مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

مرونة الشريعة لاستيعاب المتغيرات أ. بن جدو بلخير – الجزائر –

0 761

لاجرم أن شريعة الاسلام جمعت بين الثابت والمتغير، ذلك الثابت الذي يبقى ما بقي الاسلام على الأرض فلا مساس به ولا إلغاء له ولا غفلة عنه ، وثمة متغيرات جاءت بها شريعة الاسلام سواء من نصوص الوحيين أو من اجتهادات الصحابة والائمة واجماعاتهم  توائم المتغيرات التي تطرأ على الناس سواء تعلق الامر بالزمان أو المكان، ومن أجل هذا كانت شريعة الاسلام صالحة لكل زمان ومكان .

ومن الأسرار التي جعلت الشريعة تمتد وتشمل وتتنوع هو سعة مصادرها وتنوعها، فبعد النصوص القطعية وما تحويه من قواعد عامة و مقاصد شاملة من كتاب و سنة وإجماع وقول الصحابة تأتينا مصادر أخرى كالقياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب والعرف ليدرك الناظر كم فيها من مرونة تجعل النوازل تخضع لها وتجد فيها أحكامها من جواز وحظر، وكل هذا مُضمّن في الشريعة بدلالة مباشرة أو بدلالة الإيماء ففي حديث سلمة بن الأكوع قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء»، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا عام الماضي؟ قال: «كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها»

دلالة وضاحة أن الحكم تغير من حظر إلى إباحة تبعا لحاجة الناس ونظرا لظروفهم التي تغيرت، و لهذا تجد أن التشريع الاسلامي لم يأت على ذكر كل الأحكام والتفاصيل بل يقعّد القاعدة العامة أو يقصّ النازلة المعينة ويذكر حكمها لينبه الناس على القياس عليها يقول العلامة  الطاهر بن عاشور :  (مقصد الشریعة تجنّبُھا التفریع في وقت التشریع )

وكما جاء في الشريعة سدر الذرائع خشية الوقوع في المحظور وهو الشائع في الفقه وهو ما ابتنت عليه كثير من الفروع حتى توجّس الناس من أي مباح تقرّر في الشريعة أيضا فتح الذرائع وعدم اعتبار كثير منها لكي لا تتوقف مصالح الناس يقول القرافي : “اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح، فـإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجـب واجبـة كالـسعي  للجمعة والحج ” بل . “قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال  للعدو” وهذه النظرة  مستصحبة عند الفقهاء في كل العقود والمعاملات تبعا لقوة بصيرته العلمية وإحاطته بالمسائل حالا ومآلا

ومن مرونة الفقيه و قوة بصيرته عدم اقتصاره على المقاصد الخمس المتقررة بل يتجاوزها إلى كل نفع بحسب الحاجة وعدم تعارضها مع الاصول العامة يقول  شيخ الاسلام ابن تيمية ( لكن بعض الناس یخص الْمَصالح المرسلَة بحفظ النفوس والأموال وَالأعراض والعقول والأدیان , ولیس كذلك بل المصلحة المرسلة في جلب المنافع ودفع المضار وما ذكروه من دفع المضار عن ھذه الأمور الخمسة فھو أحد القسمین، وجلب المنفعة یكون في الدنیا وفي الدین ففي الدنیا كالمعاملات والأعمال التي یقال فیھا مصلحة للخلق من غیر حظر شرعي وفي الدین ككثیر من المعارف والأحوال والعبادات والزھادات التي یقال فیھا مصلحة الإنسان من غیر منع شرعي ، فمن قصر المصالح على العقوبات التي فیھا دفع الفساد عن الأحوال لیحفظ الجسم فقط فقد قَصَّرَ)

وما انتبه له علماؤنا هو جمع كثير من المتشابهات الفقهية تحت قاعدة واحدة تستوعبهم وتستوعب ما قد يطرأ ويكون مشابها لها فيسهل على الفقيه ضمها والبتُّ في حكمها، بما يعرف بالقوعد الفقهية وهذا من مبتكرا الفقه الاسلامي الذي يجعلها مرنا مسيطرا على المتغيرات، و من نظر في مجلة الاحكام العدلية وما اشتملته من قواعد وكيف انتقلت هذه التجربة الى القوانين الوضعية بل الى النظم الدولية غير المسلمة لأدرك قوة الفقه الاسلامي، ومما يقرب الكلم و يصدقه ما قعده الفقهاء بقولهم : (تصحيح تصرف المسلم بتكييف صحيح واجب ما أمكن.)

من تطبيقات هذه القاعدة، هو حل بعض  الصور الربوية في البنوك التقليدية بل هذه من اسباب ومن القواعد التي انشئ لاجلها البنك الاسلامي

ومن القواعد قول الفقهاء : تسمية العقود باسم يخالف حقيقتها لا اعتبار له.

لأن المعتبر هو الواقع الفقهي فكثير من الناس يسمون العقود باسماء الاباحة و التكيف الفقهي يحرمها فيبيعون المعدن الخام بعقد الاستصناع فرارا منهم من شروط السلم وهذا ما ينبغي ان يتفطن له الفقيه

وبعد :

فمرونة الشريعة من اعظم الابواب بل هو المظهر الذي اعتنى به الفقهاء ليظهروا عبقرية الفقه الاسلامي لاستيعاب المتغيرات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.