ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بتغير سعر الصرف وأثره في حل مشكلة التضخم د. أنس إبراهيم جاموس – سوريا –
ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بتغير سعر الصرف
وأثره في حل مشكلة التضخم
د. أنس إبراهيم جاموس
تمهيد
انبثقت فكرة ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير سعر الصرف من مشكلة التضخم . وتأتي مشكلة التضخم من النقود ، وقد تغيرت أشكالها على مر الزمن ، فكانت أولاً نقوداً معدنية ثمينة كالذهب والفضة لها قيمة ذاتية ، ثم أصبحت نقوداً معدنية خسيسة (غير ثمنية) كالفلوس التي لها قيمة ذاتية ، ولكنها قليلة بالنسبة لقيمتها النقدية الاصطلاحية ، ثم اتخذت النقود شكل النقود الورقية التي لا تكاد قيمتها الذاتية تذكر حيال قيمتها النقدية .
ومع سهولة إصدار النقود الورقية وقعنا في التضخم النقدي وهو ارتفاع عام في أسعار السلع والخدمات مما يعني الميل العام في انخفاض قيمة النقود ، أي قوتها الشرائية ، أو سلطانها على الأموال الأخرى من سلع وخدمات .
واضطربت هذه النقود الورقية في معظم البلدان ، وبدرجات متفاوتة في مدى نهوضها بالوظائف النقدية : وسيط للمبادلة ، أداة للحساب والمحاسبة ، مقياس للقيم ، أداة اختزان للقوة الشرائية ، أساس للمدفوعات المؤجلة . فهي تقوم ببعض الوظائف وتعجز عن بعض فلم تعد قادرة على اختزان قوة شرائية ثابتة ( نسبياً) إذا بقيت لدى صاحبها أو أقرضت إلى الغير . فصرت تقرض مبلغاً قوته الشرائية 100 وتسترد مبلغا في العدد ولكن قوته الشرائية 50 .
أمام هذا الواقع والضرر الكبير الناتج عن التضخم ، بحث الفقهاء المعاصرين عن الحل والمخرج الشرعي في هذه المسألة ، فتعددت الأقوال والاجتهادات الشرعية مما يدل على أهمية هذا الموضوع ، الأمر الذي دفعني للبحث بأقوال العلماء المعاصرين وترجيح أهم الأقوال المعتمدة وفق الأدلة الشرعية .
أهمية البحث :
تأـتي هذه الدراسة في المرحلة التي تعاني منها معظم الدول في العالم من أزمة التضخم العالمية ، ففي تركيا انخفضت قيمة العملة إلى أدنى مستوى خلال سنة واحدة فقط 2022مـ ، الأمر الذي تسبب بحرج شديد لأصحاب الحقوق والالتزامات المؤجلة ، في كيفية استيفاء حقوقهم بعد ان انخفضت القوة الشرائية لمستحقاتهم وتسبب هذه الأزمة بضرر كبير .
مشكلة الدراسة :
تم تناول موضوع البحث في دراسات متعددة ومن أكثر من زاوية ، فالبعض تطرق اليه في الحديث عن التضخم ، وهناك من أفرد بحثاً مستقل لموضوع تغير قيمة النقد . وفي الواقع أن كثرة الأبحاث في هذا الموضوع تجعل القارئ في حيرة وتشتت للوصول إلى نتائج وخلاصة الأبحاث ، تعددت الأقوال والفتاوى والمذاهب في مسألة تغير قيمة النقد ، فكان لابد من استنتاج وترجيح الأقوال وفق ضوابط الترجيح للوصول إلى نتائج متوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية .
أهداف الدراسة :
تهدف الدراسة إلى المقارنة بين المذاهب الأربعة وأقوال العلماء المعاصرين في مسألة تغير قيمة النقد ، وعرض الأقوال المعتمدة لبعض العلماء المعاصرين بعد أن تغيرت النقود في العصر الحالي وأصبحت قاصرة عن أداء وظائفها ، وبالتالي فقد كان لهذه النقود أحكام واجتهادات من قبل العلماء المعاصرين . يهدف البحث إلى دراسة وتأصيل المسألة وفق اجتهادات العلماء ومحاولة الترجيح للأخذ بالقول الراجح بما يتوافق مع العصر . واقتراح بعض الحلول المتوافقة مع مبادئ الشريعة والتي تتماشى مع الواقع المعاصر .
منهجية الدراسة :
اعتمدت في هذا البحث على المنهج الاستقرائي لتتبع المسائل المستجدة التي تتعلق بتغير قيمة النقد . وجمع الأقوال الواردة في هذه المسألة . ومن ثم استخدام المنهج الوصفي التحليلي وعرض أراء المذاهب الفقهية مرفقة بالأدلة والمناقشة ، ثم بيان آراء العلماء المعاصرين في المسألة وفقاً لتغير الظروف ، وترجيح القول الأوفق بما يحقق المقاصد الشرعية ، و يتوافق مع العصر .
خطة البحث
وقد قسمت البحث إلى عدة مباحث بحيث تكون شاملة لموضوع البحث .
المبحث الأول : تعريف النقود وبيان وظائفها .
المبحث الثاني: التضخم وأثره على المعاملات .
المبحث الثالث : الحلول الفقهية لتغير قيمة النقد ( سعر الصرف ).
- قياس الأوراق النقدية على الفلوس
المبحث الرابع : الربط القياسي للنقود من منظور الاقتصاد الإسلامي .
- شبهة الربا
الخاتمة :
نسأل الله التوفيق والسداد ، وأن يكون عملنا خالصاً لوجهه ، وأن يكتب في هذا العمل النفع والخير ، إنه أكرم مسؤول .
المبحث الأول : تعريف النقود وبيان وظائفها .
أولاً : تعريف النقود.
1-تعريف النقود لغة :
النقد : من نقد ، وجمعها نقود ، والفاعل منها ناقد ، وجمعه نقاد ، وللنقد معان متعددة منها : الإعطاء : فيقال نقدته الدراهم والدنانير ، أي أعطيته إياها ، والنقد في البيع خلاف النسيئة . ويأتي بمعنى التمييز : فنقد الدراهم والدنانير ، أي ميز بين جيدها ورديئها . ويأتي بمعنى الأخذ والقبض : فيقال انتقد الدراهم والدنانير ، أي أخذها وقبضها [1].
