مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

خواطر اقتصادية من “شعب عامر” في موسم الحج الأكبر الأستاذ ناصر حيدر مصرف السلام

0 770

            خواطر اقتصادية من “شعب عامر” في موسم الحج الأكبر

طالبني على عادته أخي الفاضل رئيس تحرير المجلة الأستاذ بن جدو بلخير بمقالة لهذا العدد منها ولم يشفع لي عنده تواجدي في البقاع المقدسة في موسم الحج الأكبر فتدبرت فيما أكتب فيه مما لا يخرج عن تخصص المجلة الاقتصادي ويتلاءم مع ما أنا فيه من أجواء روحانية ونفحات قدسية فانقدحت في ذهني بعض الخواطر التي تجمع بين الأمرين من إيحاء هذه البقعة من مكة التي يوجد بها الفندق الذي أقيم فيه وهي شعب عامر في أعالي حي غزة شمال شرق المسجد الحرام.

يذكر مؤرخو مكة المكرمة أن شعب عامر هو جزء من شعب أبي طالب الذي شهد تلك المقاطعة الاقتصادية الشنيعة التي فرضتها قريش على بني هاشم لإجبارهم على تسليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم ليقتلوه حيث كان قومه مسلمهم و مشركهم يحولون دونهم ودونه إيمانا بدعوته او عصبية وحمية له.

ويذكر أصحاب السير أن كفار قريش كتبوا وثيقة علقوها في الكعبة تعاهدوا فيها على مقاطعة بني هاشم و بني المطلب ابني عبد مناف فلا يجالسوهم ولا يخالطوهم و لا يزوجوهم و لا يتزوجوا منهم و لا يبيعونهم و لا يبتاعون منهم ولا يقبلوا منهم صلحا حتى يسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب  لشعب ابي طالب نصرة للنبي صلى الله عليه وسلم عدا عمه أبو لهب الذي تحزب على قومه مع خصومهم. لبث المسلمون و من ناصرهم من قوم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشعب ثلاث سنين من السنة السابعة إلى السنة العاشرة للبعثة يتضورون جوعا وعطشا واضطروا إلى أكل الحشائش والجلود حتى ان أصوات بكاء النساء والأطفال من الجوع كانت تسمع من مكة.

ومن الصور القاتمة لهذا الحصار الاقتصادي الشامل للمسلمين ومن والاهم ما حكاه سعد بن أبي وقاص قال:” خرجت ذات يوم ونحن في الشعب لأقضي حاجتي فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا هي قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها فغسلتها ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء فتقويت بها ثلاث ليال”

 

هذا ما فعلته الحمية حمية الجاهلية بقوم كان من شيمهم نصرة الملهوف و إطعام الجائع و قرى الضيف ولكنه الكفر الذي يولد في النفوس غشاوة تحول دون ما جبلت عليه من مروءة و مكارم أخلاق .غير أن بقية من هذه الفطرة السليمة والمروءة الجبلية لم تمت تماما لدى بعض القوم. فقد هال خمسة  من رجالات قريش أمر هذه القطيعة الشائنة التي لم تعهدها العرب من قبل فعقدوا العزم على التحرك لوضع حد لتلك المعرة ونقض ذاك الحلف الفاجر اولهم هشام بن عمرو  الذي كان طيلة مدة الحصار يرسل الطعام سرا للمحاصرين قبل ان يفاتح كلا من زهير بن أمية  و المطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بالعمل معا على إنهاء هذه المحاصرة الظالمة. فلما أصبحوا لبس زهير بن أمية حلته و طاف حول الكعبة ثم أقبل على الناس فقال: ” يا أهل مكة أنأكل الطعام ونَلْبَسُ الثياب وبنو هاشم والمطلب هَلْكى لا يبيعون ولا يبتاعون؟ والله لا أقعد حتى تُشَق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة. فقال أبو جهل: كذبتَ فقال زَمْعة لأبي جهل: أنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حين كتبت فقال أبو البختري: صدق زمعة وقال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك وصدّق على ما قيل هشام بن عمرو فقام إليها المطعم بن عدي فشقّها. ويذكر اصحاب السير انهم لم يجدوا من الصحيفة سوى كلمة باسمك اللهم وقد أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب  كما جاء في سيرة ابن هشام فقال:

«يا عم إن الله قد سلّط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان فقال: أربّك أخبرك بهذا قال: «نعم» قال: فو الله ما يدخل أحد. ثم خرج إلى قريش فقال:

يا معشر قريش، إن ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا، فهلمّ صحيفتكم، فإن

كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عنها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخي، فقال القوم: قد رضينا، فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فزادهم ذلك شرا، ونسوا ما تعاقدوا عليه، فعند ذلك صنع هذا النفر من قريش ما صنعوا، ولما مزقت قال أبو طالب في شأن هؤلاء الذين تسببوا في نقضها قصيدة يمدحهم فيها، نورد منها هذه الأبيات:

