مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

سُلوان القارئ : كُتب “الأموال” الأستاذ بن جدو بلخير – الجزائر –

0 1٬900

إن علم الاقتصاد الاسلامي من بواكير العلوم الشرعية التي استقلت – بعض الاستقلال – عن الفقه الاسلامي فكانت كتب الأموال والخراج هي الإرهاصات الأولى لهذا الاستقلال وابتدر العلماء بهذا الصنف من العلم والفكر قبل غيره لما أصاب الدولة الاسلامية من توسع واختلاط وتداخل في المعاملات فكان كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة وكتاب الخراج ليحي بن آدم  وكتاب الأموال لابي عبيد القاسم بن سلام والأموال لابن زنجويه والأموال للداودي والأموال للخلال الحنبلي وكتاب السوق ليحي  الكناني المالكي وكتاب الاكتساب في الرزق المستطاب لمحمد بن الحسن الشيباني تلميذ ابي حنيفة

هذه الكتب مع بعض كتب السياسة بعامة ككتاب السياسة الشرعية لابن تيمية  وكتاب الامامة لابي نعيم الاصبهاني  شكلت بمجموعها تصورا أن باب المعاملات المالية هو من الضخامة بمكان بحيث يستقل بنفسه فيكون علما له ينبغي لدارسه أن يبذل جهدا مضاعفا وأن يتسلح ببعض العلوم المرافقة حتى يتمكّن منه تمام التمكن، ثم إن هذا المجال كثير النوازل، متجدد الحوادث تبعا لمعاملات الناس المتجددة وعلاقاتهم بغيرهم، وفي عصرنا امتد الأمر إلى الدول وإكراهاتهم وشرائطهم مما يجعل الفقيه يتفرغ له ويطّلع – ضرورة – على علوم حديثة فرضت نفسها…

ومن أشهر الكتب المتقدمة كتاب ” الخَراج” للقاضي ابو يوسف تلميذ أبي حنيفة وناشر مذهبه، وهو قرين الشافعي..من أئمة الاسلام وجلّة الفقهاء، وكتاب “الخراج” أعمق وأوسع من اسمه، فليس يختص بالخراج فحسب؛ بل يشمل كثيرا من أمور الدولة، وانما الخراج موضوعه الاصلي  …

والخراج اسمٌ جامع لما يشمل الجزية والصدقات والعشور ومستحقات الجالية المقيمة في أرض المسلمين عموما، كتبه القاضي ابو يوسف كونه وزيرا للعدل الى خليفته، لكنه لم يتّسم بسمة لغة الموظف، وإنما كتبه باعتزاز نفس، وأنه من مُفتٍ الى من استفتاه، وإن كان الخليفة هارون الرشيد!! وهذا ما يجب أن يكون عليه العالم في احترامه للعلم الذي رُزِقَه، وآدائه للميثاق الذي أُخِذ عنه كقول ابي يوسف : (فَاحذرْ أَنْ تُضيِّع رعيَّتَك فَيسْتَوْفِي ربُّها حقَّها منك ويُضيِّعُك -بما أضعتَ- أجركَ وإنّما يُدْعَمُ البنيان قَبل أَن يَنْهدِمَ)

(فَلا تَنْسَ الْقِيَامَ بِأَمْرِ مَنْ ولّاك أَمْرَهُ فَلَسْتَ تُنْسَى)

وتأمّله كيف يخاطب الخليفة وكأنه تلميذ (وَقَدْ كَتَبْتُ لَكَ مَا أَمَرْتَ بِهِ وَشَرَحْتُهُ لَكَ وَبَيَّنْتُهُ، فَتَفَقَّهْهُ وَتَدَبَّرْهُ وَرَدِّدْ قِرَاءَتَهُ حَتَّى تَحْفَظَهُ)

