مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

تطوير المالية التشاركية بالمغرب من خلال المصلحة الشرعية للتأمين التكافلي

0 1٬585

تطوير المالية التشاركية بالمغرب من خلال المصلحة الشرعية للتأمين التكافلي

الدكتور يوسف العلمي – المغرب

ملخص البحث:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

يعتبر التأمين التكافلي من أهم عقود المعاملات المالية المعاصرة، يشارك فيه مجموعة من الأفراد مع المؤسسات والبنوك التشاركية التي تعتمد معاملاتها على هذا النوع من التأمين، من خلال تخفيف الأضرار والخسارة التي قد تلحق بأحد المشتركين، وهو بذلك يحقق المصالح ويدفع المفاسد عن المكلفين، لذلك جوزه العلماء للمنافع المتحققة فيه وموافقته لقواعد الشرعية الإسلامية الرامية إلى جلب المصلحة والمنفعة والخير واليسر، ودفع الضرر والأذى والضيق والمشقة،وهذا تشجيع للناس في التعامل به مما يساهم في تطوير نظام المالية التشاركية بالمغرب.

لذلك سينطلق البحث من إشكالية مفادها: ما حكم التأمين التكافلي؟ وكيف تساهم المصلحة الشرعية للتأمين التكافلي في تطوير المالية التشاركية بالمغرب؟

وذلك بالاعتماد على المنهجين الاستقرائي والاستنباطي والمنهج المقارن والمنهج الوصفي، للكشف عن حقيقة التأمين التكافلي وحكمه الشرعي والمصلحة الشرعية المتحققة فيه ومساهمتها في تطوير المالية التشاركية بالمغرب.

الكلمات المفتاحية : التامين التكافلي ، المعاملات المالية، البنوك التشاركية، المصلحة الشرعية

 

Abstract:

Takaful insurance is considered one of the most important contracts for contemporary financial transactions, in which a group of individuals participate with institutions and participatory banks whose transactions depend on this type of insurance, by mitigating the damage and loss that may be incurred by one of the participants, and thus achieves the interests and pays the corruptions for the taxpayers. Scholars benefit from the benefits achieved in it and its conformity with the rules of Islamic legitimacy aimed at bringing interest, benefit, goodness and ease, and repelling harm, distress and hardship, and this is an encouragement for people to deal with it, which contributes to the development of the participatory financial system in Morocco.

Therefore, the research will start from a problematic that is: What is the ruling on Takaful insurance? And how does the legitimate interest of Takaful insurance contribute to the development of participatory finance in Morocco?

By relying on the inductive and deductive approaches, the comparative approach and the descriptive approach, to reveal the reality of Takaful insurance and its legal ruling and the legitimate interest achieved in it and its contribution to the development of participatory finance in Morocco.

 

 

مقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن نظام التأمين يعد جزءا من الاقتصاد الوطني والعالمي، لكون جل دول العالم تعتمد بعضا من صوره، وقد تنوع ليشمل جميع مناحي الحياة، إلا أن التأمين لا يقتصر على نوع واحد بل هو أنواع متعددة، لعل من أهمه وما كثر الحديث عنه في العصر الحالي ما يعرف بنظام التأمين التكافلي نظرا لدوره الكبير في تطوير المالية التشاركية  بالدول العربية  عموما والمغرب خصوصا، ومساهمته في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وموافقته لقواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها الرامية إلى إقامة مجتمع أساسه التعاون والتكافل بين أفراد المسلمين، من خلال توزيع الأخطار والتعاون على تحمل الضررومساعدة المحتاج، فهو بمثابة تعاقد على التعاون على تحمل المصيبة وتخفيف أثر الكوارث والخسائر التي قد تحل بأحدهم.

لذلك جاء هذا البحث المختصرفي محاولة تقريبية ومقاربة شرعية تضع نظام التأمين التكافلي في قالب شرعي، تبرز جوانبه المصلحية مما يساهم في الرفع من جودته ويشجع على التعامل به، وهذا يدفع إلى تطوير المالية التشاركية بالمغرب على وجه الخصوص.