ورد ذكر تعريف النقد في اللغة بعدة معان [2]:
- النقد : الجيد الوازن من الدراهم ، يقال : درهم نقد أي جيد ، وهذا وصف .
- النقد : قبض الدراهم ، يقال : نقد الدراهم ينقدها نقداً فانتقدها أي قبضها .
2-تعريف النقود في اصطلاح الفقهاء :
لم ترد كلمة النقود في القديم ، فالعرب لم تكن تستخدم في الغالب كلمة ( النقود ) للدلالة على الأثمان ، وإنما استخدموا كلمة (الدينار) للدلالة على العملة المتخذة من الذهب ، واستخدموا كلمة ( الدرهم ) للدلالة على العملة المتخذة من الفضة .
فالنقدان هما : الذهب والفضة ، أو الدينار والدرهم .
وقد عرف الاقتصاديون النقود تبعاً لوظائفها ، أو خصائصها ، أو من حيث قانونيتها ، ويمكن الجمع بين هذه التعاريف بالتعريف التالي :
النقود : هي أي شيء يكون مقياساً للقيمة ، ووسيطاً في المبادلة ، ويلقى قبولاً عاماً من جانب الأفراد ، وله القدرة على ابراء الذمة[3] .
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في تعريف النقود : اسم لكل ما يستعمل وسيطاً للتبادل سواء كان من ذهب أو من فضة أو نحاس أو جلود أو ورق أو غير ذلك إذا كان يلقى قبولاً عاماً [4].
ويلاحظ أن علماء الاقتصاد يفرقون بين النقود والعملة .
فالعملة هي كل ما تعتبره السلطة الحاكمة نقوداً ، وتضفي عليه قوة القانون صفة ابراء الذمة ، فتلقى قبولاً عاماً.
أما النقود فهي أعم من العملة ، فهي تشمل كافة المبادلات التي تتمتع بقبول عام في الوفاء بالالتزامات ، وهي غالباً ماتكون ناشئة عن الاتفاق أو العادة أو العرف أو ثقة الأفراد . إذ تشمل العملة وأشباه النقود ( النقود المصرفية ) ، إذن فكل عملة نقد ، وليس كل نقد عملة ، فبينهما عموم وخصوص مطلق .
ثانياً : وظائف النقود .
يمكن إجمال وظائف النقود في النشاط الاقتصادي في أربع وظائف ، منها وظيفتان أساسيتان هما : كون النقود وسيطاً في التبادل ومقياساً للقيمة ، ووظيفتان ثانويتان هما : كون النقود مخزناً للقيمة ووسيلة للمدفوعات المؤجلة .
ويلاحظ أن النقود الورقية في عصرنا تقوم بوظائف النقود الأساسية إلى حد ما ، بينما الوظائف الثانوية فهي عاجزة تماماً عن تحقيقها [5].
إن كفاءة النقود في أداء وظائفها ترتبط بشكل أساسي بالثبات النسبي في قيمتها الحقيقية ، أي قوتها الشرائية . إن وظيفة النقود كوسيط للتبادل تعتمد على ثقة الأفراد في النقد والقبول العام له ، وهذه الثقة تتأثر بلا شك بتقلبات قيمة النقد أو الانخفاض الشديد المتتالي لها ( كما في حالات التضخم الشديد) . أما وظيفة النقد كمقياس للقيمة فلا شك أن تقلبات قيمة النقد تؤثر على كفاءة أدائها لتلك الوظيفة ، فالنقود مثل أي مقياس ، لا تكون مقياساً كفؤاً للقيمة إذا اتسمت بالتقلبات الشديدة في قيمتها ، بل ربما يصل الأمر إلى أن يرفضها الأفراد كمقياس للقيمة بسبب تلك التقلبات وعدم الاستقرار في قيمتها . أما وظيفة النقد كمخزن للثروة فمن الواضح أن التقلبات في قيمة النقد أو الانخفاض الشديد المتتالي لها يقلل من كفاءة النقود في القيام بوظيفتها كمخزن للقيمة ، بل ربما وصل الأمر إلى محاولة التخلص من النقود والاحتفاظ بأصول أخرى كمخزن للقيمة . أما وظيفة النقود كوسيلة للمدفوعات المؤجلة فإن تقلبات قيمة النقد المتوقعة وعدم الاستقرار يقلل من كفاءة النقود في قيامها بهذه الوظيفة التي تتطلب استقراراً نسبياً في قيمة النقد على مر الزمن ، فثقة الأفراد في استقرار قيمة النقد في المستقبل هي التي تجعلهم يقبون بالنقود كوسيلة لسداد المدفوعات الآجلة [6].
لا شك أنه لا يمكن الاستغناء عن التعامل في النقود كوسيلة للتبادل ومقياس للسلع ، ولكن كثيراً من الناس لايرغبون في الاحتفاظ بالنقود الورقية لفترة طويلة ، لأن التضخم سينقص من القوة الشرائية لهذه النقود لذلك يفضلون أن تكون مدخراتهم من الذهب ، وأيضاً في الحقوق والالتزامات المؤجلة ونتيجة التضخم ستنخفض قيمة القوة الشرائية للمستحقات المالية مما يسبب ضرر كبير على البائع بالمؤجل أو على الدائن .وبالتالي فإن النقود الورقية في عصرنا لا تصلح مخزناً للقيمة ، أو وسيلة للمدفوعات المؤجلة .
المبحث الثاني: التضخم وأثره على المعاملات
التضخم هو الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار ، ويترتب عليه تدهور القوة الشرائية للنقود (غلاء الأسعار – ورخص النقود ) ، أو هو زيادة في الطلب الكلي بنسبة أكبر من الزيادة في العرض الكلي [7].
والتضخم له أثر على المعاملات التي تنشئ التزامات مستقبلية ، وبعض أمثلتها كالتالي:
1- الرواتب والأجور التي تدفع بعد مدة محددة تتناقص قوتها الشرائية إن حصل التضخم خلال هذه المدة ، والسؤال كيف نربط هذه الرواتب والأجور بتغيرات الأسعار؟
2-البنوك التي تتقبل ودائع الناس وتقدم القروض للمستثمرين . فكل من الودائع والقروض يتم سدادها بعد فترة زمنية . وهي تتعرض لانخفاض قيمتها الحقيقية بسبب التضخم . والسؤال : هل يمكن للبنوك أن تربط الودائع والقروض بتغيرات الأسعار وبالتالي تطلب من المدين مبلغاً إضافياً لمعادلة القوة الشرائية الحقيقية للقرض ؟ وكيف يحسب هذه المبلغ ؟ وماهي مبررات فرضه على المدين ؟ أو ماهي مبررات عدم جواز ذلك ؟ ومثل ذلك يقال عن الودائع حيث يكون البنك هو المدين .
