مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

قاعدة الخراج بالضمان: معيار التمييز بين المعاملات المصرفية الربوية والإسلامية

0 4٬643

قاعدة الخراج بالضمان: معيار التمييز بين المعاملات المصرفية الربوية والإسلامية

بقلم السيد حيدر ناصر

المدير العام لمصرف السلام الجزائر

 

” اللذين يأكلون الربا  لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا و احل الله البيع و حرم الربا , فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله سلف و أمره إلى الله و من عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون , يمحق الله الربا و يربي الصدقات و الله لا يحب كل كفار أثيم , إن الذين امنوا و عملوا الصالحات وأقاموا الصلاة و آتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون , يا أيها الذين امنوا اتقوا الله و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين , فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله و إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون و لا تظلمون” سورة البقرة من الآية رقم 274 إلى 279 .

 

المتاجرة بالنقود لا في النقود:

 

بهذه الآيات المحكمات فصل الله تعالى نهائيا في مسالة المتاجرة في النقود. فالنقود من المنظور الإسلامي لا يجب أن تبتعد عن وظيفتها الطبيعية كوسيلة تبادل ومقياس للقيمة ومخزن للقيمة وهذه الوظيفة الأخيرة لا يمكن أن تبرر أي ريع بمجرد تحويل هذه القيمة من شخص لآخر.

 

قال الإمام ابن قيم الجوزية في كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ” ويمنع من جعل النقود متجراً؛ فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها، ولا يتجر فيها”[1] وقال في إعلام الموقعين: ” فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع، ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم، والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس، فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير مثل أن يعطي صحاحاً، ويأخذ مكسرة أو خفافاً ويأخذ ثقالاً أكثر منها، لصارت متجراً. أو جر ذلك ربا النسيئة فيها ولا بد. فالأثمان لا تقصد لأعيانها. بل يقصد التوصل بها إلى السلع. فإذا صارت في أنفسها سلعة تقصد لأعيانها فسد أمر الناس. وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات”[2].

 

وفي نفس المعنى كتب الإمام أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين:  ” كل من عامل معاملة الربا على الدراهم و الدنانير فقد كفر النعمة و ظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لنفسهما إذ لا غرض في عينهما.فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم. و من معه ثوب و لا نقد معه فقد لا يقدر على أن يشترى به طعاما و دابة،إذ ربما لا يباع الطعام و الدابة بالثوب فهو معذور في بيعه بنقد آخر ليحصل النقد،فيتوصل به إلى مقصوده فإنهما وسيلتان إلى الغير لا غرض في أعيانهما و موقعهما في الأموال”.[3]

 

وينحو ابن خلدون تفس المنحى في التأكيد على وجوب حياد النقود (الذهب و الفضة) لاستقرار المعاملات بين الناس : ” أن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول وهما الذخيرة والقنية – يعني الاقتناء- لأهل العالم في الغالب وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما  يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل فهما أصل المكاسب والقنية والذخيرة” [4]

 

وقبل ظهور النظريات النقدوية الحديثة كانت المدراس الكلاسيكية الغربية في الاقتصاد تنظر للنقود بنفس النظرة من كونها أدوات لتقييم السلع وتبادلها حالا أو مستقبلا. ومن هذا المنطلق اعتبروا أن الثروة الحقيقية هي السلع والخدمات التي يوفرها الاقتصاد وأن النقود هي مكافئ عام لتلك السلع والخدمات وأن الجزء المدخر من مداخيل الأعوان الاقتصاديين يستقطب لتمويل الاستثمارات التي تزيد من كمية ونوعية السلع والخدمات المعروضة على الاستهلاك بحيث يتحقق التوازن دائما بين العرض والطلب عند الاستخدام الكامل للموارد. وعليه فالكلاسيك يعتبرون الاكتناز سلوكا غير رشيد كون المداخيل يجب استخدامها في الاستهلاك أو الاستثمار.

 

ومع ذلك فرواد هذه النظرية لم يستطيعوا إلا أن يسايروا الواقع الرأسمالي فيما يتعلق بسعر الفائدة الذي يساهم في جذب المدخرات نحو الاستثمار ويمثل ثمن التنازل عن الاستهلاك الحالي لاستهلاك مستقبلي أكبر. وبعبارة أخرى هم لا يعتبرون الفائدة ثمنا للنقود بوصفها سلعة بل مقابلا لتنازل المستهلك عن السلع والخدمات المتاحة وتوجيه جزء من مداخيله النقدية للادخار المفروض تحوله إلى استثمار عند تحقق الاستخدام الكامل. كما أن معادلة الادخار والاستثمار في نظر هذه المدرسة تفضي إلى التوازن بفعل قانون العرض والطلب على المدخرات بين أصحابها وأصحاب المشاريع الاستثمارية مثلما هو الأمر تماما بالنسبة لمعادلة الاستهلاك والادخار. فكلما كان سعر الفائدة منخفضا كلما اتجهت المدخرات نحو الاستثمار لأن عائدها أكبر بالنسبة للمدخرين وكلفة الأموال أقل بالنسبة للمتمولين والعكس بالعكس كلما ارتفع سعر الفائدة كلما عزف المدخرون والمستثمرون على حد سواء عن الاستثمار لانخفاض العائد بسبب ارتفاع كلفة الموارد.[5]