 

جَزَى اللّهُ رَهْطًا بِالْحَجُونِ تَبَايَعُوا ** عَلَى مَلَأٍ يُهْدِي لِحَزْمٍ وَيُرْشِدُ

قُعُودًا لَدَى خَطْمِ الْحَجُونِ كَأَنّهُمْ ** مَقَاوِلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزّ وَأَمْجَدُ

أَعَانَ عَلَيْهَا كُلّ صَقْرٍ كَأَنّهُ ** إذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدّرْعِ أَحْرَد

جَرِيّ عَلَى جُلّى الْخُطُوبِ كَأَنّهُ ** شِهَابٌ بِكَفّيْ قَابِسٍ يَتَوَقّدُ

مِنْ الْأَكْرَمِينَ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ ** إذَا سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ يَتَرَبّدُ

طَوِيلُ النّجَادِ خَارِجٌ نِصْفُ سَاقِهِ ** عَلَى وَجْهِهِ يُسْقَى الْغَمَامُ وَيُسْعِدُ

عَظِيمُ الرّمَادِ سَيّدٌ وَابْنُ سَيّدٍ ** يَحُضّ عَلَى مَقْرَى الضّيُوفِ وَيَحْشِدُ

وَيَبْنِي لِأَبْنَاءِ الْعَشِيرَةِ صَالِحًا ** إذَا نَحْنُ طُفْنَا فِي الْبِلَادِ وَيَمْهَدُ

أَلَظّ بِهَذَا الصّلْحِ كُلّ مُبَرّأٍ ** عَظِيمِ اللّوَاءِ أَمْرُهُ ثَمّ يُحْمَدُ

قَضَوْا مَا قَضَوْا فِي لَيْلِهِمْ ثُمّ أَصْبَحُوا ** عَلَى مَهَلٍ وَسَائِرُ النّاسِ رُقّدُ

هُمٌ رَجَعُوا سَهْلَ بْنَ بَيْضَاءَ رَاضِيًا ** وَسُرّ أَبُو بَكْرٍ بِهَا وَمُحَمّدُ

مَتَى شُرّكَ الْأَقْوَامُ فِي جُلّ أَمْرِنَا ** وَكُنّا قَدِيمًا قَبْلَهَا نُتَوَدّدُ

وَكُنّا قَدِيمًا لَا نُقِرّ ظُلَامَةً ** وَنُدْرِكُ مَا شِئْنَا وَلَا نَتَشَدّدُ

وهكذا انتهت هذه المحاصرة الاقتصادية الجائرة بفضل انتفاضة ثلة من أصحاب المروءة من كفار قريش الذين بقي النبي صلى الله عليه وسلم يشيد بفضلهم وفزعتهم وهم على شركهم. جاء في صحيح البخاري «أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ في أُسَارَى بَدْرٍ: لو كانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى؛ لَتَرَكْتُهُمْ له.» لم ينس عليه الصلاة و السلام للرجل فضله وهو من مزق  الصحيفة الجائرة ثم أجار النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف فحمل و بنوه السلاح و أحاطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إحاطة السوار بالمعصم ونادى في قريش :” إني أجرت محمدا فلا يهجه منكم أحد” وقد مات المطعم بن عدي مشركا ولم يمنع ذلك حسان بن ثابت من رثائه بأبيات نذكر منها:

أَيَا عَيْنُ فَابْكِي سَيّدَ الْقَوْمِ وَاسْفَحِي ** بِدَمْعٍ وَإِنْ أَنْزَفْتِهِ فَاسْكُبِي الدّمَا

وَبَكّي عَظِيمَ الْمَشْعَرَيْنِ كِلَيْهِمَا ** عَلَى النّاسِ مَعْرُوفًا لَهُ مَا تَكَلّمَا

فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلَدُ الدّهْرَ وَاحِدًا ** مِنْ النّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمَا

 

أَجَرْتَ رَسُولَ اللّهِ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا ** عَبِيدَك مَا لَبّى مُهِلّ وَأَحْرَمَا

فَلَوْ سُئِلَتْ عَنْهُ مَعَدّ بِأَسْرِهَا ** وَقَحْطَانُ أَوْ بَاقِي بَقِيّةِ جُرْهُمَا

لَقَالُوا هُوَ الْمُوفِي بِخُفْرَةِ جَارِهِ ** وَذِمّتِهِ يَوْمًا إذَا مَا تَذَمّمَا

فَمَا تَطْلُعُ الشّمْسُ الْمُنِيرَةُ فَوْقَهُمْ ** عَلَى مِثْلِهِ فِيهِمْ أَعَزّ وَأَعْظَمَا