3-والمشكلة الأكثر خطراً تتعلق بالقرض الحسن . يقرض شخص إلى آخر 100 دولار مثلاً ، لمدة عام بدون ربا ، ويريد أن يحصل على 100 دولار بعد عام بدون أي خسارة أو نقص . ولكن لنفرض أن معدل التضخم 10% في هذه المدة ، فإن القوة الشرائية لهذه المائة دولار تصبح 90 دولار . ماهو الحل لهذه المشكلة أو الخسارة ؟ فإذا قلنا بالربط بتغير الأسعار ، فإن الدائن سيحصل على 110 دولار عند سداد القرض ، وهو المبلغ الذي تعادل قوته الشرائية المائة دولار المقرضة قبل سنة .
إذاً لا بد من معرفة أننا بحاجة ماسة إلى أن نتفق – السادة الفقهاء ورجال الاقتصاد الإسلامي – بشكل قاطع على أننا نواجه مشكلة مترتبة على الانخفاض المتتالي في القيمة الحقيقية لوحدة النقد الورقية نتيجة الارتفاع المتتالي في المستوى العام للأسعار ، وأن هذا الانخفاض المتتالي خطير بصفة عامة وشديد الخطورة في حالات التضخم الكبيرة وذلك لأنه :
يخل بوظيفتين أساسيتين من وظائف النقود ، وهما قياس القيم الآجلة وخزن الثروة ، وبهذا يخل بالتزامات الأفراد تجاه بعضهم البعض في البيوع الآجلة وبقيمة الودائع النقدية ، أي الودائع التي لا يريد أصحابها استثمارها . وارتفاع المستوى العام للأسعار بمعدل 25% في السنة يجعل أصحاب هذه الودائع يخسرون عشرة أمثال الزكاة المقدرة على ترك ودائعهم عاطلة خلال سنة في ظل مستوى أسعار مستقر .وبالمقابل فإن المشكلة في القرض النقدي ، قرض النقود الورقية المعاصرة ،
إن هذه النقود تتدهور باستمرار وبمقادير فاحشة لا يمكن التغاضي عنها ، ولا سيما إذا طال أجل القرض ، ويخشى أن تسد هذه النقود باب القرض ، فحماية المقرض من هبوط القوة الشرائية أدعى إلى ترغيبه في القرض واستمراره فيه .
لا شك أن عجزاً قد أصاب نقودنا الورقية هذه ، وأن خللاً قد طرأ على وظائفها وقد عمت بها البلوى .
إذاً فإن النقود الورقية لا يمكن اعتبارها مثل الذهب والفضة في جميع الأحكام، كما أنه لا يصح القول بإلغاء نقديتها.
المبحث الثالث : الحلول الفقهية لتغير قيمة النقد ( سعر الصرف ).
لقد بحث الفقهاء في القديم مسألة إذا تغيرت قيمة النقد غلاء أو رخصًا بعد ما ثبت في ذمة المدين بدلاً في قرض أو دين مهر أو ثمن مبيع أو غيره، وقبل أن يؤديه، فقد اختلف الفقهاء في ما يلزم المدين أداؤه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لأبي حنيفة والمالكية في المشهور عندهم والشافعية والحنابلة ، وهو أن الواجب على المدين أداؤه هو نفس النقد المحدد في العقد، والثابت دينًا في الذمة، دون زيادة أو نقصان، وليس للدائن سواه. وقد كان القاضي أبو يوسف يذهب إلى هذا الرأي أولاً ثم رجع عنه
وبهذا الرأي أخذت مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية، حيث جاء فيها : إذا كان القرض فلوسًا أو دراهم مكسرة أو أوراقًا نقدية، فغلت أو رخصت أو كسدت ولم تحرم المعاملة بها وجب رد مثلها، وكذا الحكم في سائر الديون، وفي ثمن لم يقبض، وفي أجرة عوض خلع وعتق ومتلف، وثمن مقبوض لزم البائع رده.
والقول الثاني: لأبي يوسف، وعليه الفتوى عند الحنفية وهو أنه يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج، ففي البيع تجب القيمة يوم العقد، وفي القرض يوم القبض (
والقول الثالث: وجه عند المالكية، وهو أن التغير إذا كان فاحشًا، فيجب أداء، قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص. أما إذا لم يكن فاحشًا فالمثل .وبالنظر في هذه الأقوال الثلاثة وتعليلاتها يلوح لي:
أن الاتجاه الفقهي لإيجاب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة هو الأولى بالاعتبار من رأي الجمهور الذاهبين إلى أن الواجب على المدين أداؤه، إنما هو نفس النقد المحدد في العقد والثابت في الذمة دون زيادة أو نقصان، وذلك لاعتبارين:
أحدهما: أن هذا الرأي هو الأقرب للعدالة والإنصاف، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل. والله يأمر بالقسط.
والثاني: أن فيه رفعًا للضرر عن كل من الدائن والمدين، فلو أقرضه مالاً فنقصت قيمته، وأوجبنا عليه قبول المثل عددًا تضرر الدائن؛ لأن المال الذي تقرر له ليس هو المستحق، إذ أصبح بعد نقصان القيمة معيبًا بعيب النوع المشابه لعيب العين المعينة (حيث إن عيب العين المعينة هو خروجها عن الكمال بالنقص، وعيب الأنواع نقصان قيمتها) . ولو أقرضه مالاً فزادت قيمته، وأوجبنا عليه أداء المثل عددًا تضرر المدين، لإلزامه بأداء زيادة عما أخذ، والقاعدة الشرعية الكلية أنه ” لا ضرر ولا ضرار. [8] ”
إن الأخذ بالقيمة في واقعنا اليوم يؤيد الاتجاهين الفقهيين الثاني والثالث ، لأن الالتزامات المؤجلة تغيرت قيمتها تغيراً فاحشاً خلال فترة قصيرة .