 

وتلتقي النظرية الكلاسيكية في النقود مع النظرة الإسلامية في اعتبارها وسيطا لتبادل السلع والخدمات عاجلا أم آجلا كما تلتقي النظريتان جزئيا في اعتبار نسبة الفائدة مثبطا للاستثمار وتختلف معها في قبول مكافأة الادخار بالفائدة حيث لا تقر الشريعة الإسلامية عائدا على رأس المال خارج نطاق الاستثمار عملا بقاعدة الخراج بالضمان والغنم بالغرم كما سنبين أدناه.

 

ولما كانت البنوك هي المخولة لاستقطاب المدخرات عن طريق اقتراضها من المدخرين أفرادا كانوا أو مؤسسات لإقراضها لأصحاب المشاريع الاقتصادية لتمويل استثماراتهم أو المستهلكين لتمويل احتياجاتهم ولما كانت هذه الوساطة المالية قائمة على أساس الاقتراض والإقراض بالفائدة وهو ما يخالف قواعد الشريعة الإسلامية انبرى الفقهاء والاقتصاديون المسلمون لتطوير بديل عن الصيرفة التقليدية الربوية مبني على قاعدة الخراج بالضمان. ساس

 

 

 

 

 

الخراج بالضمان والغنم بالغرم:

 

أصل هذه القاعدة حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن السيدة عائشة رضي الله عنها. ومعناها كما ذكر الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر :” قال الفقهاء : معناه ما خرج من الشيء : من غلة ، ومنفعة ، وعين ، فهو للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان الملك ، فإنه لو تلف المبيع كان من ضمانه ، فالغلة له ، ليكون الغنم في مقابلة الغرم”[6]

 

فمدلول قاعدة الخراج بالضمان والغنم بالغرم ألا يستحق مالك الأصول المدرة للدخل إلا إذا تحمل تبعات ملكيته لها وهو معنى ضمانه لها مقابل استفادته من خراجها أي ريعها وإيرادها.

 

فالربح، من وجهة النظر الإسلامية لا يكون مشروعا الا بتحمل صاحب المال حصته من مخاطرة المعاملة المالية أو التجارية وليس فقط مخاطرة اعسار المدين. والتوزيع العادل لمجمل المخاطر والالتزامات والنتائج للعملية التجارية أو الاستثمارية بين أطراف المعاملة يمثل القاعدة الجوهرية للمعاملات المالية الإسلامية.

 

ومن هذا المنطلق لا يجوز للمقرض أن يأخذ زيادة على قرضه ولا أن ينتفع به بأي وجه لأن ضمان المال على المقترض ومن ثم فله ريعه. أما إن أراد صاحب المال الاسترباح من ماله فلا يكون ذلك على سبيل القرض بل الاستثمار المباشر بالمشاركة أو المضاربة أو بالمتاجرة في الأعيان والمنافع بحيث يكون عليه ضمان مصدر الربح وله حق في ريعه. وقد عبر الفقهاء عن أثر هذه القاعدة في هذه المعاملات بأن يد المقترض يد ضمان ويد المضارب يد أمانة بحيث لا يضمن إلا عند التعدي أو التقصير.

 

وقاعدة الخراج بالضمان هي التي تجيب على اشتباه البعض في إباحة جمهور الفقهاء أن يكون الثمن المؤجل أكثر من الثمن الحال لنفس السلعة. أليست الزيادة هاهنا مقابل تأجيل الثمن؟ والجواب على ذلك أن الأجل إذا كان ابتداء عند العقد واتفق المتبايعان على الثمن المؤجل فيكون الأجل شرطا من شروط العقد وتابعا له فيجوز اعتباره في الثمن عملا بقاعدة يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا حيث أن أصل العقد هو البيع وليس التأجيل وهو معنى قولهم     ” للزمن حظ في الثمن “. أما إذا طرأ الأجل بعد العقد أو عند حلول أجل سداد الثمن المؤجل وزيد في الثمن مقابل الزيادة في الأجل فذلك ربا النسيئة أو ربا الديون المحرم بنص القرآن كون الأجل حينئذ أضحى محل الزيادة ولا يجوز في الأصل ما يجوز في الفرع. فلما كان الثمن مرتبطا بالضمان ابتداء في البيوع المؤجلة جاز ولما كان منفصما عنه بعد انتقال الضمان للمشتري حرم.

