مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

أحكام بدل الخلو وتطبيقاته المعاصرة

0 5٬422

أحكام بدل الخلو وتطبيقاته المعاصرة

للطالــب البـــــاحث: عبد الرزاق ابراهمي. أستـاذ بالعليم الثانوي التأهيلـي

مسجل: بالكلية المتعـددة التخصصات بالراشيدية

عنوان الأطروحـــة: الشهـادة في القرآن والحـديـث

 

بسم لله الرحمن الرحیم والصلاة والسلام على نبینا وحبیبنا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن مصالح الناس مرتبطة بعضها ببعض, وكل فرد یستفید من الآخر بالبیع والشراء وغیره, ویعتمد كل واحد على الآخر في سد الحاجات، ومع تطور الزمن تطورت معه المعاملات المالیة، وتوسعت توسعا كبیرا ملحوظا، في حين نجد الشریعة الغراء باعتبارها آخر الشرائع السماویة، جاءت سمحة مرنة سهلة شاملة، تتناسب مع المسائل التي تصلح لكل زمن ومكان مهما تطور العلم أو تقدم, فما من حادثة تحدُث إلا ولها في الشریعة الإسلامية أساس أو قاعدة تبنى عليه، أو تتفرع عنه، فیردها العلماء الباحثون إلى أصلها وحكمها.

فمن ھذه الحوادث قضیة بدل الخلو, وھي قضیة حدیثة العھد, شغلت بال عقول الكثیر من الناس, علماء وفقھاء ودعاة, والسبب في ذلك ھو السؤال عنھا في كثیر من الأحیان، وإن اختلفت صیغة السؤال عنها، فمنھم من یقول ما حكم بیع المفتاح؟ وآخر یقول ما حكم بدل الخلو؟ والآخر یقول ما حكم الفروغیة؟ في حین الآخر یسأل عن خلو الحوانیت والجلسة, اختلفت الأسئلة لكن المسؤول عنه واحد.

فالهدف من هذا المقال هو معرفة كيفية تصوير المسألة فقهيا، إضافة إلى معرفة صورها، وأقوال العلماء في ذلك، وفي الأخير بيان الحكم للصورة التي يتعامل بها الناس حديثا.

لقد تبین لنا بعد ھذا المقال الفقھي المتواضع الذي تم فیه تفصیل المسألة، وبیان آراء الفقھاء ومذاھبھم فیھا وأدلتھم ومناقشتھا ما یأتي:

  • مسألة بدل الخلو لازالت في حاجة إلى الدراسة والبحث نظرا لكثرة صورھا وشدة اختلاف أنظار الفقھاء فیھا.
  • ینبغي للفقیه أو المفتي أن یدرك صور مسألة بدل الخلو لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فالبعض قد یسأل عن مسألة بدل الخلو فیفتي بالمنع أو الجواز دون أن یعرف حقیقة الصورة المسؤول عنھا.
  • بدل الخلو من الحقوق المعنویة، إذ ھو أخذ عوض مقابل إخلاء المكان.
  • التكییف الفقھي لبدل الخلو ولاسیما في الصور الجائزة بیع منافع، وھذا نوع من البیوع أجازه الجمھور.
  • أجاز الجمھور بدل الخلو إذا كان عقد الإجارة مستوفیا لشروطه، ولاسیما في صورة ما یأخذه المستأجر من المستأجر الجدید أثناء مدة العقد.

 

In the name of God, the Most Gracious, the Most Merciful, and prayers and peace be upon our Prophet and our beloved Muhammad, and upon his family and companions, as for what follows:

The interests of the people are linked to each other, and each individual benefits from the other by buying and selling and other things, and each one depends on the other to meet the needs, and with the development of time, financial transactions have developed with him, and they have expanded significantly and noticeably, while we find the glorious Sharia as the last of the heavenly laws, tolerance came Flexible, easy, comprehensive, commensurate with issues that are suitable for every time and place, no matter how science develops or progresses.

Among these incidents is an issue instead of vacancy, and it is a recent issue that has occupied the minds of many people, scholars, jurists and advocates, and the reason for that is the question about it often, and if the formula of the question is different, some of them say what is the ruling on selling the key? And another says what is the ruling instead of vacancy? And the other says, What is the ruling on ferogue? While the other asks about the empty stores and the session, the questions differed, but the one responsible for it.