فالواقع إن هذه التقلبات تتطلب ربطًا قياسيًّا إلزاميًّا بالقيمة الحقيقية لكل الالتزامات المؤجلة، وبصورة خاصة لكل القروض والافتراضات وعقود العمل المحدودة المدة، وهذا ما يؤمن للاقتصاد سيرًا كفئًا عادلًا ولا بد من بيان أن مشكلة التدهور في القيمة الحقيقية للنقود الورقية لا يماثلها أي شيء مما بحثه الفقهاء الكرام في الماضي ، وقد تعرض الفقهاء لهذه المسألة بعد ظهور الفلوس ( النقود المغشوشة ) وهي العملات النقدية المعدنية غير الثمينة المصنوعة من النحاس والنيكل . . . ولو اطلع الفقهاء على هذه المشكلة التي نعيشها وما تسببه من أزمات لقدموا لنا حلولاً شرعية .
ذكرنا بأن الفقهاء عندما يتحدثون عن الغلاء والرخص في النقود، فإنهم يشيرون إلى علاقة النقود الرائجة بالذهب والفضة ؛ لأنها هي عندهم النقود بالخلقة ، وهي الأثمان التي إليها تنسب النقود وتقاس عليها، ولم يتحدثوا أبدًا عن علاقة بين النقود (التي أصابها الغلاء والرخص) والمستوى العام للأسعار، أي أثمان جميع الأشياء.
يقول الدكتور نزيه حماد( أما الغلاء والرخص للنقود في زمننا الحاضر فمفهومها مختلف عما سبق، أن كلام الفقهاء حول كساد النقود وانقطاعها وغلائها ورخصها لا ينطبق على النظام النقدي المعتمد على النقود الورقية غير المرتبطة بالذهب ).
ورغم أن هذه النقود في عصرنا الحالي غير مرتبطة بالذهب ، لكنها أصبحت اليوم أثماناً عرفية بنفسها ، فدفعها دفع للمال ، أو للثمن ، فتؤدى بأدائها الزكاة ، ويمكن شراء الذهب والفضة بها . ولكن هذا لا يعني أنها ينطبق عليها أحكام النقود العامة ، لأن هذه الأوراق لا تقوم بوظائف النقد ولا تنطبق عليها الشروط من قياس القيم الآجلة وخزن الثروة .
لقد أصبحت النقود في الآونة الراهنة لاتتلائم سوى في المعاملات قصيرة الأجل ، لأن وظيفتها كمعيار للمدفوعات المؤجلة وكمستودع للقيمة لا يمكن أن تؤدى على النحو السليم إلا في حالة استقرار الأسعار لمدة طويلة ، فإذا لم تكن الأسعار مستقرة . لا يمكن أداء هاتين الوظيفتين إلا باستخدام أدوات أو وحدات للقيمة الثابتة ، وهي وحدات تحدد الحكومة سعرها بالعملة المحلية وتربطها بمؤشر سعري مناسب ويتغير سعرها بتغير المستوى العام للأسعار [9].
وإذا اتفقنا على خطورة آثار الانخفاض المتتالي في القيمة الحقيقية لوحدة النقود الورقية من النواحي الاقتصادية والاجتماعية ، فلا بد أن نتفق على ضرورة إيجاد حل ، أما المواقف غير المحددة فغير مقبولة وترك الأمور بلا حل أبشع وأضل سبيلا ، فهناك ظلم واقع على عامة الناس في ظل الظاهرة التي نبحثها.
فمن الحلول التي يمكن البحث فيها بجدية هي تلك التي عرضها أبو يوسف وابن عابدين ( رضي الله عنهما ) وغيرهما من الفقهاء الذين اقترحوا حلولاً واقعية وبسيطة في حالات كساد النقود أو زيادة نسبة الغش بشكل كبير فيها ؟ وذلك بمحاولة ربط القيم الآجلة ببعض العملات المنضبطة أو المتداولة في سوق الذهب . ولا شك أن هذا يحتاج لدراسة تأصيلية شرعية لأسواق العملات الحالية .
- قياس الأوراق النقدية على الفلوس :
رجح الدكتور الزرقا اعتبار الأوراق النقدية من الفلوس النافقة ، وأن أحكام هذه الفلوس تنطبق على الأوراق النقدية ، لأن الفلوس النافقة هي ما كان متخذاً من غير النقدين – الذهب والفضة – وجرى الاصطلاح على استعمالها استعمال النقدين ، والورق المذكور من هذا القبيل .[10]
فلو كانت الفلوس النافقة ثمناً في المبيع ، أو كانت قرضاً ، فغلت أو رخصت بعد عقد البيع أو بعد دفع مبلغ القرض ، فعند أبي يوسف : تجب عليه قيمتها يوم عقد البيع ويوم دفع مبلغ القرض [11] جاء في رسالة ابن عابدين ( تنبيه الرقود على مسائل النقود ) في الفصل الخامس من كتاب البيوع : رجل اشترى ثوباً بدراهم نقد البلدة . فلم ينقدها ( أي فلم يعطها ) حتى تغيرت ( برخص أو غلاء أو كساد أو انقطاع ) فهذا على وجهين : إن كانت الدراهم لا تروج اليوم في السوق أصلا فسد البيع ، لأنه هلك الثمن . وإن كانت تروج ، لكن انتقص قيمتها لا يفسد . لأنه لم يهلك وليس له إلا ذلك . وإن انقطع بحيث لا يقدر عليها . فعليه قيمتها في آخر يوم انقطع من الذهب والفضة وهو المختار .
يقول فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي: «… ورأينا بعض فقهاء المالكية يجيزون أن تعتبر القيمة للفلوس إذا ما تغيرت، فإذا جاز عندهم الرجوع إلى القيمة بدون شرط فلأن يجوز بالشرط من باب أولى، ولذا فإن الذي اطمأننت إليه أنه يجوز للمتعاقدين في الالتزامات الاجلة أن يضبطا قيمة الالتزام بمعيار هو المرجع عند الأداء.
وبهذا فرق الدكتور نزيه حماد النقدين عن الفلوس ، في بحثه الذي قدمه لمجمع الفقه الإسلامي . يقول القاضي محمد تقي العثماني بعد توصيفه للأوراق النقدية [12] : ( يتضح مما ذكرنا أن النقود الورقية لم تبق الآن سندات لديون في تخريجها الفقهي ، وإنما صارت أثماناً رمزية يعبر عنها الفقهاء بكلمة ( الفلوس النافقة ) فإن الفلوس النافقة تكون قيمتها الاسمية أكثر بكثير من قيمتها الذاتية ، فكذلك الأوراق النقدية تكون قيمتها الاسمية أضعاف قيمتها الذاتية ، وجرى بها التعامل بين الناس ، دون أيما فرق بينها وبين الفلوس النافقة ). فالقاض يرى أن النقود الورقية في حكم الفلوس سواء بسواء .
