مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

سلوان القارئ : “علمنة الاقتصاد” – بن جدو بلخير – الجزائر –

0 742

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (لا يبع في سوقنا إلا من تفقه في ديننا) لعل هذا القول من الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو احد القوانين العامة للاقتصاد الاسلامي يستنّ بها ويسري معناه على آحاد الناس وعامتهم ومؤسسات الدولة…فلابد من فقه أو من فقهاء يحتسبون مشاهدتهم ومتابعتهم لعامة المعاملات – دينا وقربة – فكل معاملة تخضع للمراقبة والتدقيق، وإذا علم التاجر سواء كان شخصا أو مؤسسة عاقبة الصدق التي أشار إليها الحديث (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ)…ومبلغ الكرامة والجزاء الذي سيناله، علم أن صدقه سيعود عليه بالنفع وثراء الإنتاج ورواج السلع، فكلما كان أشد صدقا كان تسويقه أفضل وأغنى ..وهذا مُشاهد، والطريق إلى الصدق إنما يكون بالعلم بأحكام المعاملات ..فكل أحكام اقتصادنا مؤداها : رفع الضرر ودفع الظلم…
لقد تقرر في معتقدنا أن شريعة الاسلام صالحة لكل زمان ومكان، ولو نظر الناظر إلى المعاملات الحادثة في العقود المتاخرة، وكيف رافقها الاسلام في أحكامها صحة وبطلانا، لعلم صحة ما أرمي إليه
ليس المراد هنا إثبات أن لنا اقتصاد مستقل، بقدر ما نريد أن نبيّن أن اقتصادانا ومعاملاتنا تحت إكراهات كبيرة، يراد منها إفساد معاملاتنا وإخضاعها للقوانين العالمية، وما تجريه البنوك الاسلامية من معاملات، وما تقوم به من محاولات جادة لتجنيب الناس المعاملات المحرمة ..شيءٌ محمود ينبغي تشجيعه، وتوجيه الأخطاء الواردة مطلوب، أما نكران ذلك : فهدمٌ وتحطيم ما ينبغي أن يصدر من أهل التبصُّر…إذ يودّ كثير من الاقتصاديين فشل هذه البنوك، ليوهموا أن الإسلام عاجزٌ على مسايرة حاجة الناس، وأن ليس لهم إلا ما يفرضه الاقتصاد العالمي
ومن أراد الحكم بصدقٍ، فعليه النظر إلى منظومة الاسلام بعامة في الاقتصاد وليس لآحاد المعاملات…
الاقتصاد العالمي الآن اقتصادٌ جشعٌ متوحش..والرأسمالية التي طغت على الناس هي حربٌ على الناس لو ان الناس يعقلون…وتفريغ الانسان من القيم : حربٌ، وإن لم تر نارا..كان العرب على جاهليتهم في أسواقهم الكبيرة يقتطعون العُشر على الكل لاستغلالها في حل مشاكلهم، وأشهر تعشير عرفته العرب في سوق دومة الجندل! فانظر كيف جعلوا للمال قيمة أخلاقية..

جاء الاسلام ليحارب السوق كقيمة مطلقة! وجعل المال هو المطلوب الأول للمسلم، السوق ليس قيمة مطلقةً إن هذا تفكير سقيم، اجتهد الاسلام على نبذه في نفوس الناس، وتعلق كل معاملة -مهما تناهت في الصغر في نظر الناس- بأحكام تتصل بالله في النهاية…وحتى العمال نظر اليهم الإسلام بعطف، فأوجب دفع أجورهم بلا تهاون قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فأعط لكل ذي حق حقه..
وأمر  طالب المال في نفسه ألا ينهك نفسه فيظلمها ( وإن لجسدك عليك حقا)
كل ذلك تربية من الإسلام لربط كل معاملاتنا بالله
ثم نهى عن الربا والاحتكار وإخفاء الصالح من السلع وإظهار الطالح منها، واستغلال جهل الناس كبيع حاضر لباد وتلقي الرُّكبان، وهذه منتشرة في أيامناه هذه بكثرة للأسف (خاصة سوق الغنم)، بل نهى الإسلام عن كثرة الحلف لأنها تمحق البركة، وكثرة الحلف تغري المشتري وتوهمه بالصدق، والمفترض أن الاحتكام إنما يكون للواقع بلا مغريات، وهذا يذكرنا بفكرة الإعلانات والغش المُتخَم بها في الترويج واستغفال الناس، والعجيب أن هذا كان منكرا عند الغرب، لولا سطوة الفكر الرأسمالي، ففي سنة 1761 صدرت في فرنسا لوائح قانونية تمنع الإعلانات وما يغري الزبائن واللهث ورائهم، بل ويعتبرون ذلك عملا غير أخلاقي، وسبب ذلك فكرة يهودية -ولهم السبق في ذلك- في إنتاج سلع أقل تكلفة تسببها قلة الجودة ومنه يقل الثمن..وهذا مشاهد الآن للأسف

إن مما يجب أن ننهض به هو إشاعة العلم بالمعاملات المالية بين الناس، ونشر الضوابط والقواعد بين العامة، فالناس تعتقد أن : (الأصل في المعاملات الإباحة) وهو معتقدٌ صحيح، لكن غياب سلطان الإسلام وتفشي الجهل وقلة الوازغ جعل الحرام في نماء والحلال في خفاءٍ مع الشبهات،

وبعد: فإن مما يجب الاعتراف به والعمل عليه أن وجود اقتصاد مستقل مبني على أحكام الشريعة يجب أن يسبقه استقلالٌ سياسي..هذا شرطٌ يستوجب النتيجة المرجوّة..وبين الواقع والمؤَمَّل تبقى جهود العلماء وبحوثهم وحضورهم العلمي لكل النوازل الاقتصادية شاهدة على عظمة العقل الاسلامي، فقد كتب المسلمون في الاقتصاد الاسلامي خلال عشرين سنة الماضية فوق ما كتبه علماء المسلمين خلال أربعة عشر قرن، وهذا يزيدنا يقينا أن الاسلام يرافق الانسان في معاملاته أبدا…والسلام

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.