إشكاليته:

إذا كان الشرع الحكيم قد قرر قاعدة شرعية مفادها: “جلب المصلحة ودفع المفسدة”، فإن نظام التأمين التكافلي يسعى إلى تحقيق هذه القاعدة، مما يفتح المجال لطرح الإشكالية المركزية الآتية: ما حكم التأمين التكافلي؟ وكيف تساهم المصلحة الشرعية للتأمين التكافلي في تطوير المالية التشاركية بالمغرب؟

 

 

المنهج المعتمد:

بما أن الموضوع يرتكز على المصلحة الشرعية للتأمين التكافلي ودوره في تطوير المالية التشاركية بالمغرب، فسيتم الاعتماد في دراسة الموضوع وتحليله على المناهج الآتية:

  • المنهج الاستقرائي والاستنباطي: من خلالجمعالمادة العلمية والوقوف عند النصوص والأقوال ذات الصلة بجزئيات الموضوع واستنباطها لتكون مفيدة من حيث المعنى والمبنى.
  • المنهج المقارن: يمكن اعتماده في المقارنة بين جزئيات من الموضوع تقتضي ذلك.
  • المنهج الوصفي التحليلي: يظهر عند تصوير مسألة التأمين التشاركي في إطار الشرع ومقتضياته وإبراز حكمه ومكانته المصلحية الشرعية وربطه بتطوير المالية التشاركية بالمغرب.

قيمته العلمية:

تتجلى قيمة هذا الموضوع في كونه بحثا يكشف عن حقيقة التأمين التكافلي وحكمه في إطار الشرع الحكيم ومكانته المصلحية الشرعية التي تحقق تطويرا للمالية التشاركية بالمغرب.

محتوياته:

نظرا إلى طبيعة الموضوع ومنهجه والأهداف المرجوة يمكن تقسيم البحث إلى:

مقدمة.

تمهيد: في تحديد مفاهيم البحث ومفرداته.

المبحث الأول: في بيان حكم التأمين التكافلي من منظور الشرع الحكيم.

المبحث الثاني: في المصلحة الشرعية المتحققة في التأمين التكافلي ودورها في تطوير المالية التشاركية بالمغرب.

خاتمة: تتضمن أهم النتائج المتوصل إليها من خلال هذا البحث.

تمهيد: في تحديد مفاهيم البحث ومفرداته:

سيتم في هذا التمهيد المختصر التعرف على أهم مفردات البحث وهي كالآتي:

  • المصلحة الشرعية: عرفها الإمام الغزالي رحمه الله بقوله: ” هي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلف خمسة، وهو: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة، ودفعها مصلحة، وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس”.[1]

 

  • التأمين التكافلي:هو تعاون مجموعة من الأشخاص ممن يتعرضون لنوع من الخطر أو أخطار عديدة على تعويض الخسارة التي قد تصيب أحدهم، و هذا بقيامهم باكتتاب مبالغ مالية حيث يتمبواسطتها تعويض المكتتبين عند وقوع الخطر المؤمن منه.[2] أو هو اتفاق بين شركة التأمين التكافلي باعتبارها ممثل لهيئة المشاركين و بين الراغبين في التأمين (سواء كانوا أشخاص طبيعيين أو معنويين) على قبوله عضوا في مجموعة المشتركين والتزامه بدفع مبلغ مالي معلوم على نية التبرع لصالح حساب التأمين مقابل أن يدفع له عند نشوءالخطر طبقا لوثيقة التأمين والأسس الفنية و النظام الأساسي للشركة.[3]

 

المبحث الأول: في بيان حكم التأمين التكافلي من منظور الشرع الحكيم.

ذهب أغلب العلماء إلى القول بجواز التأمين التكافلي بما فيهم مجمع الفقه الإسلامي والمجمع الفقهي الإسلامي واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء،[4] واستدلوا على ذلك بشواهد من القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه الإسلامي، من ذلك:

  • قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ}[5]؛
  • وقوله عز وجل: {إِنَّمَا المُومِنُونَ إِخْوَةٌ}[6]؛
  • وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ”[7]؛
  • وقوله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ المؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى”[8]؛
  • وقوله عليه السلام: “المؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا”[9]؛
  • نظام العاقلة في الفقه الإسلامي حيث لو جنى شخص جناية قتل خطأ، يكون حكمه الدية وليس القصاص، فدية المقتول توزع على أفراد العائلة، وبنظام المولاة عند الحنفية أيضا كما رأينا سابقا، حيث يقول شخص مجهول النسب لآخر أنت وليي تعقل عني إذا جنيت، وترثني إذا مت، فيقول: قبلت.