وَآبَى إذَا يَأْبَى، وَأَلْيَنَ شِيمَةً ** وَأَنْوَمَ عَنْ جَارٍ إذَا اللّيْلُ أَظْلَمَا

وهذا ابو البختري بن هشام يشارك كارها قريشا في غزوة بدر فيتذكر النبي صلى الله عليه وسلم وقفته يوم الصحيفة فيقول للمسلمين كما جاء في سيرة ابن هشام : ” من لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله” فلقيه المجذر بن زياد البلوي رضي الله عنه فقال لأبي البختري: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك. ومع أبي البختري زميل له قد خرج معه من مكة، قال: وزميلي
فقال له المجذر: لا والله، ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك.
فقال: لا والله، إذن لأموتن أنا وهو جميعا، لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة.
فقال أبو البختري حين نازله المجذر وأبى إلا القتال يرتجز
لن يسلم ابن حرة زميله حتى يموت أو يرى سبيله
فاقتتلا، فقتله المجذر بن زياد، ثم إن المجذر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني، فقاتلته فقتلته.
قال ابن إسحاق: وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه.

إنه معدن من الرجال على كفرهم فيهم من الشهامة و الرجولة و الإباء ما يجعلهم يموتون دون ذلك.

ما أشبه الليلة بالبارحة ونحن نرى أصحاب الضمائر الحية في الغرب على اختلاف مشاربهم و معتقداتهم وانتماءاتهم ينتفضون ضد الحرب الهمجية التي يشنها الكيان الصهيوني الغاصب ضد إخواننا الفلسطينيين المستضعفين في غزة والتي كان الحصار الخانق و غير الإنساني الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي على القطاع أحد أسبابها. فلسنين طويلة لم يكتف الاحتلال بحرمان هذا الشعب المظلوم من حقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال بل امعن في إغلاق كل منافذ الحياة الكريمة على سكان غزة تموينا و تعليما واستشفاء و توظيفا حتى لما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وانفجروا في وجه عدوهم و أشياعه من أهل الباطل مطالبين بحقهم في العيش الكريم على أرض أجدادهم صب الصهاينة المجرمون عليهم حممهم وتكالبوا عليهم بقضهم وقضيضهم معتزمين إبادتهم وكسر إرادتهم قتلا و ترويعا وتشريدا وتجويعا ولم تسلم حتى وكالة الأمم المتحدة لتشغيل وغوث اللاجئين من جرائمهم فأمعنوا في مخازنها تدميرا و تحريقا وأضحت غزة اليوم مدينة أشباح ترى الناس فيها هائمين على وجوههم يبحثون عن لقمة يطعمونها أولادهم و نساءهم و آباءهم و كثير منهم لقى حتفه قبل ان يعود بما يسد به رمق ذويهم.

امام هذه الصور المروعة التي تتناقلها وسائل الإعلام و التواصل الاجتماعي من غزة تحركت النخوة الإنسانية في نفوس هذه الشعوب التي اكتشفت مدى التضليل و التزييف والاستهتار بالروح البشرية من قبل قوم لا ذمة لهم ولا رحمة وان شعارات الحرية و حقوق الإنسان والديموقراطية التي لقنوها منذ نعومة أظافرهم لا يجد الغرب و مستعمرته الصهيونية لها معنى لمن سواهم من شعوب الأرض الذين لا يعدون ان يكونوا أميين خلقوا ليستعبدوهم ويتخذوهم سخريا.

ما أشبه غزة هاشم اليوم بشعب بني هاشم بالأمس وما أشبه هؤلاء الساسة ورجال العلم و الفن و الطلبة الذين استنكروا و تظاهروا و اعتصموا ودافعوا وعن حق أهل فلسطين في إقامة دولتهم على أرضهم ونددوا  بكل ما أتيح لهم من وسائل بهذه الجرائم ضد الانسانية التي يتعرض لها سدان غزة ما أشبههم بأولئك النشامى الخمسة الذين وقفوا في وجه صناديد قريش لكسر حصارهم للمسلمين وتمزيق صحيفة العار والشنار. وما أكثر أشباه أبي لهب من بني العرب اليوم الذين تواطؤوا سرا أو علانية على تجويع إخوانهم وخذلوهم ومنهم من حرض عليهم وسلقوهم بألسنة حداد.

إذا كان التاريخ يعيد نفسه في مآسيه و مظالمه و احلك دياجيه فعساه يعيد نفسه ايضا في انتصار الدم على السيف و انتصاف المظلوم من ظالمه و عودة الحق لأصحابه اندحار الباطل واهله وما النصر إلا صبر ساعة. قال تعالى في سورة الحج :

{ إن الله يدافع عن اللذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ♤ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و أن الله على نصرهم لقدير ♤ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله و لولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ♤ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.