The aim of this article is to know how to portray the issue jurisprudentially, in addition to knowing its images, and the sayings of scholars on that, and in the end, a statement of the ruling for the image that people deal with recently.

After this modest jurisprudential article in which the issue was detailed, and the views of the jurists, their doctrines and evidence for it, and their discussion, it became clear to us as follows:

-The issue of the allowance for vacancy is still in need of study and research due to the large number of its forms and the severity of the differing views of the jurists on it.

-The jurist or the mufti should understand the forms of the issue of the substitution of vacancy, because the ruling on a thing is a branch of its perception.

-Instead of being devoid of moral rights, he took compensation in exchange for vacating the place.

-Jurisprudential adaptation of the allowance for vacancy, especially in pictures that are permissible to sell benefits, and this is a type of sale that the public has approved.

-The public has permitted the vacancy allowance if the lease contract fulfills its conditions, especially in the form of what the tenant takes from the new tenant during the term of the contract.

 

 

 

بسم لله الرحمن الرحیم والصلاة والسلام على نبینا وحبیبنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعین بإحسان إلى یوم الدین. إن مصالح الناس مرتبطة بعضها ببعض, وكل فرد یستفید من الآخر بالبیع والشراء وغیره, ویعتمد كل واحد على الآخر في سد الحاجات, فالنجار یسد حاجة الناس بصناعة النجارة, والبناء یسد حاجة الناس للبناء, والصانع والزارع والتاجر وغیرهم، كل واحد یسد حاجة الآخر بما یمارسه من مهنة. ومع تطور الزمن تطورت معه المعاملات المالیة، وتوسعت توسعا كبیرا ملحوظا، في حين نجد الشریعة الغراء باعتبارها آخر الشرائع السماویة، جاءت سمحة مرنة سهلة شاملة، تتناسب مع المسائل التي تصلح لكل زمن ومكان مهما تطور العلم أو تقدم, فما من حادثة تحدث إلا ولها في الشریعة الإسلامية أساس أو قاعدة تبنى عليه، أوتتفرع عنه، فیردها العلماء الباحثون إلى أصلها وحكمها.

فمن ھذه الحوادث قضیة بدل الخلو, وھي قضیة حدیثة العھد, شغلت بال عقول الكثیر من الناس, علماء وفقھاء ودعاة, والسبب في ذلك ھو السؤال عنھا في كثیر من الأحیان, وإن اختلفت صیغة السؤال عنها, فمنھم من یقول ما حكم بیع المفتاح؟ وآخر یقول ما حكم بدل الخلو؟ والآخر یقول ما حكم الفروغیة؟ في حین الآخر یسأل عن خلو الحوانیت والجلسة, اختلفت الأسئلة لكن المسؤول عنه واحد، ویمكننا أن نتناول ھذه المسألة على منھج الدراسة الآتیة :

  • أولا: تعریف المسألة
  • ثانیا: تصویر السألة
  • ثالثا. تحریر محل النزاع
  • رابعا: السیاق الفقھي للمسألة
  • خامسا: التكییف الفقھي للمسألة
  • سادسا: مستویات البناء الحجاجي
  • سابعا: الدراسة المقارنة
  • النتائج

أولا :التعریف بالمسألة

تعريف الخلو لغة:

إذا رجعنا إلى المعاجم اللغوية نجد أن كلمة “خلا” لها عدة معاني، منها ” الفراغ، والانفراد، والمضي”[1]، قال تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها من نذير) فاطر/23، والخلو كلمة مولدة، ولعلها مأخوذة من قول العرب: أخليت المكان، أي: جعلته خالياً، ووجدته كذلك، ويجمع على خلوات، فكأن تسميته بالخلو مأخوذة من تخليه عما تحت يده إلى الغير.

یقال خلا المكان خلوا وخلاء, أخلا واستخلا ، أي: فرغ, ومكان خلاء: ما فیه أحد”[2].

الخلو اصطلاحا :

ما یأخذه المستأجر مقابل خروجه من السكن، وتنازله عنه للمسأجر الجديد أو للمالك، ویسمى “خلو الرجل،”  أو القفلیة”  أو “الفروغیة”.