ويقول وهبة الزحيلي: “لا شك في جواز التأمين التكافلي في منظار الفقهاء المسلمين المعاصرين، لأنه يدخل في عقود التبرعات، ومن قبيل التعاون المطلوب شرعاً على البر والخير،لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس، لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين، أيا كان نوع الضرر، ولأنه لا يستهدف تحقيق الأرباح”.[10]

وفي موضع آخر يقول: “ويجوز التأمين التكافلي لقيامه على التبرع، والتعاون على البر والخير والإحسان المحض من غير معاوضة.”[11]

جاء في كتاب الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية:

“بالنظر في حقيقة هذا التأمين نجد أن معناه وغايته هو التعاون على تفتيت الأخطار والمصائب التي تقع على بعض الأفراد عن طريق التعويض الذي يدفع للمصاب من المال المجموع من أقساطهم، وليس الغرض منه الاستغلال أو الربح، لأن مبادىء الشريعة السمحة وقواعدها العامة تدعو لكل ما من شأنه توثيق الروابط بين أفراد المجتمع وتخفيف ويلاتهم، قال تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الاِثْمِ وَالعُدْوَانِ}[12]، فالإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع على أساس من التعاون والتكافل، لأن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، وليس في هذا التأمين أكل للمال بالباطل، لأن ما يعطى إنما يعطى تبرعا من المجموع.”[13]

وجاء في كتاب عقود التأمين حقيقتها وحكمها:

“لقد انتهى أكثر الباحثين في التأمين إلى أن عقود التأمين عقود محرمة إلا أن بعضهم استظهر جواز عقد التأمين التعاوني وفرق بينه وبين التأمين التجاري معتمداً على بعض الشواهد والفروق وقالوا إنه يمكن إيجاد نظام تأمين تعاوني يتفق مع نصوص الشريعة وقواعدها، واستدلوا على ذلك بالنصوص الآمرة والمرغبة بالتعاون على البر والتقوى والتواد والتراحم والتعاطف بين أفراد المسلمين”.[14]

فقصد المشترك من ذلك ثواب الله تعالى، ومساعدة المحتاج، وليس المقصود عائدا دنيويا، وهذا النوع من التأمين خال من المحاذير الموجودة في التأمين التجاري، وذلك لأنه تبرع وليس معاوضة، وإنما يقصد منه التعاون على دفع الأضرار المحتملة.[15]

فهو تعاون محض على تخفيف أثر الكوارث وترميم آثارها بقدر الاستطاعة، ولا يقصد من ورائه تحقيق الأرباح، وهو تأمين لا يؤثر فيه الغرر لأنه تعاون محض، وينبغي أن يراعى في حفظ الأموال واستثمارها بالطرق الشرعية والابتعاد عن كل ما هو محرم شرعا كالربا.[16]

فأعضاء شركة التأمين لا يسعون إلي تحقيق ربح، بل إلى تخفيف الخسائر التي تلحق بعض الأعضاء، فهم يتعاقدون ليتعاونوا على تحمل مصيبة قد تحل ببعضهم، وتدار الشركة بوساطة أعضائها، فكل واحد منهم يكون مؤمنا ومؤمنا له.[17]

 

 

 

 

المبحث الثاني: في المصلحة الشرعية المتحققة في التأمين التكافلي ودورها في تطوير المالية التشاركية بالمغرب

إن القول بتحريم كل أنواع التأمين فيه نظر، فالقول بجواز التأمين التكافلي عند أغلب العلماء ما هو إلا بديل للناس عن التعامل بالتأمين التجاري المحرم، والشرع الكريم لا يحرم شيئا إلا ويجعل في مقابله حلالا يغني المكلف عن التفكير في الحرام والمضي فيه، وما هذا إلا مصلحة ظاهرة يراعيها الشرع، وتحقيق المصلحة تخفيف عن الناس وتيسير على المكلفين، لذلك فالمفتي أو الفقيه المجتهد العالم بأحوال الناس لا يصدر حكما إلا ويرى فيه مصلحة ترجع على المكلف، لكنها تكون مضبوطة وفق ضوابط الشرع وأحكامها، فقوله بالتحريم قول مصلحي، بحيث ينظر للمسألة من كل جوانبها، فإن غلبت المفسدة على المصلحة قال بالتحريم؛