المبحث الرابع : الربط القياسي من منظور الاقتصاد الإسلامي
ويتضح مما سبق أن التضخم ظاهرة معقدة وليس له حل واحد سهل . بناء على ذلك بدأ التفكير في الطرق التي يمكن التعايش مع مشكلة التضخم ، ومن هنا نشأ اقتراح بعض الاقتصاديين بربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار ، وجاءت هذه الفكرة كوسيلة للحد من الآثار السيئة للتضخم .
إن الإسلام يربط بين العدالة وكفاءة الاقتصاد، ويؤكد أن الاندفاع في المجهول الذي لا يتحكم فيه الإنسان ولا يستطيع أن يعد له حساب مضر بالاقتصاد ومثبط لتطوره ..
كما أن العدالة تقتضي أن يكون هناك مقياس متفق عليه في الالتزامات الآجلة لا ينتفع أحد الطرفين انتفاعًا غير مشروع على حساب الطرف الآخر.
هذا ما دفع معظم الدول إلى إدخال نظام لربط indexation الأجور والرواتب بمعدلات التضخم ، الأمر الذي شجع البعض على المطالبة بربط التزامات دفع أخرى ، مثل الإيجارات والأجور والودائع المصرفية والقروض . وتقدم سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر حصاد تجربة الربط القياسي خاصة في بلدان أمريكا اللاتينية [13].
إن الغرض من التماس التقييس – الربط القياسي – هو المحافظة على القيمة الحقيقية للمتغيرات الاقتصادية التي تقاس عادة بالوحدات النقدية ، ويتم ذلك بربط تلك المتغيرات بأرقام قياسية تستخدم لتحويلها إلى حجوم حقيقية .
ومن هنا يسمى هذا الربط أيضاً ” التصحيح النقدي” وهذه العملية عبارة عن محاولة لإيجاد مقياس ثابت للمدفوعات المؤجلة وعلى ذلك فهي مفهوم قديم في الفكر الاقتصادي .
تحدث الفقهاء عن طرق عديدة يمكن استخدامها لربط قيمة العملة في العقود والالتزمات الآجلة ، لأن انخفاض قيمة العملة أصبح من عموم البلوى ، والعجز في وقف النزعة التضخمية أجبر الخبراء على إيجاد حل لمواجهة الضرر الكبير الذي يتحمله أحد المتعاقدين جراء التضخم .
ويعد من المعاصرين الدكتور منور إقبال أول اقتصادي مسلم يتناول هذا الموضوع بصورة شاملة . وقد وضع بحثاً رائعاً بشأنه يدعو فيه إلى نوع من ربط قيمة الدخول والأرصدة المالية والقرض الحسن بشكل يتفق وتعاليم الشريعة الإسلامية تماماً والذي يمكن أن يسهم في تحقيق مبادئ المساواة ، والكفاءة ، والاستقرار ، والنمو .
شبهة الربا في الربط :
ذهب بعض العلماء إلى أن ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار ضرباً من ربا الفضل ، وكان من رأيه أن محاولة تعويض طرف عن تآكل قيمة النقود فيه اجحاف.
وحيث أن الشريعة لا تفرق بين المعاملات النقدية والمعاملات السلعية فيما يتعلق بالإقراض والاقتراض . والمبدأ الأساسي هو أن ترد نفس الكمية ( الوحدات ) المقترضة حتى ولو تغير سعر السلعة في تلك الأثناء .
ويستشهد أصحاب هذا القول بالحديث الذي يوجب رد الأموال المثلية بمثلها ( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل سواء بسواء . يد بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا بيد [14]) .
وذكر أنه في حالة ربط القرض بالقيمة السعرية فإن الربط يؤدي إلى الحصول على عائد حتى ولو كان هذا العائد نقدياً لا حقيقياً [15].
يقول الدكتور الصديق الضرير في الحديث عن الوفاء بالقيمة : إن هذا المخرج غير مقبول شرعاً ، إذا كانت القيمة التي يعول عليها هي القيمة يوم القرض ، فإذا كانت قيمة الألف جنيه يوم القرض 500 دولا مثلاً وأصبحت يوم السداد 250 دولاراً فلا يجوز أن يعطي المدين الدائن 500 دولار ، لأن هذا يؤول إلى إعطائه 2000 جنيه ).
ويفرق الدكتور بين الوفاء بالقيمة يوم القرض عن يوم السداد ، فيقول : (أما إذا كانت القيمة التي يعول عليها هي القيمة يوم السداد فإنه يجوز ، لأنه يكون من قبيل صرف مافي الذمة ، والذي في ذمة المدين هو 1000 جنيه ، فلا مانع من أن يصرفها بأي عملة أخرى بسعر يومها ، أي يصرف الألف جنيه في المثال السابق بـ 250 دولار . ) واستشهد الدكتور الضرير – ووافقه الدكتور محمد علي السالوس – بحديث ابن عمر قال ( أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – فقلت إني أبيع الإبل بالبقيع ، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير فقال : لا بأس أن تأخذ بسعر يومها مالم تفترقا وبينكما شيء) .
في الواقع إن الحديث يستدل به لوفاء الدين بقيمة مثله ، حيث يؤدى عند تعذر المثلية إلى ما يقوم مقامها ، وهو سعر الصرف يوم الأداء لا يوم ثبوت الدين . فالتماثل هنا من حيث القيمة لتعذر التماثل من حيث الصورة .
وأكثر الأحاديث توجهنا إلى أن الدين يؤدى بمثله لا بقيمته ، وهو الحكم الشرعي الذي عليه علماء الأمة ، ولكن لا يقاس هذا الحكم على الأوراق النقدية كما أسلفنا ، فهناك فرق بين الدراهم والدنانير وبين الأوراق النقدية المعاصرة . فالمثلية غير متحققة في الورق النقدي الذي تنخفض قيمته خلال فترات قصيرة .