عرفه الأجهوري بأنه: اسم لما يملكه دافع الدراهم من المنفعة التي دفع الدراهم في مقابلتها”[3]

وعرف الشيخ الزحيلي بدل الخلو فقال: مبلغ من المال يدفعه الشخص نظير تنازل المنتفع بعقار عن حقه في الانتفاع به[4]. وله تسميات وأنواع قد تختلف بعض الشيء فقد يسمى الجلسة، وخلو الحوانيت، والإنزال، والتقبيل، والفروغية، ونقل القدم أو نقل الرجل، كل ذلك حسب المناطق البلدان.

ثانیا : صورة المسألة

بدل الخلو ھو المال الذي یأخذه المستأجر لإخلاء المحل المكترى إما من المستأجر الجدید أو من المالك، جاء في فتح العلي المالك ما نصه “ومقتضى الحال في المسألة الواقعة لھم أن حوانیت الأوقاف بمصر جرت عادة سكانھا أنهم إذا أراد أحدھم الخروج من الدكان أخذ من الآخر مالا على أن ینتفع بالسكنى فیه ویسمونه خلوا”.[5]

فھذه المسألة لھا أربع صور، ویختلف الحكم الشرعي باختلاف الصور، وھي كالآتي:

1 ـ أن يأخذه المالك وناظر الوقف من المستأجر عند العقد.

2 ـ أن يأخذ المستأجر بدل الخلو من مستأجر آخر.

3 ـ أن يأخذه المستأجر من المالك قبل نهاية المدة.

4 ـ أن يأخذه مستأجر الوقف من شخص آخر.

لكن قد يجد القارئ في بحث آخر أكثر من هذه الصور المذكورة، وذلك راجع إلى التفصيل في زمن العقد، هل وقع في مدة العقد أم بعده، أم اتفقوا عيله أثناء العقد، هذا التفصيل يحتاج إلى بحث مطول، أما المسألة التي سأحاول التفصیل فیھا، فهي الصورة الثانية، باعتبارھا الواقعة في أسواقنا حالیا والناس یسألونا عنھا.

ثالثا: تحریر محل النزاع

بدل الخلو الذي یأخذه المستأجر من المستأجر الجدید له صورتان :

أ} أن یأخذه بعد نھایة المدة، فھذا لا یجوز، لأنه یكون تصرفا في ملك الغیر، ولا حق له في التصرف إلا بإذن المالك.

ب} أن یأخذه قبل انتھاء المدة، وھذه الصورة ھي التي وقع فیھا الخلاف.

رابعا: السیاق الفقھي.

مسألة بدل الخلو تدخل ضمن المعاملات المالية بشكل عام، وبشكل خاص فھي تدخل ضمن الإجارة، كما تحدث عن ذلك الفقھاء.

بدأ الحدیث عن بدل الخلو في عھد السلطان الغوري، حیث إنه بنى دكاكین واشترط على من یكتریھا أن یدفع له قیمة جملیة تعطیه حق البقاء فیھا، وقال بدر الدین” : كان ھذا في الأزمان السابقة ولكن بدل الخلو لم یكن منتشرا، ثم لما ألتزمت القوانین الوظعیة في بعض الدول بعدم استخراج المستأجرین مھما طالت المدة، فتضرر الملاك بذلك إذ أصبحت الأجرة زھیدة بمرور الزمان، فصار الملالك یطالبون ببدل الخلو دفعا لضرر المتوقعة، ثم تبعھم المستأجرون في ذلك، وارتفعت الأسعار تبعا للموقع, ثم راجت الفكرة وانتشرت بسبب الازدھار الاقتصادي, فسمي التعویض الذي یطلبه المستأجر من المستأجر الجدید ببدل الخلو”[6].

إن قضیة الخلو من القضایا الحدیثة, التي لھا جذورھا في الماضي, فھي مصطلح قدیم في المعاملات التاریخیة, ولھا مصطلح جدید في المعاملات المعاصرة.