والقاضي ابو يوسف وهو يؤسس للنظام المالي والضريبي في الكتاب؛ كان يكتب وينطلق من الواقع آنذاك، وكان يحاول ان يرفع الظلم عن المزارعين وينصح بالتقوى للعمال ليبارك الله في الغلة، ويُعلّم ان الظلم يمحق البركة قائلا (إن العدل وإنصاف المظلوم وتجنب الظلم، مع ما في ذلك من الأجر، يزيد به الخراج وتكثر به عمارة البلاد، والبركة مع العدل تكون وهي تُفقد مع الجور، والخراج المأخوذ مع الجور تنقص به البلاد وتخرب) فهو لم يكن يكتب كتابة فقهٍ خام – إن صح التعبير- يُعرِّف ويُقسِّم فصول الكتاب بمنأى عن الواقع؛ بل يُسلّط الادلة على مايراه في وقته وحينه…

والقاضي ابو يوسف فقيهٌ شجاع، فهو يامر الخليفة بتحذير حكامه عن استخدام اموال الدولة لأغراضهم الشخصية!!

ويقول للخليفة : وأنا أرى أن تبعث قوما من اهل الصلاح والعفاف ممن يوثق بدينه وأمانته يسألون عن سر العمال..وكيف جبوا الخراج ..

(وإذا صحّ عندك من العامل والوالي تعدٍّ بظلم وعسف وخيانة لك في رعيتك واحتجان شيءٍ من الفيء أو خبث طعمته او سوء مسيرته، فحرام عليك استعماله والاستعانة به، وان تقلده شيئا من أمور رعيتك..الخ)

ونصحه ان يطلق جميع المساجين بلا تهمة، وألا يُسجن إلا من ثبت عنه شيء، وألا يُضربوا ولا يُعذبوا ..!!

وان يستمع الى شكاة كل احدٍ بلا حاجب، ويحذره ان يسلك في سياسته سياسة بني أمية او بني العباس، بل عليه ان يسلك بهم سلوك عمر بن الخطاب رضي الله عنه..

واخذ القاضي ابو يوسف بنصح الخليفة باصلاح السجون وان يكون الاكل والشرب من مال الدولة، وذمّ وحذّر ان يموت السجين من دون ان يراه اهله او لا يصلى عليه، وعلى الدولة ان تتكفل بذلك

 

 

وبعد : فليس المُراد من حركية الفقه طاقته على التعامل مع النوازل، لأن النازلة هي الحادثة الجديدة التي لم تكن في الازمان القبلية، فهذه يجتهد الفقيه في تنزيل عمومات الادلة عليها وإلحاقها قياسا بما يشابهها من المنصوص عليه .

الحركية هي تميّز الفقيه في فتواه بتصوير الواقع تصويرا جيدا، ومن ثَمَّ تسليط الادلة عليها، وهذا يتوقف على معرفةٍ بالواقع، وعلى جرأته في ذلك، فلابد للفقيه أن يكون شجاعا جريئا، أما الفقيه العادي فإنه يكتفي في فتواه بما يجده من كلامٍ خام في كتب الفقه وحواشيها من غير أن يشق على نفسه معرفة مآلات الأمور، وكيف تغيّرت الواقائع عبر الازمان، وفي هذا إساءة للشريعة من كونها صالحة لكل زمان ومكان، حيث اكتفى بالخام الذي كان مسطورا عند الاولين …

وبالمثال يتضح المقال: فإن الاستعانة بالكفار جائزة، وفي المسألة بحث، لكن الاستعانة بالكفار في حادثة العراق خصيصا جهر بعض العلماء بمنعها، لأن ادلة المجيزين لا تسعفهم في هذه النقطة بالذات، وإن كان هناك قولٌ بالجواز..وهذه نباهة

وتكرار العمرة جائز اجماعا، ولكن البعض منعها لأنه رأى أن مآل المال يذهب في غير محله .–ليس مرادي التصويب والتخطئة- وانما التمثيل !

