مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

سلوان القارئ: الأصل الإباحة – أ.بن جدو بلخير -الجزائر-

0 894

الأصل الإباحة

الأصل في المعاملات الإباحة : هذه هي القاعدة الكبرى التي ينبني عليها باب المعاملات المالية، وهي قاعدة صحيحة يشهد لها الكتاب والسنة والإجماع والقياس وكل الأدلة التبعية والعقلية، وهذا حقٌّ لا مراء فيه، والعلماء كما قرروا هذه القاعدة، لم يغفلوا أن لها استثناءات وتقييدات يدركها العالمون بفقه المعاملات حتى جعلوا الآية التي هي دليل هذه القاعدة (وأحل الله البيع ) من العام المخصوص، وليس من العام الذي يُراد به العموم …

مرادي أن كثيرا من العامة يتجاهلون هذا النظر، بل ترى كثيرا من المتفقهة الذين يغلب عليهم التيسير والترخُّص يغفلون عن دقيق المعاملات ومآلاتها فيُرخصِّون للناس ما هو محظور، لو أنهم أمعنوا النظر، وفي غفلةٍ من البحث وعجلةٍ منه؛ نسوا أن معنى الفقه هو الفهم الدقيق لا مطلق الفهم، وأن كثيرا من المعاملات ظاهرها الحِلّ، ويُسعفهم فيها عموم إباحة البيع، لكن ينبغي أن يُستحضَر بالتوازي مع – ما مضى- تقرير العلماء أيضا أن الأصل في أموال الناس الحرمة، تماما  كما يستحضرون أن الأصل في البيع الإباحة، من أجل ذلك جاءت تقريرات العلماء وتقعيداتهم موجهة لهذا العموم، وكان مقصد إباحة البيع كونه بديلا عن الربا، وأن الله لم يحرم شيئا إلا أوجد له – من المباح – ما يرفع الحرج عن الناس …

قد رأينا التجارة قد انتشرت في زماننا بشكل لم يُسبق إليه، واختلقت أصنافا وأشكالا من المبيعات والمعاملات يحار فيها العقل، فترى الناس تلهج : الأصل الإباحة، ولا مدعاة للتضييق، فإن الشريعة جاءت لرفع الحرج، وهذا كلام حق، لكن ينبغي أن يصدر من فقيهٍ حصيف..

يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (بين يدَي الساعةِ تسليمُ الخاصَّةِ وفشوُ التجارةِ حتى تعينَ المرأةُ زوجَها على التجارةِ وتُقطعُ الأرحامُ )

في الحديث دلالة واضحة على انتشار التجارة، وربما تنوعت حتى تبدو الإباحة حكمها بادي الرأي، وربما آلت إلى محظور …

وعلى هذا كما ينبغي للمفتي أو المجيز لمعاملةٍ ما، استصحاب أن الأصل الإباحة ينبغي عليه أيضا استحضارُ أن “الإقدام على العقد يقتضي الاعتراف باستجماع معتبراته”  إذ الحكم عن الشيء فرعٌ عن تصوُّره، جاء في السنة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه :  (ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أو من حرام ؟) وإنما يحصل هذا من فشوّ الجهل أو التمادي والتساهل في قاعدة الإباحة.

وقرر العلماء أيضا أن المناط الشرعي في جميع العلماء هو التراضي، ولكن من الخفي الواجب التيقظ له أن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام، وهذا مُجمَع عليه، فيتساهل الناس أن التراضي الظاهر الموجب للعقد واقع فليس وراءه شيء وهذا مخالف لمقصد طيب النفس ورضاها بلا إكراه..وهذا مثال من عشرات

ثم رأينا الناس تتساهل في بيوع الذهب من تأجيل مجلس القبض، وكذلك في صرف العملات، وأشياء يرونها شروطا لا تضر بأصل المعاملة المباحة، وهذا غلط ومنكر وذريعة للكبيرة

وعلم بعض الناس أن الشارع اغتفر يسير الجهالة وحقير الغرر فجعلا من هذا تكأة يتكئون عليها ليستصحبوا حكم الجواز لبعض المستجدات ..وهذا ليس للعامة لأن دأبها التساهل فلا بد من سؤال أهل الذكر واستحضار عوامل أخرى بمجموعها ينتج الحكم الصحيح.. وليس هذا مكان الاستفصال

ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب بالدرة من يقعد في السوق، وهو لا يعرف الأحكام، ويقول: لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا، وكان يطوف بالأسواق، ويضرب بعض التجار بالدرة، ويقول: لا يبع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء، أو أبى.

وبدُ : فإني أردت مما سبق تنبيه الناس  أن يرجعوا إلى العلماء وتنبيه العلماء أن يُمعنوا النظر في المعاملة حتى يتبين لهم وجه الجواز من عدمه، فإن كان التيسير على الناس مقصد شرعي فإن تمييع المحرم مما ينبغي التحذُر منه

وعلى العامة أن يتعلموا من أحكام الفقه ما يمنعهم من الوقوع في المحظور ويعصمهم من أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن الأصل الإباحة!

والسلام

وكتب

المُتحنِّنُ إليهم

بن جدو بلخير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.