ویمكن أن نعید أول بزوغ للخلو كمصطلح قدیم وحادثة أولى عند الفقھاء إلى القرن التاسع الھجري, ففي عھد السلطان الغوري بنى حوانیت وأسكنھا التجار بالخلو, واشترط على من یكتریھا أن یدفع له قیمة جملیة تعطیه حق البقاء فیھا، والتي أفتى الشیخ ناصر الدین اللقاني المالكي بجوازھا, وكان ھذا أول مبدأ العمل بالخلو وكان خاصا في الأوقاف, ثم توسع الناس فیه حتى شمل الأملاك الخاصة.

ثم في مطالع القرن الحالي أوجدت القوانین التجاریة بعض المشكلات التي تعترض المستأجر والمالك اقتصادیاً, حیث یعمل المستأجر مثلا على شھرة المحل ویبذل جھوداً في ذلك, ثم یُؤمر فجأة بنقل عمله, وتسلیم العین المؤجرة لصاحبھا مما یسبب ضرراً اقتصادیاً له, وھذا ما دعا إلى نشأة وظھور وتطور معنى مصطلح جدید للخلو شامل للأملاك الخاصة, غیر ما كان في عھد اللقاني الخاص بالأملاك الوقفیة.

ففي أوائل ھذا القرن عرف الخلو في القوانین الغربیة باسم (المیزة), ثم عرف باسم (القیمة المكانیة), ثم أطلق علیه (بدل الخلو), وكان أول من أطلق علیه ذلك هو (تالیر(thaller  في كتابه (شرح القانون التجاري), ثم استعمل ھذا القانون في مصر وكان یطلق علیه (الریع الاقتصادي).

كما كان أول ظھور لبدل الخلو في مصر في ظل أحكام الأمر العسكري رقم 151 )) لسنة ( 1941 م) الذي منع الملاك من تأجیر ما یخلو من أملاكھم إلا بواسطة  طلبات تقدم من المستأجرین للجھة المسؤولة, الأمر الذي یُمكن المستأجر الذي یرغب بالإخلاء أن یعُلم مستأجراً آخر بذلك قبل غیره، ویأخذ مبلغاً من المال نظیر ذلك. ثم أخذت بعض الدول العربیة بالقوانین الغربیة التي تقضي بتأبید الإجارة وتجمید الأجرة, فألزمت ھذه القوانین الوضعیة بعدم إخراج المستأجرین مھما طالت المدة فتضرر الملاك بذلك إذ أصبحت الأجرة زھیدةً بمرور الزمن, فصار الملاك یطالبون ببدل الخلو دفعاً للضرر المتوقع, ثم تبعھم المستأجرون في ذلك, وارتفعت الأسعار تبعاً للموقع، ثم راجت الفكرة وانتشرت بسبب الازدھار الاقتصادي، وارتفاع الأجور, وتعویضاً لما قد یحدثه المستأجر في دكانه فیطالب المستأجر الجدید ببدل الخلو.

مما سبق یتبین لنا أن أھم أسباب وجود مصطلح الخلو الجدید، ترجع إلى شھرة المحل التجاري, وقیمة الموقع الذي یوجد فیه العقار, ووجود قوانین تعطي المستأجر حق البقاء في العین المؤجرة مع تجمید الأجرة, وتعارف الناس علیه بسبب حاجة المالك للمال لبناء العقار”[7].

 

 

خامسا: التكییف الفقھي:

يمكن تكييف المسألة على صورتين، “ما يأخذه المالك (أو ناظر الوقف) يكيف على أنه من باب تجزئة الأجرة أي تقسيمها إلى معجلٍ ومؤجل.

وما يأخذه المستأجر من مستأجرٍ آخر سواء كان الملك شخصياً أو وقفاً (وهو ما يسمى بالحكر) فهذا مبني على ما يملكه المستأجر من العين المؤجرة هل هو المنفعة أو الانتفاع وهل له أن يستوفي المنفعة بغيره وأن يتنازل عن الاختصاص”[8].

