمد الطاهر بن عاشور ،طبع دار سحنون، تونس، دار السلام، القاهرة،طبعة ثانية:1427هـ-2006م.
- البنوك التشاركية الإسلامية في المغرب لعبد السلام بلاجي،الجمعية المغربية للاقتصاد الإسلامي،طوب بريس،الرباط،طبعة أولى:2016.
- التحكيم في منازعات البنوك التشاركية،دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع،الرباط،طبعة أولى:2018م.
- التمويل التشاركي في المصارف الإسلامية بين المقصد التنموي المنشود وواقع التحديات المشهود لمحمد الوردي،الجمعية المغربية للاقتصاد الإسلامي،طوب بريس،الرباط،طبعة أولى:1435هـ-2014م.
- التمويل الإسلامي والاقتصاديات المعاصرة،الفصل السابع:تطبيقات التمويل الإسلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة لمحمد عبد الرحمان العسومي،إصدارمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،أبو ظبي،طبعة أولى:2013م.
- السلم وتطبيقاته المعاصرة في السلع والمنافع والخدمات دراسة فقهية مقارنة للدكتور علي محمد محيي الدين لبقره داغي،دار البشائر الإسلامية،بيروت،طبعة أولى:1431هـ-2010م.
- المصارف الإسلامية ودورها في التنمية البشرية لأسامة عبد المجيد العاني،دار البشائر الإسلامية،بيروت،طبعةأولى:1436هـ-2015م.
- كتاب إثبات العلل:للإمام أبي عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي، تحقيق ودراسة خالد الأزهري.من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالراط، سلسلة نصوص ووثائق رقم2. طبع مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة أولى:1998م.
- الفروق للإمام أبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي المتوفى سنة 684هـ طبع دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة أولى:1418هـ-1998م.
- الموافقات: لأبي اسحاق ابراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشاطبي المتوفى سنة 790 هـ، ،طبع المكتبة العصرية، بيروت . طبعة أولى :1423 هـ – 2002 م.
- معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء للدكتو نزيه حماد:237. ، طبع المعهد الالمي للفكر الاسلامي ، فرجينيا ، طبعة اولى :1414 هـ / 1993.
- لسان العرب للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الافريقي المصري. طبع دار صادر، بيروت.
- القاموس المحيط: للإمام مجد الدين محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم الفيروزابادي الشيرازي الشافعي(المتوفى سنة817هـ). دار الكتب العلمية، لبنان، طبعة أولى:1420هـ-1999م.
- معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية للدكتور محمود عبد الرحمان عبد المنعم ، دار الفضيلة ، القاهرة .
[1] – ينظر: الأزمة المالية العالمية:دراسة أسبابها وأثارها،ومستقبل الرأسمالية بعدها، علاجها من منظور الاقتصاد الإسلامي وكيفية الاستفادة منها في عالمنا المعاصر، للدكتور علي محيي الدين القره داغي.
[2] – لسان العرب لابن منظور:مادة (عمل).
.-[3] لسان العرب لابن منظور :11/635.
[4] – القاموس المحيط:فصل الميم:3/618.
-[5] معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية للدكتور محمود عبد الرحمان عبد المنعم:3/195.194 ، دار الفضيلة ، القاهرة .
-[6] فقه الزكاة للدكتور يوسف القرضاوي:1/125.دار المعرفة، الدار البيضاء.
-[7]كتاب إثبات العلل:للإمام أبي عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي، تحقيق ودراسة خالد الأزهري:183.من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالراط، سلسلة نصوص ووثائق رقم2. طبع مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة أولى:1998م.
[8] ـ الفروق للقرافي:3/372،الفرق الثمانون والمائة.
[9] – الموافقات:2/12.
-[10] أصول النظام الاجتماعي في الإسلام للإمام محمد الطاهر بن عاشور:179،طبع دار سحنون، تونس، دار السلام، القاهرة،طبعة ثانية:1427هـ-2006م.
-[11]معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء للدكتو نزيه حماد:237. ، طبع المعهد الالمي للفكر الاسلامي ، فرجينيا ، طبعة اولى :1414 هـ / 1993
[12] -البنوك التشاركية الإسلامية في المغرب لعبد السلام بلاجي:35.
[13] – البنوك التشاركية الإسلامية في المغرب لعبد السلام بلاجي:47.
[14] – البنوك التشاركية الإسلامية في المغرب لعبد السلام بلاجي:53،52..
[15]-استراتيجية التنمية الشاملة والسياسات الاقتصادية في ظل الربيع العربي للدكتور علي محيي الدين القره داغي،دار البشائر الإسلامية،بيروت،طبعة أولى:1433هـ-2012م :1/32،33.
[16]-البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية(1990م)،ص:7،نقلا عن كتاب: المصارف الإسلامية ودورها في التنمية البشرية لأسامة عبد المجيد العاني:49.
[17]– استراتيجية التنمية الشاملة والسياسات الاقتصادية في ظل الربيع العربي للدكتور علي محيي الدين القره داغي:1/33.
[18] – استراتيجية التنمية الشاملة والسياسات الاقتصادية في ظل الربيع العربي للدكتور علي محيي الدين القره داغي:1/34،35.
[19] – استراتيجية التنمية الشاملة والسياسات الاقتصادية في ظل الربيع العربي للدكتور علي محيي الدين القره داغي:1/35.
[20] – مقال:مستقبل المالية الإسلامية الغامض بالمغرب للدكتور عمر الكتاني بجريدة المساء بتاريخ:26يناير2013.
[21] -السلم وتطبيقاته المعاصرة في السلع والمنافع والخدمات دراسة فقهية مقارنة للدكتور علي محمد محيي الدين لبقره داغي:8،9.
[22] – البنوك التشاركية الإسلامية في المغرب لعبد السلام بلاجي:55.
[23] – البنوك التشاركية الإسلامية في المغرب لعبد السلام بلاجي:55،52.
[25] -التمويل الإسلامي والاقتصاديات المعاصرة،الفصل السابع:تطبيقات التمويل الإسلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة لمحمد عبد الرحمان العسومي،إصدارمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،أبو ظبي،طبعة أولى:2013م،ص:185،204.
[26] -التمويل التشاركي في المصارف الإسلامية بين المقصد التنموي المنشود وواقع التحديات المشهود لمحمد الوردي:155،157.
[27] – البنوك التشاركية الإسلامية في المغرب لعبد السلام بلاجي:59.