 

هذا في ربا النسيئة أما ربا الفضل في الصرف فجمهور أهل العلم يرون علة تحريمه ألا يكون مطية للربا الأول فسد النبي صلى الله عليه وسلم تلك الذريعة بقوله :” الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء” رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” ولكن الدراهم والدنانير هي أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا، لا ترفع قيمته ولا تنخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع، لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، والحاجة إلى أن يكون للناس ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة عامة…وقد حرم فيهما ربا النَّسَاء؛ لما فيه من الضرر، ولو أبيح فيها ربا الفضل مثل أن يبيعوا دراهم بدراهم أكثر منها…. صار ذلك تجارة في الثمن، ومتى اتجروا فيها نقدًا، تذرعوا إلى التجارة فيها نسيئة. ولو أبيحت التجارة في الأثمان، مثل أن يبيع دراهم بدراهم إلى أجل، لصارت الدراهم سلعة من السلع، وخرجت عن أن تكون أثمانًا، فحرم فيها ربا الفضل؛ لأنه يفضي إلى ربا النَّسَاء”[7]

 

معاملات المصارف الإسلامية على ضوء قاعدة الخراج بالضمان:

 

وبالرجوع للمعاملات المصرفية الإسلامية فإن المصرف يتدخل في عمليات التمويل بالمداينة إما بصفته بائعا بالأجل أو مؤجرا أو صانعا ويتحمل المسؤوليات التعاقدية المترتبة عن ذلك مثل تبعة هلاك السلعة أو عدم تسليمها لأي سبب كان. وعليه فإن الائتمان التجاري في البيوع بأجل سواء بالمرابحة أو المساومة يختلف عن القرض المالي بإلزامية تسليم السلعة التي تكون على عاتق المصرف البائع ليكون له الحق في ثمن البيع المتضمن هامش ربحه، في حين أن المصرف المقرض لا يتحمل إلا خطر التعثر عن السداد. بالإضافة إلى ذلك فإن المصرف البائع يتحمل كذلك مخاطرة المردودية لكون هامش الربح المحدد في العقد ليس قابلا للمراجعة، حيث أن ثمن البيع يكون محددا ولا يمكن الزيادة فيه في حال تأخر المدين عن السداد وهذا بخلاف ي القرض المصرفي التقليدي الذي يحتسب فوائد مضاف إليها غرامة تأخير إلى غاية السداد. ولعل البعض يثير هنا مسألة الإلزام بالتبرع الذي أجازته المعايير الشرعية بناء على قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة: ” مطل الغني ظلم ” وقوله في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي و ابن ماجة و أحمد وحسنه الألباني عن الشريد بن سويد الثقفي : ” لي الواجد يحل عرضه و عقوبته” فالجواب على ذلك أن تلكم المبالغ الزائدة عن الدين تصرف لزوما في أوجه البر و الإحسان تحت إشراف ورقابة هيئة الرقابة الشرعية و يمنع على المصارف الإسلامية الاستفادة منها بأي وجه من الوجوه.

 

وفي عمليات التمويل بالإجارة يتحمل المصرف الإسلامي تبعة تمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة طيلة مدة العقد ليستحق بدل الإيجار ويقع عليه عبئ الصيانة الأساسية بينما تحول جميع المخاطر والمسؤوليات المترتبة عن تملك الأصل المؤجر في الإجارة التمويلية الربوية من المؤسسة المالية إلى المستأجر.

 

في عمليات التمويل بصيغ المشاركة فإنها تخضع لمبدأ المساهمة في أرباح المشروع الممول حسب اتفاق الطرفين وفي خسائره إن وجدت حسب مساهمة كل طرف في المشروع. وفي المضاربة أو القراض يتحمل رب المال ما نقص من رأسماله ويخسر المضارب ما بذل من جهد وعمل. وتحمل الشريك أو رب المال حصته من الخسارة مرهون بعدم التعدي أو التقصير أو مخالفة شروط العقد من الطرف الثاني وإلا ألزم بضمان رأس المال.

 

وفي التمويل بالمشاركة أو المضاربة فإن عائدات رأس المال تكون متغيرة ومرتبطة ارتباطا وثيقا بمردودية المشروع، وبالمقابل فإن رأس المال المستثمر لا يمكن ضمانه للمصرف حيث يكون عرضة لمخاطر الخسارة في حدود مساهمته في المشروع الممول.

 

وينطبق نفس مبدأ تقاسم الأرباح والخسائر في إصدارات صكوك الاستثمار حيث يتحمل حملة الصكوك مخاطر تملكهم للأصول والمنافع التي تجسدها تلك الصكوك مقابل حقهم في الاستفادة من إيرادها.