فالتأمين التجاري مثلا يتضمن غرار فاحشا وكبيرا، لأنه يتعلق بحصول العوضين ومقدارهما، ومبلغ التأمين الذي وقع عليه العقد قد يحصل عليه المستأمن وقد لا يحصل بحسب الخطر وتحققه، والمستأمن يجهل مقدار ما سيأخذ والشركة تجهل مقدار مجموع الأقساط، وأنه من قبيل بعض المحرمات كالمقامرة والرهان، فقد تقع الحادثة فيغرم المستأمن كل مبلغ التأمين، وقد يأخذ أقساطا من التأمين بلا مقابل إذا لم يحدث أي خطر، وتضمنه للربا بنوعيه من فضل ونسيئة، لأن فيه بيع نقد بنقد، بحيث يتفق المستأمن مع الشركة على أن يدفع قسطا من المال ويأخذ قسطا منه أيضا في حالة حدوث حادثة، وغير ذلك مما يجعل التعامل بهذا النوع من التأمين يعود بالمفسدة على المكلف، وغير ذلك.

وإن كان فيه شيء من المصالح بحيث يمنح للمستأمن الأمن والأمان أحيانا، لكن أضراره فاقت منافعه، ومفاسده غلبت مصالحه، فهذه الشركات تسعى لتحقيق مصالحها وما يخدمها ولا يهمها ظروف المجتمع وحاجاته.

والمصالح في الشريعة الإسلامية، منها ما هو معتبر حجة، ومنها ما هو مرسل (المصلحة المرسلة) بحيث لم يشهد له الشارع بالاعتبار ولا بالإلغاء، ومنها ما شهد له الشرع بالإلغاء وعدم الاعتبار، لما فيه من مفاسد كثيرة مقارنة مع مصالحه، كالخمر والقمار والربا والغرر وغيرهم، وهذا ما لاحظناه في التأمين التجاري، فلا تعتبر المصلحة إلا بعدم تصادمها مع القرآن الكريم أو السنة النبوية أو مقاصد الشريعة الإسلامية، وألا تكون خاصة بفئة معينة، وأن تكون حقيقية لا وهمية، وأن تحفظ وتحافظ على الضروريات الخمس، وأن تكون فيما يعقل معناه دون مالا يعقل؛

وهذا لا نراه متحققا في التأمين التجاري فهو يعارض النصوص المحرمة للربا والغرر والقمار ونحوه، ويحقق المصلحة لفئة معينة ومخل بالأمر الضروري.

يقول وهبة الزحيلي: “أما الحاجة العامة: فهي ما يكون الاحتياج فيها شاملاً لجميع الناس، وأما الحاجة الخاصة: فهي ما يكون الاحتياج فيها خاصاً بطائفة من الناس كأهل بلد أو حرفة كما تقدم، ومعنى كون الحاجة متعينة: أن تنسد جميع الطرق المشروعة للوصول إلى الغرض، سوى ذلك العقد الذي فيه الغرر، ولو سلمنا بوجود الحاجة للتأمين في الوقت الحاضر، فإن الحاجة إليه غير متعينة، إذ يمكن تحقيق الهدف منه بطريق التأمين التعاوني القائم على التبرع، وإلغاء الوسيط المستغل لحاجة الناس، والذي يسعى إلى الربح، وهو شركة الضمان، فيكون التأمين عقد معاوضة مشتملا على غرر كثير من غير حاجة متعينة في الإسلام، فيمنع، وإذا سلمنا بكون الحاجة متعينة، جاز التأمين بالقدر الذي يزيل الحاجة فقط، عملا بالقاعدة الشرعية: (الحاجة تقدر بقدرها)، ومما يدل على فساد التأمين: أن الغرر المفسد للعقد يشترط فيه أن يكون المعقود عليه أصالة، وهذا متحقق في عقد التأمين التجاري.[18]

أما إذا غلبت المصلحة على المفسدة، فقول الفقيه المجتهد بالجواز أولى، كما هو الأمر في التأمين التكافلي القائم على البر والخير والإحسان والفضل والمساعدة، بحيث يخفف الآثار والمخاطر ومعالجة الأضرار التي قد يصاب به أحد المشتركين، كما أنه يوافق قواعد الشريعة الإسلامية في دعوتها لكل ما من شأنه توثيق الروابط بين أفراد المجتمع وإقامة مجتمع على أساس التعاون والتكافل.