رأي المالكیة ومن أجاز إنشاء الخلو من الحنفیة والحنابلة أن إنشاء الخلو بمال یدفعه المستأجر للمالك ھو في الحقیقة بیع جزء من المنفعة مجردا، وصوَّر ذلك العدوي[9]  من المالكیة حیث قال: إن الخلو المذكور، ھو من ملك المنفعة لا من ملك الانتفاع، إذ مالك الانتفاع ینتفع بنفسه، ولا یؤجر ولا یھب ولا یُعِیرُ، ومالك المنفعة له تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه، فالخلو من ملك المنفعة، فلذلك یورث إھ. وصرح البھوتي الحنبلي بأن الخلو المشترى بالمال یكون من باب ملك المنفعة”[10]. 12

والأصل أن بدل الإیجار كاف لتمكین المستأجر من العقار. ولكن تنشأ في بعض الأحوال الحاجة إلى بذل المستأجر بدل الخلو، والغالب أن یكون مبلغه أضعاف الأجرة الشھریة أو السنویة، ولا یُمَكِّن المالك المستأجر من وضع یده على العقار إلا بعد الحصول على البدل المذكور. وھذا العرف جارٍ الآن في كثیر من البلاد في إجارة الحوانیت ونحوھا من الأماكن الصالحة لممارسة التجارة أو الصناعة، غیر جار في إجارة العقارات المعَدة للسكن الخاص، وفي بعض البلاد جرى العرف أیضا على بذل بدل الخلو عند استئجار المساكن، كما یحصل في مصر.

على ضوء ما تقدم یمكن التكیف الشرعي للخلو المأخوذ من المستأجر الجدید خلال فترة العقد بأنه بیع للمنافع التي اشتراھا المستأجر, وقد أباح جمھور الفقھاء أن یبیع المستأجر المنافع لمن اشتراھا منه, سواء كان ذلك بمثل الثمن الذي استأجر به أو أكثر.

سادسا: مستویات البناء الحجاجي:

أقوال الفقھاء:

اختلف الفقھاء في حكم بدل الخلو, فذھب الأكثریة إلى جوازه وذھب البعض إلى تحریمه ومنعه.

الفریق الأول:

وھو مذھب جمھور العلماء قال به: المالكیة 13 والحنفیة 14 والشافعیة 15 وھو مذھب الحنابلة 16

الفریق الثاني:

ذھب عدد من العلماء إلى تحریم الخلو ومنعه، ومنھم ابن عابدین من الحنفیة, وأساس منعه أن الحنفیة یعتبرون المنفعة ملكا ولیست مالا, ومن ثمة فإنھم لا یعدون الحقوق المجردة أموالا, فالمال عندھم ما یمكن إحرازه وحیازته والانتفاع به, یقول ابن عابدین “والمنفعة ملك لا مال لأن الملك ما من شأنه أن یتصرف فیه بوصف الاختصاص, والمال ما من شأنه أن یدخر للانتفاع به وقت الحاجة “[11].

وممن قال بمنع بدل الخلو الشیخ محمد الحامد واعتبره رشوة قال رحمه لله[12]  “إن ھذا الذي یأخذه المستأجر الثاني محض سحت وحرم وإنه رشوة ولا خصوصیة لھا في الحكم”.

لا یصح للمستأجر أن یؤجر ما استأجره, وھذا القول روایة عند الحنابلة[13].

الأدلة:

أدلة الجمھور:

استدل المجیزون للخلو بالسنة والقیاس والعرف والمعقول.

1}  من السنة:

قال رسول لله صلى لله علیه وسلم: “إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إلیه فھو أحق به”[14]  فالرسول صلى لله علیه وسلم یشیر أن الجالس في مكان له اختصاص بذلك المكان، فإن قام لأمر ثم عاد إلیه فإنه أحق به من غیره، وھذا الحق ملكه الشرع له دون أن یدفع مالا فصار مالكا لتلك المنفعة”[15]

2} القیاس

قیاس بدل الخلو على النزول عن الوظائف بعوض وبغیر عوض، وبیان ذلك أن بعض العلماء أفتوا بجواز ذلك[16].

3}  العرف

العمل بالعادة والعرف الذي لا یتعارض مع الشرع, والقاعدة “العادة محكمة ”

4}  من المعقول

اعتبر المجیزون الخلو من الحقوق المعنویة لمن یملكھا مثل سائر الحقوق المجردة…كحق التألیف…وبراعة الاختراع والابتكار والاسم التجاري فھذه كلھا حقوق لا ینكر أحد مالیتھا وملكیتھا”[17].