إن شرط الربط بين المتعاقدين مهما دققنا النظر فيه لن يتجاوز اشتراط ما يضمن رد حقه بدون شطط ولا وكس، فهو مثل من يشترط رد قرضه في بلد آخر ضمانًا له من مخاطر الطريق، وهو ما يسمى بالسفتجة، وهو جائز عند جمهور الفقهاء، يقول شيخ الإِسلام: «والصحيح الجواز، لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهم المقترض، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم، ويحتاجون إليه، وإنما ينهى عما يضرهم ويفسدهم
يقول الدكتور رفيق يونس المصري: إن وفاء القرض ( قرض النقود الورقية ) بقيمته الحقيقية لا علاقة له بالربا ، بل بالضمان فتغير قيمة النقود الورقية تغيراً كبيراً يعتبر من العيوب الموجبة للضمان . والضمان غير الربا ، فهو متعلق بما يثبت في ذمة المدين بنقود ورقية : هل هو القيمة الاسمية ( العدد ) أو القيمة الحقيقية ( القوة الشرائية بالنسبة لنقود أو سلع معينة ) ؟ والنقود نعم يرد مثلها في القرض ، ولكن هل المثل الصورة أم المعنى ؟[16]
إن الربا هو الزيادة دون مقابل، والزيادات الموجودة هنا ليست في الواقع إلا زيادة من حيث الشكل والعدد وهذا ليس له أثر، فالزيادة التي وقعت عند التقويم وهي ليست زيادة وإنما المبلغ المذكور أخيرًا هو قيمة المبلغ السابق، وبالتالي فالمبلغان متساويان من حيث الواقع والحقيقة والقيمة.
إن الربا هو الزيادة المشروطة، وهنا لم يشترط الدائن مثلاً أية زيادة، وإنما اشترط قيمة ماله الذي دفعه، ولذلك قد تنقص في حالة ما إذا ارتفع سعر النقد الذي أقرضه ــ مثلاً ــ وأصبحت قوته الشرائية أكثر من وقت العقد والقبض [17].
المعيار المعتمد في الربط والتقويم لقيمة النقد :
بعد هذا العرض في بيان مفهوم الربط القياسي ، لابد من شرح المعايير التي اعتمدها العلماء في ربط قيمة النقد وترجيح المعيار الأقرب للعدالة بين المتعاقدين والذي يوافق روح الشريعة .
المعيار الأول : ذهب الدكتور فتحي الدريني ، إلى أنه : في حال تغير قيمة النقود فإن الحل العادل يكمن في توزيع الخسارة على طرفي العقد ، فلا يتحملها الدائن وحده ولا المدين وحده ، وقد صرح الدكتور محمد فتحي الدريني أن هذا القول مستمد من الفقه الحنفي ، وتحديداً من قول ابن عابدين في كتابه تنبيه الرقود على مسائل النقود حيث أنه يرى أن الحل عند رخص النقود وغلائها هو الصلح على الأوسط ، هكذا ذكر بتعميم دون تفصيل للمسألة [18]، ووافقه على ذلك أيضاً الدكتور مصطفى الزرقا في حالة الهبوط المفاجئ للعملة دون توقع ، يقول الشيخ : يتبين مما أسلفنا أن هبوط العملة الذي يجب أن يؤخذ بالاعتبار وينصف به الفرق الناشئ ويوزع على الطرفين الملتزم والملتزم له على كل منهما نصفه ، إنما هو في حالة الهبوط المفاجئ الذي يحصل عادة بقرار حكومي . يتخذ سراً ثم يعلن فجأة ويفاجأ به الناس ، أو بحدوث طارئ آخر مفاجئ ، أما إذا كانت العملة تهبط قيمتها هبوطاً تدريجياً ملحوظاً للعاقدين عند التعاقد فلا عبرة له ، إلا إذا كان الدين مؤجلاً إلى أجل طويل غير محدد وأدى الهبوط التدريجي إلى درجة فاحشة بطول الزمن ، كما في المهر المؤجل في عقود الزواج ، فعندئذ تعتبر القيمة وقت العقد وينصف الفرق بين الزوجين لأنه غير ملحوظ عند التعاقد ، أما متى يعتبر الهبوط فاحشاً يلحق بكساد النقود ، ويؤدي إلى تنصيف الفرق ، فالذي أرى أن الهبوط إذا تجاوز ثلثي قيمة النقد وقوته الشرائية عند العقد في البيع وعند القبض في القرض وبقي من قيمته أقل من الثلث ، فإنه حينئذ يعتبر فاحشاً ويوجب توزيع الفرق على الطرفين أخذاً من الأدلة الشرعية والآراء الفقهية التي تحدد حد الكثرة بالثلث ، واستدل الشيخ الزرقا لرأيه بما يلي:
- قضاء الديون على أساس المثل عند الانخفاض في قيمة العملة فيه ضرر كبير على الدائن .
- إن تكليف المدين بدفع قيمة الدين بعد انخفاضه الشديد على أساس قيمته السابقة مرهقاً له إرهاقاً لا يحتمل .
- العدل والإنصاف من أهم سمات الشرع الإسلامي ، وكلا الحلين ( المثل والقيمة ) لا ينطوي على عدل فهما مرفوضان .
- الحل العادل إذن اعتماد أحكام نظرية الظروف الطارئة في القانون الوضعي ، والتي تقضي بتحميل الخسارة على طرفي العقد فيحمل كل منهما نصف الفرق[19] .