 

إن نظام ودائع الاستثمار في البنوك الإسلامية يظهر بصفة جلية هذه المقاربة المختلفة في نظام الوساطة المالية للبنوك الإسلامية حيث أن المودعين ليسوا مقرضين للبنك وإنما مستثمرين يعهدون برؤوس أموالهم للبنك ليستثمرها لحسابهم. فبموجب عقد المضاربة الذي يربط المستثمرين بالبنك لا تعتبر أموال المودعين قروضا كما في الودائع التقليدية حيث أنهم مقابل حصولهم على حصة من الأرباح الناجمة عن الاستثمارات الذين ساهموا في تمويلها فإنهم ملزمون بالمساهمة في المخاطر المتعلقة بالعملية الاستثمارية ولا يمكنهم المطالبة بأرباح ثابتة ومحددة مسبقا فحقهم يقتصر على جزء من الأرباح أو الخسائر عند حدوثها.

 

إن الاستثمار المباشر في المعاملات الاقتصادية المنتجة للقيمة المضافة والثروة الحقيقية إما بالبيع أو الإجارة أو الصناعة أو توفير رؤوس الأموال مع تقاسم الربح والخسارة هي وحدها التي يمكن أن تولد ربحا مشروعا.

 

وإلى جانب قاعدة الخراج بالضمان من البديهي أن يتم مراعاة قواعد الشريعة الإسلامية عند تحديد ميادين تدخل المؤسسات الإسلامية فكل الأنشطة المحرمة – كالخمر والميسر والتبغ ووسائل الإعلام والمرافق السياحية التي لا تلتزم بالحشمة والآداب العامة لا يمكنها أن تكون محل تمويل أو استثمار من قبل البنوك الإسلامية.

 

يقول أبو الوليد ابن رشد في بداية المجتهد: ” إذا اعتبرت الأسباب التي من قبلها ورد النهي الشرعي في البيوع، وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة: أحدها تحريم عين المبيع. والثاني الربا. والثالث الغرر. والرابع الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو لمجموعهما. وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد “[8].

 

التزام المؤسسات المالية الإسلامية بقاعدة الخراج والضمان والغنم بالغرم في معاملاتها بتحملها تبعات تملكها للسلع والمنافع التي تقوم بتمويلها بصيغ المداينة أو المشاركة هو الفرق الجوهري بين الوساطة المالية الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية والوساطة المالية الربوية. فالربح المتوخى من هذه المعاملات لا يكون شرعيا ولا مستحقا ما لم يقابله تحمل تلكم المؤسسات فعليا لمسؤولياتها التعاقدية كبائع أو مؤجر أو موكل أو صانع أو شريك. و الربح لا يستحق مقابل التمويل بل مقابل تحمل جزء من مخاطر المعاملة.

 

إن هذا التلازم بين التمويل وموضوع التمويل من سلع وخدمات واستثمارات يبرز مقصدا هاما من مقاصد الشريعة الإسلامية من تحريم الربا وهو ربط المعاملات المالية بالاقتصاد الحقيقي ربطا وثيقا بحيث يكون التمويل داعما و تابعا للدورة الاقتصادية الحقيقية التي تخلق الثروة لا العكس كما نلاحظه في أسواق المال العالمية التي انفصمت فيها المعاملات المالية عن المعاملات الاقتصادية مما يفضي إلى تلك الأزمات المالية الحادة التي تعصف بالاقتصاديات الرأسمالية بين الفينة والفينة ويتضرر منها الاقتصاد العالمي بأكمله مما جعل

——————-

[1]  ابن قيم الجوزية – الطرق الحكمية في السياسة الشرعية – دار الكتب العلمية – بيروت – 1971 – ص 186

[2]  ابن قيم الجوزية – إعلام الموقعين عن رب العالمين – الجزء الأول – دار الحديث – القاهرة – سنة الطبع ؟ – ص 101

[3]  أبو حامد الغزالي – إحياء علوم الدين – الجزء الرابع – دار المعرفة – بيروت – الطبعة ؟ – ص 92

[4]  عبد الرحمان ابن خلدون – المقدمة – المجلد الأول – دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة – بيروت – لبنان – 1960- ص 680

[5] انظر البحث الممتاز لغردة عبد الواحد و احسن لحساسنة في مجلة التجديد – المجلد 19 – العدد 38 –  2015 – الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا – ص  170

[6] جلال الدين السيوطي – الأشباه والنظائر –  دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1983 – ص 136

[7] شيخ الإسلام ابن تيمية – تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء – مكتبة الرشد للنشر و التوزيع – الرياض – 1996 – ص 614/ 615

[8] أبو الوليد ابن رشد – بداية المجتهد و نهاية المقتصد – الجزء الثاني –  دار الإمام مالك – الجزائر – 2008– ص 128

Loading

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.