إن الخلو المذكور ھو ملك المنفعة، ومالك المنفعة له أن یؤجر ویھب ویعیر، أي یتنازل عنھا بعوض أو بغیر عوض.

وجود الحاجة الماسة إلى ذلك، وفي القول بذلك رفع للحرج.

أدلة المخالف:

استدل المانعون للخلو بأدلة السنة منھا ما روي عن أبي وھریرة  رضي لله عنه أنه قال لمروان: أحللت بیع الربا ؟ فقال مروان:ما فعلت، فقال أبو ھریرة، أحللت بیع الصكاك وقد نھى الرسول صلى لله علیه وسلام عن بیع الطعام حتى یستوفیاه، قال فخطب مروان عن بیعھا”[18].

قال الإمام النووي رحمه لله الصكاك جمع صك والمراد ھنا  الورقة التي من ولي الأمر بالرزق لمستحقه، بأن یكتب فیھا للإنسان كذا وكذا من طعام أو غیره فیبیع صاحبھا ذلك لإنسان قبل أن یقبضه “[19]

عللوا ذلك بأنه ربح ما لم یضمن، والمنافع لم تدخل في ضمانه قیاسا على بیع المكیل والموزون قبل قبضه.”[20]

إن المستأجر لیس له الحق بأن یؤجر إلا بإذن المالك .

واستدلوا بأنه لیس للمستأجر الأول أن یؤجره بأكثر مما استأجره.

سابعا: الدراسة المقارنة:

الدلیل الأول: الذي استدل به المانعون من عدم دخول المنفعة في  ضمان المستأجر، رد بقول الجمھور إن مالك المنفعة یتصرف فیھا لعدم وجود مانع یمنع من ذلك في الشرع، كما أن القیاس لا یستقیم، لوجود الفرق بین المقیس وھو العین المؤجرة، وبین المقیس علیه وھو المكیل والموزون قبل قبضه، لأن قبض العین المؤجر قام مقام قبض المنافع، وإذا ثبت الفرق لم یستقم القیاس.

أما الدلیل الثاني: فإنه مردود لأن بدل الخلو یقع باتفاق بین المالك ”  الدولة ” وبین المستأجر الأول والثاني، وھذا قد تحقق فیه الإذن.

أما الدلیل الثالث: فالمسألة فیھا خلاف، والصحیح فیھا الجواز، وھو قول المالكیة والجمھور والصحیح عند الحنابلة لأنه ملك المنفعة والنافع لھا أحكام الأعیان.

الترجیح:

فمن خلال ھذه المناقشة یتبین أن الراجح ھو ما ذھب إلیه الجمھور، لأن مالك المنفعة یتصرف كمالك الأعیان، وھذا إذا كان المستأجر الأول قد استأجر المحل بعقد صحیح، إما بتحدید المدة أو بتحدید ثمن الشھر أو السنة، كما ھو واقع في دكاكین بلدنا الحبیب.

لكن تبقى شروط استئجار المحل على الشروط المذكورة في العقد الاول، إضافة إلى:

  • علم المستأجر الجدید بالمدة المتفق علیھا أو الثمن الذي یدفعه في الشھر.
  • علم المستأجر بأنھ اشترى المنفعة.
  • علم المالك ورضاه.

وقد ذكر الشیخ علیش المالكي ھذه المسألة والتي بعدھا في فتاواه[21]، حيث قال: ” الذي یدور علیه الجواب في ذلك، أن الساكن الذي أخذ الخلو إن كان یملك منفعة الحانوت مدة فأسكنھا غیره، وأخذ على ذلك مالا، فإن كان الآخذ بیده إجارة صحیحة من الناظر أو الوكیل بشروطھا بأجرة المثل [أي الوقف، وأما في الملك فلا یشترط] فھو سائغ له الأخذ على تلك المنفعة التي یملكھا. وأما إن لم یكن مالكا للمنفعة بإجارة صحیحة فلا عبرة بخلوه ویؤجره الناظر لمن یشاء بأجر المثل، ویرجع دافع الدراھم على من دفعھا له.