المعيار الثاني : ربط النقود بأوسط القيم للنقود السائدة عند التعاقد ، قال ابن عابدين في موضوع ورود الأمر السلطاني بتغيير سعر بعض النقود الرائجة بالنقص : فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها نقصاً لا الأقل ولا الأكثر ، كيلا يتناهى الضرر على البائع أو على المشتري ، ورد ابن عابدين على بعض المفتين في زمانه الذين أفتوا بأن تعطى بالسعر الدارج وقت الدفع ولم ينظر إلى ما كان وقت العقد أصلاً ، فقال : ولا يخفى أن فيه تخصيص الضرر بالمشتري [20]، وتعقيبا على قول ابن عابدين هذا قال القرد داغي : وكلام ابن عابدين هنا منصب على ما تعارفه الناس من الشراء بالقروش ودفع غيرها بالقيمة ، فليس هنا شيء معين حتى تلزمه به سواء غلا أو رخص ، وفكرة الأوسط من قيم النقود السائدة فكرة جديرة بالبحث والدراسة والقبول وعلى ضوء هذا يمكن أن نقول : إنه في حال تغير قيمة النقود الورقية ننظر إلى معظم النقود السائدة من دولار وجنيه إسترليني ومارك ونحوها من نقد البلد ، فنأخذ بأوسط الأسعار أو بمتوسط القيم تحقيقاً للعدالة والوسطية وعدم الإضرار بأحد المتعاقدين [21]. ووافقه على ذلك الدكتور عبد الرحمن يسري أحمد في بحثه في الندوة المعقودة في مقر المعهد الإسلامي للبنك الإسلامي للتنمية حيث قال : لماذا لا نبحث بجدية في الحلول التي عرضها أبو يوسف وابن عابدين ( رضي الله عنهما ) وغيرهما من الفقهاء الذين اقترحوا حلولا واقعية وبسيطة في حالات كساد النقود أو زيادة نسبة الغش بشكل كبير فيها ، لماذا لا نحاول ربط القيم الآجلة ببعض العملات الذهبية المتداولة في سوق الذهب والمعروفة للجميع أو بسعر الغرام من الذهب [22]؟
المعيار الثالث : ذهب الدكتور محمد عثمان شبير ووافقه الدكتور عجيل جاسم النشمي إلى القول إن للحكومة أن تحكم بنسبة مئوية تضاف على القرض ، وكلما وقع عقد القرض فإن تلك النسبة المئوية تضاف إلى مبلغ ذلك القرض ، حيث قال في كتابه المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي : ولكن لتصحيح علة القياس ينبغي أن يعدل نقص القوة الشرائية في المعاملات المؤجلة منها ، بإضافة نسبة مئوية إلى الثمن الذي تأخر دفعه أو إلى القرض ، ليستكمل البائع أو المقرض أو المودع في المعاملات المصرفية مقابل ما نقص من حقه . وهذه النسبة تحدد بمعرفة أهل الاختصاص وهي التي تسمى ( نسبة التضخم ) ويمكن أن تتولى الحكومات تحديدها ، ويلتزم أصحاب الديون بالحساب على أساس ذلك التحديد [23]. يقول الدكتور عجيل جاسم النشمي: ولا نجد ما يمنع من تنظيم الدول نسب التضخم وتحديدها كل عام [24]، وتكون قائمة الأسعار مقياساً لتقييم العملة. وهذا موضوع ينظر تفصيله عند الاقتصاديين، لكن المبدأ مقبول ابتداء، حتى تنجلي صورته العملية من كل وجه، ويتبين عدم مصادمته لنص أو قاعدة أو مقصد شرعي .
ويتضح مما سبق أن معارضة رجال الاقتصاد وفقهاء الإسلام لربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار تتصل بالممارسة أكثر منها بالنظرية . إن مبدأ الربط الذي يدعو لصون القيمة الحقيقية للمدفوعات المؤجلة فحسب هو أقرب لروح النظام الاقتصادي الإسلامي من عدمه . فبالتالي نحن بحاجة إلى ابتكار طريقة جديدة ، وهي مثلاً بأن تصدر الحكومة أداة مالية جديدة يطلق عليها مثلاً ( وحدات القيمة الثابتة ) وتحدد الحكومات سعر هذه الوحدات مقدراً بالعملة المحلية من وقت لآخر ، ولكنها يجب ان ترتبط برقم قياسي مناسب للأسعار . ومن ثم فإن سعر وحدات القيمة الثابتة سوف يتغير مباشرة تبعاً لمستوى الأسعار العام [25].
إن هذا النظام كما أنه يمكن تطبيقه على ربط القروض فهو أيضاً يمكن أن يتمشى تطبيقه على الأجور والضرائب والمعاشات والمبيعات لأجل.
أبرز نتائج البحث :
خلص البحث إلى بعض النتائج المهمة والتي نستخلص منها أهم ما يتعلق بموضوع البحث من خلال بعض النقاط التالية :
- لايمكن الأخذ بأقوال العلماء في المذاهب فيما يتعلق بأحكام النقود ، لأن الأوراق النقدية في عصرنا لا تقوم بجميع وظائف النقود وبالتالي لاتنطبق عليها أحكام النقود .
- إن ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير سعر الصرف ليس فيه شبهة ربا . لأن الربا هو الزيادة دون مقابل، والزيادات الموجودة هنا ليست في الواقع إلا زيادة من حيث الشكل والعدد وهذا ليس له أثر، إن الربا هو الزيادة المشروطة، وهنا لم يشترط الدائن مثلاً أية زيادة، وإنما اشترط قيمة ماله الذي دفعه .
- معارضة بعض رجال الاقتصاد وفقهاء الإسلام لربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير سعر الصرف تتصل بالممارسة أكثر منها بالنظرية .
- إن مبدأ الربط الذي يدعو لصون القيمة الحقيقية للمدفوعات المؤجلة وهو أقرب لروح النظام الاقتصادي الإسلامي من عدمه .
- لا شك أن مقترح مايسمى بـ ( وحدات القيمة الثابتة ) والذي يمكن أن تصدره الدولة ، ،وتقوم بتسعير هذه الوحدات عند انخفاض القوة الشرائية للنقد ، يمكن أن يكون حلاً واقعياً وشرعياً .
المصادر والمراجع
1-ابن منظور : لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، الطبعة الثالثة /1414هـ،.
2- الحسيني ، محمد : تاج العروس من جواهر القاموس ، دار الهداية .
3- الفيروزآبادي : القاموس المحيط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الثامنة / 1426هـ
4- الزمخشري : أساس البلاغة ، دار صادر ، بيروت ، 1979
5- الحسن ، د. أحمد : الأوراق النقدية في الاقتصاد الإسلامي ، دار الفكر، بيروت .
6- السالوس ، د . علي أحمد استبدال النقود والعملات : مكتبة الفلاح ، الكويت .
7- الموسوعة الفقهية الكويتية . وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، الكويت .
8- المصري ، د. رفيق يونس : النقود في الاقتصاد الاسلامي ، دار المكتبي.
9- اللحياني ، د . سعد بن حمدان : نقود ومصارف إسلامية .
10- المصري ، د. رفيق يونس : آثار التضخم على العلاقات التعاقدية في المصارف الإسلامية ، دار المكتبي
11- حماد ، د. نزيه : تغيرات النقود والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي ( العدد الثالث ) .
12- إقبال ، د. منور : مزايا ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار ومساوئه .
13 – الزرقا ، دأحمد : شرح القواعد الفقهية ، دار القلم ، دمشق .
14- ابن عابدين : رد المحتار على الدر المختار : دار الفكر ، بيروت .