فهو مرغب في التعاون ومحفز على البر والتقوى ومشجع على التواد والتراحم والتعاطف بين أفراد المسلمين، من خلال توزيع الأخطار والتعاون على تحمل الضرر، وبذلك يساعد المسلم المحتاج وينال الأجر والثواب، فهو بمثابة تعاقد على التعاون على تحمل المصيبة وتخفيف أثر الكوارث وترميمها وتخفيف الخسائر التي قد تحل بأحدهم.

وهذا ما قرره صاحب كتاب “يسألونك عن المعاملات المالية المعاصرة”إذ يقول:

“إن التأمين التكافلي من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحا من أموال غيرهم وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر، وأنه خال من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النساء فليست عقود المساهمين ربوية ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية، ولا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مغامرة بخلاف التأمين التجاري فإنه عقد معاوضات مالية تجارية، وقيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشئ هذا التعاون سواء كان القيام بذلك تبرعاً أو مقابل أجر معين”.[19]

ويقول عبد اللطيف محمود:

“والتأمين التكافلي مكافح للفقر ويساهم في حماية المجتمع من الفوضى والذلة، ويحافظ على مستوى معين من العيش الكريم، سواء للمؤمن أو لعائلته من مصاريف العلاج وغيرها، حيث يجعل المسلم مطمئنا في عيشه، فلا يخشى من الحرمان من الجوع أو الخصاصة التي قد تهدده وتهدد عائلته.

والتأمين التكافلي يهدف إلى مكافحة الفقر وحماية المجتمع من الفوضى والذلة لعدد كبير من أفراد المجتمع، وهم الذين يعتمدون في حياتهم على رواتبهم أو أجورهم، ويهدف إلى الحفاظ على مستوى معين من العيش الكريم للمؤمن عليه ولعائلته بما يقدمه من إعانات عائلية، وما يدفعه من مصاريف استثنائية كمصاريف العلاج، ولا تهدف جهة التأمين الاجتماعي إلى تحقيق الأرباح المالية منه على حساب الممولين، كما في التأمين التجاري، أما الاستثمار الذي تقوم به تلك الجهة فإن الهدف منه إيجاد مورد مالي آخر يساعد على تخفيف الاشتراكات التي يدفعها الممولون – المؤمن عليهم وأصحاب العمل والدولة – أو يساعد على زيادة المردود المالي للمستفيدين، فهي لا تحقق الربح لها، وما يأتي من أرباح الأموال المستثمرة إنما ترجع إلى المستفيدين منه.[20]…كما أنه يحقق الأمان الاقتصادي للمؤمن عليه وللمستحقين عنه من معاليه، فيعيش المؤمن عليه وهو مطمئن إلى أن الجوع والحرمان والخصاصة لن تتهدده، ولن تتهدد معاليه بما سيجده من بدل عن الدخل إن اضطر للانقطاع عن العمل بسبب مؤقت – كمرض عادي طارئ – أو بطالة، أو بسبب مستمر کعجز أو موت، وإلى أنه سيجد ما يعينه على تحمل النفقة المالية غير المتوقعة إذا طرأت، کنفقات العلاج ونفقات الولادة، وإلى أنه سيجد المعونة على العيش الكريم إن كانت له أسرة، أو رزق بمولود جديد، أو أعال أقاربه الذين هم بحاجة إلى رعايته لكبرهم، أو مرضهم، أو عجزهم، أو فقرهم”.[21]

فإذا كان التأمين التجاري قائما على الالتزام بالمعاوضة، حيث يلتزم المؤمن بالتعويض بناء على ما دفع، وهو مبني على المخاطرة، فتلتزم الشركة بتعويض هذا الخطر بمقابل، فإن التأمين التكافلي يصرف التعويض من مجموع الأقساط الموجودة، وليس فيه أخذ أجر على الضمان.

ثم إنه يدفع المستأمن إلى الحرص الشديد على عدم الوقوع في الحوادث، لأن آثار ذلك ستعود عليه، بخلاف التأمين التجاري الذي يجعل المستأمن لا يهم ذلك، لكونه دفع القسط ولن يعود عليه شيء.