ومن قبل منع عمر بن الخطاب الزواج  بالكتابياتلأنهن قد يكنّ جاسوسات!! – –مع أنه جائز-

وقد منع الامام مالك اقامة جماعة ثانية بعد فوات المكتوبة، لأن مظهر تعدد الجماعة في المسجد مؤلمٌ، ويُعبّر عن تفرّق المسلمين ..والامثلة كثيرة

وبعدُ:

فهذه وجهةُ نظرٍ في كتاب الخراج لأبي يوسف قاضي القضاة، وقد استمتعت به فوجدته كأنه أول كتابٍ يتكلم بواقعية، ومخاطبةٌ بين فقيهٍ وخليفة..يدري ما يجري في دنيا الناس، يحسُن بالمُتفَقهة في زماننا أن يحتذوا حذوه..

ومن كتب الأموال التي سلف ذكرها – وما غيّبتها- كتاب “الأموال” لابي عبيد القاسم بن سلام هو المهيمن والأشهر بل ينصرف الذهن إليه مباشرة عند الإطلاق، وقد امتدحه العلماء وشهدوه على جِماعه مقارنة بغيره، بل كان الدكتور رفيق يونس المصري رحمه الله يقول فيما معناه إني لأجد فيه ضالتي حين أفتقدها في كتب المعاصرين

وكتاب الأموال تكمن عبقريته في صاحبه فإن العظيم لا يُنتج إلا عظيما -غالبا- فابن سلام فقيه ومحدث وأديب نقّاد كبير، فهو جامع للعلوم وكتابه الأموال جمع فيه  مادة حديثية وسلّط عليها النقد الحديثي إذ القاسم بن سلام من طبقة الإمام أحمد، فكان الكتاب خزّانا للآثار في بابه وكل من أتى بعده كان معولا عليه حتى قيل إن “الأموال” لابن زنجويه – وهو تلميذ القاسم بن سلام – كان كالمستخرَج عليه،

وبلغ بأحمد بن مهدي الإعجاب بالكتاب فأراد ان يكتبه بماء الذهب لولا أن منعه ابن سلام وقال عنه الذهبي بأنه أحسن ما كتب في الفقه وأجوده

وامتد الإعجاب بالكتاب إلى المعاصرين فإن كارل ماركس أخذ منه واستفاد وبنى كتابه (رأس المال) على خطة كتاب (الأموال) ومِن قائل إن العنوان أيضا استفاده كارل ماركس منه، وهذا ليس بغريب ولا جديد، فإن التشريع الفرنسي أغلبه من مختصر ” خليل” المالكي

ومن عجبٍ أيضا أن كتاب الأموال لابن سلام كان من رواية امرأة وهي شُهدة بنت أحمد الدينوري وكانت تُلقّب بفخر النساء وهي فقيهة محدثة خطّاطة، وهذا باب ينبغي الالتفات إليه، على  أن العلم الحديث والجامعات قد حعلت العلم متاحا مبسوطا لكلا الفئتين…

وكتاب الأموال  لأحمد بن نصر الداودي الجزائري فهو ليس ببعيد من كتاب الأموال لابن سلام من حيث التوجه العام وهو انه كتاب فقهي حديثي أثري فكليهما من أهل الحديث والأثر متأثران بذات المنهج من حيث جمع النصوص ونقد الاسانيد والاهتمام بآثار الصحابة، ولعل الداودي كان أكثر اهتماما بنقد المال من حيث استئثار السلطة بالمال العام فكان منطلقه نحو الاهتمام بحرية الفرد في تملّك المال وحماية منتجات الدولة من المواد المستوردة تبعا لمنطقة المغرب التي يسكنها الداودي واحتكاكها بالغرب فإن حسين مؤنس يقول عنه :  (هو خاص بالجناح الغربي لدولة الاسلام أي المغرب و الاندلس وصقلية)

وبعد:

فهذه نظرة عجلى أردت من خلالها أن أبِين على بواكير استقلال علم الاقتصاد اسما ومضمونا وممارسة، وهذا يدل على قابلية الإسلام لمواكبة كل المستجدات، ومدى تحضره في إقامة نظام اقتصادي أثبت أنه صالح لكل زمان ومكان

و السلام

وكتب

المُتحنِّنُ إليهم بن جدو بلخير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.