15- صديقي ، د. محمد نجاة : مذكرات في تدريس علم الاقتصاد / نقود وبنوك / ، مركز النشر العلمي ، جدة ،
16- شابرا ، محمد عمر : ندوة البنك الإسلامي للتنمية المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بعنوان ( ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار )
17- القره داغي ، د. علي محيي الدين : علاج التضخم في النقود الورقية من منظور الفقه الإسلامي .
18- الدريني ، د. محمد فتحي : النظريات الفقهية، مطبعة جامعة دمشق، دمشق– سورية، ط2 ،1990م، ص149
19- الزرقا ، د. مصطفى : انخفاض قيمة العملة وأثره على الديون السابقة ، مجلة الاقتصاد الإسلامي، بحث مقدم لدى، بنـك دبـي (2( الإسلامي، العدد 181 ،لسنة 1416هـ
20 -ابن عابدين: تنبيه الرقود على مسائل النقود ، دار الكتب العلمية
21- القره داغي ، د .علي محيي الدين : بحوث في الاقتصاد الإسلامي، دار البشائر الإسلامية .
22 – مجموعة من الباحثين : ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار : وقائع الندوة المعقودة في مقر المعهد الإسلامي التابع للبنك الإسلامي للتنمية وذلك في 25-نيسان 1987 ص 200
23- شبير ، د. محمد عثمان : المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، دار النفائس .
24- إقبال ، د. منور : مزايا ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار ومساوئه ، ندوة ربط الحقوق والالتزامات الآجلة
[1] ابن منظور : لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، الطبعة الثالثة /1414هـ، ج3/ص425 . تاج العروس من جواهر القاموس : محمد الحسيني ، دار الهداية ، ج9/ص230 . القاموس المحيط : الفروزآيادي ، مؤسسة الرسالة ، بريوت ، الطبعة الثامنة / 1426ه ، ج1/ص322
[2] ابن منظور : لسان العرب ، دار المعارف ، القاهرة ، مادة ( نقد ) ، 6\4517 – الزمخشري : أساس البلاغة ، دار صادر ، بيروت ، 1979 ، مادة ( نقد ) 650 – الفيروز آبادي : القاموس المحيط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .412
[3]: د: أحمد الحسن : الأوراق النقدية في الاقتصاد الإسلامي ، دار الفكر، بيروت ، ص38 . د .علي أحمد السالوس : استبدال النقود والعملات ، مكتبة الفلاح ، الكويت ، ص21 .
[4] الموسوعة الفقهية الكويتية : ج1 \ص173 .
[5] رفيق يونس المصري : النقود في الاقتصاد الإسلامي ، دار المكتبي ، ص 15 .
[6]: د. سعد بن حمدان اللحياني : نقود ومصارف إسلامية ، ص 10 .
[7] رفيق يونس المصري : آثار التضخم على العلاقات التعاقدية في المصارف الإسلامية ، دار المكتبي ، ص7
[8] د. نزيه حماد : تغيرات النقود والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي ( العدد الثالث )
[9] منور اقبال : مزايا ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار ومساوئه ، ص 95
[10] أحمد الزرقا : شرح القواعد الفقهية ، دار القلم ، دمشق ، ص 174 .
[11] رد المحتار : من أوائل كتاب البيوع ، عند قول المتن : وصح بثمن حال ومؤجل إلى معلوم ، وبخلاف جنسه
[12] تعقيب للقاضي محمد تقي العثماني في ندوة ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار ، نشر ( المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب ) ص 247
[13] د . محمد نجاة الله صديقي : مذكرات في تدريس علم الاقتصاد / نقود وبنوك / ، مركز النشر العلمي ، جدة ، ص32
[14] أحمد والدارمي ومسلم واللفظ له والأربعة وغيرهم .انظر : الهداية في تخريج أحاديث البداية : أحمد بن محمد بن الصدِّيق بن أحمد، دار عالم الكتب، بيروت – لبنان الطبعة: الأولى . ج7 \ ص180 .
[15] د. محمد الصديق الضرير : موقف الشريعة الإسلامية من ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار : بحث مقدم في ندوة البنك الإسلامي للتنمية المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بعنوان ( ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار )ص161 . تعقيب د. محمد عمر شابرا :في نفس الندوة المشار لها ، ص 156 .
[16] تعقيب للدكتور رفيق يونس المصري في ندوة ربط الحقوق والالتزامات الآجلة …. ص236
[17] علاج التضخم في النقود الورقية من منظور الفقه الإسلامي : د. علي محيي الدين القره داغي ، بحث مقدم إلى المجلس الأوربي للافتاء والبحوث .
[18] د. محمد فتحي الدريني : النظريات الفقهية، مطبعة جامعة دمشق، دمشق– سورية، ط2 ،1990م، ص149.
[19] د. مصطفى الزرقا انخفاض قيمة العملة وأثره على الديون السابقة، مجلة الاقتصاد الإسلامي ، بنـك دبـي (2( الإسلامي، العدد 181 ،لسنة 1416هـ، ص39.
[20] ابن عابدين: تنبيه الرقود، ج2 ،ص66-6
[21] القره داغي: بحوث في الاقتصاد الإسلامي، دار البشائر الإسلامية ، ص80)
[22] تعقيب للدكتور عبد الرحمن يسري أحمد في ندوة بعنوان : ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار : وقائع الندوة المعقودة في مقر المعهد الإسلامي التابع للبنك الإسلامي للتنمية وذلك في 25-نيسان 1987 ص 200
[23] محمد عثمان شبير: المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، دار النفائس ، ص19
[24] صدر قرار من الحكومة التركية بتاريخ :13\09\2022مـ ببيع منازل سكنية للمواطنين بالتقسيط لمدة\ 240 \شهر ، ويتم تحديد الأقساط الشهرية في كل سنة بنسبة لا تتجاوز 30% من دخل الأسرة . ( وكالة الأناضول ) . وبالتالي فإن الأقساط ستزيد في كل سنة وفق نسبة التضخم التي تعلن عنها الحكومة والتي من خلالها يتم تحديد أقل الدخل للمواطنين . فهذا القرار قريب جدا لما دعا إليه بعض العلماء من قيام الدولة بتحديد نسبة تضخم سنوية يكون على أساسها أداء قيمة الأقساط والالتزامات والحقوق المؤجلة .
[25] مزايا ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار ومساوئه : د. منور اقبال ، ندوة ربط الحقوق والالتزامات الآجلة ص96 .