 

لذلك فكثير من الناس يخشون التعامل بأنظمة التأمين التي بدت أضرارها واضحة، لتأثيرها الشرعي والنفسي على المتعاقد مع الشركة، فلا يرتاح قلبا ولا عقلا إذا انخرط فيها، فكان التعامل بالتأمين التشاركي فسحة شرعية جديدة اعتمدت في تطبيقها بعض الدول العربية لا سيما في بلاد المغرب، لذلك فالتعامل بها يحقق كثيرا من المصالح الشرعية التي سبقت الإشارة إليها مما يدفع الناس إلى المشاركة الإيجابية في تطوير هذا النوع من العقود التي أباحها الشرع بنصوص شرعية واجتهادات فقهية.

فالمشاركة الإيجابية في تطوير المالية التشاركية بالمغرب يتحقق من خلال تشجيع هذا النوع من التأمين خصوصا وأن الناس في حاجة ماسة إلى عقود ترفع عنهم الحرج والضيق مع توافقها مع نصوص الشرع الحكيم.

ومن تم فالمصلحة الشرعية للتأمين التكافلي سبيل لتشجيع الناس على التعامل مع المؤسسات والبنوك التشاركية وهذا في حد ذاته مساهمة إيجابية لتطوير المالية التشاركية بالمغرب.

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

من خلال ما سبق، يمكن تلخيص أهم نتائج هذا البحث في النقاط الآتية:

  • أن المصلحة الشرعية المراد الحديث عنها في هذا الموضوع هي كل ما يجلب المصلحة ويدفع المفسدة عن المكلفين مع توافقها مع نصوص الشرع الحكيم وحفظها للضروريات المقاصدية الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
  • أن التأمين التكافلي هو تعاون جماعي يحقق دفع الضرر والخسارة الممكن وقوعها، ويكون باتفاق مع شركة التأمين التكافلي أو البنوك التشاركية التي تعتمد معاملتها على هذا النوع من التأمين، حيث يقوم كل فرد منخرط معها بدفع جزء من المال، لتعويض الأضرار والخسائر التي قد يصاب بها أحدهم.
  • أن وضع التأمين التكافلي في ميزان الشرع يوصلنا إلى القول بجوازه وهو ما قرره العلماء والفقهاء بناء على قاعدة: “جلب المصالح ودفع المفاسد”، واستنادا إلى الأدلة الشرعية والفقهية لأثبات صحة هذا العقد.
  • أن التأمين التكافلي يحقق المصالح الشرعية وييسر عن المكلفين من خلال التعاون الجماعي على تخفيف الأضرار والخسائر الذي قد تقع لأحدهم.
  • أن المصلحة الشرعية المتحققة في التأمين التكافلي تدفع إلى المشاركة الإيجابية وتشجيع التعامل مع المؤسسات والبنوك التي تقوم معاملتها على النوع من التأمين مما يساهم في تطوير المالية التشاركية في الدول العربية عموما والمغرب خصوصا.
  • أن الشرع الحكيم جاء لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد، وكل ما يحقق المصلحة الشرعية التي تعود بالنفع والخير على المكلفين يشجع عليه، كما هو الشأن بالنسبة للتأمين التكافلي في المعاملات المالية المعاصرة.

والحمد لله رب العالمين

المصادر والمراجع:

 