 

 

النتائج

 

لقد تبین لنا بعد ھذا المقال الفقھي المتواضع الذي تم فیه تفصیل المسألة، وبیان آراء الفقھاء ومذاھبھم فیھا وأدلتھم ومناقشتھا ما یأتي:

  • مسألة بدل الخلو لازالت في حاجة إلى الدراسة والبحث نظرا لكثرة صورھا وشدة اختلاف أنظار الفقھاء فیھا.
  • ینبغي للفقیه أو المفتي أن یدرك صور مسألة بدل الخلو لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فالبعض قد یسأل عن مسألة بدل الخلو فیفتي بالمنع أو الجواز دون أن یعرف حقیقة الصورة المسؤول عنھا.
  • بدل الخلو من الحقوق المعنویة إذ ھو أخذ عوض مقابل إخلاء المكان.
  • التكییف الفقھي لبدل الخلو ولاسیما في الصور الجائزة بیع منافع،وھذا نوع من البیوع أجازه الجمھور.
  • أجاز الجمھور بدل الخلو إذا كان عقد الإجارة مستوفیا لشروطه، ولاسیما في صورة ما یأخذه المستأجر من المستأجر الجدید أثناء مدة العقد.

المصادر والمراجع

  • أحكام الخلو في الفقه الإسلامي لصالح محمود صالح رسالة في الماستر كلیة الدراسات العلیا الجامعة الأردنیة.
  • الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للشیخ علاء الدین أبي الحسن علي بن سلیمان المرداوي، الطبعة الثانیة دار إحیاء التراث العربي.
  • بدل الخلو إعداد الدكتور محمد بن سلیمان الأشقر، وذلك في مجلة مجمع القفه الإسلامي العدد الرابع الجزء الثالث.
  • در المختار على الدر المختار حاشیة ابن عابدین دار الفكر ببیروت 1421 ھجریة.
  • الفقه الإسلامي وأدلته لوھبة الزحیلي دار الفكر الطبعة الثالثة .
  • مختار الصحاح للشیخ محمد ابن أبي بكر عبد القادر الرازي دار الكتاب العربي ببیروت الطبعة الأولى.
  • مطالب أولي النھى في شرح غایة المنتھى للعلامة مصطفى السیوطي .
  • المعاملات المالیة المعاصرة سعید الدین محمد البكي الطبعة الأولى.
  • مغني المحتاج للشربیني محمد الخاطب دار الفكر ببیروت.

[1]  المختصر الصحاح ص 188، مادة ” خلا” لسان العرب، ج 13، ص 237.

[2]  القاموس المحيط للفيروزأبدي، ص 1625.

[3]   وفتح العلي المالك 2/249. شرح الزرقاني على مختصر خليل/ ج 6، ص 228.

[4]  فقه الإسلامي وأدلته، للزحيلي، ج 5، ص 3826.

[5]  بدل الخلو، بحث للذكتور محمد بن سليمان الأشقر، وذلك في مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الرابع، الجزء الثالث، ص 2173.

[6]  بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة، على الشابكة www.islamport.com

[7]   بحث قاانوني ودراسة فريدة حول بدل الخلو، على الشابكة، https//www.mohamad/net/lqw

[8]  بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة، ج 10، ص 3.

[9] أنظر شرحه على الخرشي، ج 7، ص 79.

[10]  انظر مطالب أولي النهى، ج 4، ص 370.

[11]  الدر المختار لابن عابدين، ج 4، ص 502.

[12]  فتاوى الشيخ محمد الحامد، نقلا عن منشور حاسب محمود، موقف الشريعة الإسلامية من الخلو، ص 54.

[13]  الإنصاف للملرذاوي، ج 6، ص 34.

[14]  مسلم، باب إذا قام من مجلسه ثم عاد فهو أحق به، رقم 2179، ج 4، ص 1715.

[15]  الشوبيني مغني المحتاج، ج 2، ص 30، الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي،  ج 4، ص 752.

[16]  رد المختار على الدر المختار- حاشية ابن عابدين- ج 4، ص 15.

[17]  الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي،  ج 4، ص 752.

[18]  مسلم، باب بطلان بيع البيع قبل قبضه، رقم 1528، ج 3، ص 1162.

[19]  شرح مسلم للإمام النووي، ج 10، ص 171.

[20]  الشرح الكبير لابن قدامة/ ج 3، 320.

[21]  ج 2، ص 250.

Loading

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.