  • التأمين الاجتماعي في ضوء الشريعة الإسلامية، عبد اللطيف محمود آل محمود، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1414هـ/1994م.
  • التأمين في ميزان الشريعة الإسلامية (دراسة فقهية مقارنة)، بديعة علي أحمد، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2011.
  • الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه المسمى بصحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى 1422ه.
  • الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية، الشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز (تـ 1405هـ)، اعتنى بإخراجه وترجم لمؤلفه بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة للنشر والتوزيع.
  • عقود التأمين حقيقتها وحكمها، حمد بن حماد بن عبد العزيز الحماد، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: السنة السابعة عشر -العدد الخامس والستين، السادس والستين – محرم -جماد الأخرة 1405هـ.
  • الفقه الإسلامي وأدلته (الشامل للأدلة الشرعية والآاراء المذهبية وأهم النظريات الفقهية وتحقيق الأحاديث النبوية وتخريجها)، أ. د وهبة بن مصطفى الزحيلي، أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلامي وأصوله بجامعة دمشق – كلية الشريعة، دار الفكر – سورية– دمشق، الطبعة الرابعة المنقحة المعدلة.
  • مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، تصدر عن منظمة المؤتمر الاسلامي بجدة.
  • المستصفى، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ)، حققه محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1413هـ – 1993م.
  • المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري ت 261هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي بيروت.
  • معالم التأمين الإسلامي مع تطبيقات عملية لشركات التأمين الإسلامية (دراسة فقهية للتأمين التجاري والإسلامي)، صالح العلي، سميح الحسن، دار النوادر، دمشق، 2010 .
  • المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، محمد عثمان شبير، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، ط 6، 1427هـ/2007م، طبعة مزيدة ومنقحة.
  • الموسوعة الميسرة في فقه القضايا المعاصرة، مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة، المملكة العربية السعودية، الرياض، 1435هـ/2014م.
  • يسألونك عن المعاملات المالية المعاصرة، حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة، المكتبة العلمية ودار الطيب للطباعة والنشر – القدس / أبوديس، الطبعة: الأولى (أبوديس / بيت المقدس / فلسطين)، 1430هـ – 2009م.

 

[1]– المستصفى، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ)، حققه محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1413هـ – 1993م، ج2 ص 481-482.

[2]– التأمين في ميزان الشريعة الإسلامية (دراسة فقهية مقارنة)، بديعة علي أحمد، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2011، ص240.

[3]– معالم التأمين الإسلامي مع تطبيقات عملية لشركات التأمين الإسلامية (دراسة فقهية للتأمين التجاري والإسلامي)، صالح العلي، سميح الحسن، دار النوادر، دمشق، 2010 ،ص 228.

[4]– ينظر قرار مجلس المجمع الفقهي بشأن التأمين بشتى صوره وأشكاله، مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، تصدر عن منظمة المؤتمر الاسلامي بجدة، ج2ص 470 وما بعدها.

[5]– سورة المائدة الآية 02.

[6]– سورة الحجرات الآية 10.

[7]– صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، الرقم 38.

[8]– نفسه، الرقم 66.

[9]– صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا، الرقم 2446.

[10]– الفقه الإسلامي وأدلته (الشامل للأدلة الشرعية والآاراء المذهبية وأهم النظريات الفقهية وتحقيق الأحاديث النبوية وتخريجها)، أ. د وهبة بن مصطفى الزحيلي، أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلامي وأصوله بجامعة دمشق – كلية الشريعة، دار الفكر – سورية– دمشق، الطبعة الرابعة المنقحة المعدلة، ج 5 ص 3422 بتصرف.

[11]– نفسه، ص 4185، بتصرف.

[12]– سورة المائدة الآية 02.

[13]– الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية، الشيخ الدكتور عمر بن عبد العزيز (تـ 1405هـ)، اعتنى بإخراجه وترجم لمؤلفه بكر بن عبد الله أبو زيد، دار العاصمة للنشر والتوزيع، ص 405-406.

[14]– عقود التأمين حقيقتها وحكمها، حمد بن حماد بن عبد العزيز الحماد، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة: السنة السابعة عشر -العدد الخامس والستين، السادس والستين – محرم -جماد الأخرة 1405هـ، ص 92.

[15]– الموسوعة الميسرة في فقه القضايا المعاصرة، مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة، المملكة العربية السعودية، الرياض، 1435هـ/2014م، ص 335 بتصرف.

[16]– المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، محمد عثمان شبير، دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن، ط 6، 1427هـ/2007م، طبعة مزيدة ومنقحة،ص 87 بتصرف.

[17]– مجلة مجمع الفقه الإسلامي، م.س، ج2 ص 397 بتصرف.

[18]– الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، م.س، ج5  ص 3426.

[19]– يسألونك عن المعاملات المالية المعاصرة، حسام الدين بن موسى محمد بن عفانة، المكتبة العلمية ودار الطيب للطباعة والنشر – القدس / أبوديس، الطبعة: الأولى (أبوديس / بيت المقدس / فلسطين)، 1430هـ – 2009م،ج1 ص 288.

[20]– التأمين الاجتماعي في ضوء الشريعة الإسلامية، عبد اللطيف محمود آل محمود، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1414هـ/1994م، ص 332.

[21]– نفسه، ص 336.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.