مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

الملكية الفردية في الإسلام قراءة في كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام للمفكر الشهيد سيد قطب رحمه الله-أ.حيدر ناصر-الجزائر-

0 4٬283

الملكية الفردية في الإسلام

قراءة في كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام

للمفكر الشهيد سيد قطب رحمه الله

 

يرى سيد قطب أن الإسلام أقر حق الملكية الفردية وجعلها أساسا لتحقيق عدالته الاجتماعية. فهذه الأخيرة تقتضي التساوي بين الجهد المبذول والجزء المحصول فالتناسب بين الاثنين طردي وليس من العدالة ان يكون عكسيا والحفاظ على حق الملكية الفردية في الشريعة الإسلامية مساير للفطرة البشرية النازعة خليقة لحب التملك. وبقدر ما راعى الإسلام هذه الميول النفسية الفطرية بقدر ما وضع حدودا وضوابط لها تحول دون تعدي الفرد على حق الجماعة.  فالفرد حر ان يعمل ويكدح وأن يستثمر نتاج كده ويورثه أبناءه وذوي رحمه ولاحق لأحد أن يسلبه شيئا من ثمار جهده في النطاق الذي لا يمس فيه بمصلحة الجماعة. وبهذا برهن الإسلام أنه ينظر إلى تطلعات البشرية نظرة أبعد وأعمق من نظرة النظريات الوضعية سواء تلك التي صادمت الفطرة الانسانية بإلغائها للملكية الفردية او تلك التي أرست ظلم أقلية مستحوذة على مصادر الثروة على حساب أغلبية كادحة مقهورة مغلوبة على أمرها.

 

طبيعة الملكية الفردية في الإسلام:

 

إن الملكية الفردية التي يبيحها الإسلام ليست كتلك الى نراها في النظم الرأسمالية، التي لا تجعل لها حدا ولا قيدا وانما هي ملكية تقف حدودها عند مصلحة الجماعة، بل أن هذه الملكية ليست سوى وسيلة من وسائل تحقيق المصلحة الجماعية ففلسفة الملكية الفردية في الإسلام تعتبر المالك وكيلا في هذا المال عن الجماعة وان حيازته له انما هي وظيفة اكثر منه حقا مطلقا وأن المال في الأصل حق للجماعة وهي مستخلفة فيه عن الله.

 

فالجماعة كلها لا يمكن أن تحصل على المال كله وتتقاسمه فيما بينها بالسواسية وتستعمله كما تملى عليها اهواء افرادها لان فيها من يملك استعدادات فطرية وذهنية لاستعمال هذا المال استعمالا لا يضر بمصلحته ولا بمصلحة الجماعة وفيها من لا يملك هذه الاستعدادات والذي ان حاز على المال اضاعه دون ان يحقق مصالح الجماعة ولا حتى مصالحه.

 

ولهذا اقتضت حكمة الإسلام ان تدع كل فرد يبدل جهدا خاصا لحيازة هذه الملكية بالوسائل المشروعة ومن نجح منهم في استحصاله انما هو في الغالب الذي يملك تلك الموهبة الفطرية لحسن استعماله واستثماره.

 

في الشريعة الإسلامية، ليست الملكية الفردية حقا مطلقا للتصرف والانتفاع بل للجماعة الحق في استرداد هذا الحق إذا أساء الفرد أو تعسف في استخدامه وهذا اشبه شيء بالوظيفة ان قام بها صاحبها قياما حسنا استمر فيها مشكورا وان أساء القيام بها انتزعت منه لتقدم الى من هو أولى بها منه وبعباره ادق يرى المؤلف ان الملكية الفردية في الاسلام مسؤوليه يتحملها الفرد ان كان أهلا لها وتناط بغيره إن كان عكس ذلك.

 

ومن هذا المنطلق أرسى الإسلام مبدأ رواج المال وتوسيع رقعة تداوله ونهى عن حبسه حكرا بين يدي طائفه خاصه من الناس دون غيرهم وهو المقصود من قوله تعالى في سورة الحشر (كي لا يكون دوله بين الاغنياء منكم). ومعنى هذا ان يؤخذ بعض المال من الاغنياء فيملك للفقراء لتقليل الفجوة بينهما قدر الإمكان وهذا ما حدث في عهد النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان البعد كبيرا بين اغنياء الأنصار وفقراء المهاجرين الذين تركوا أموالهم في مكة بعد الهجرة رغم ما كان من كرم الانصار وإيثارهم. فلما كانت موقعه بني النضير غنم المسلمون أموالهم صلحا فوزع النبي صلى الله عليه وسلم ذاك الفيئ كله على المهاجرين عدا فقيرين فقط من الانصار نال نصيبهما منه وقد جاء القرآن بتأييد هذا التصرف لتقليل البعد بين الاغنياء والفقراء ويدل ذلك على كراهية الاسلام لتحبس الاموال في يد طائفه وانحسارها عن اخرى لأن تضخم الثروة من جانب على حساب جانب آخر يؤدي الى اثاره الحقد والبغضاء بين فئات المجتمع وقد يلجأ المحرومون لاستعمال العنف والقوه والبطش او النفاق والتملق و المذلة كرد فعل وتفاديا لكل هذه الامراض  عمل الاسلام على الحفاظ على مقدار وسط من كلي الجانبين فلا غنى مترف ولا فقر مدقع

 

ومن زاوية أخرى  عدد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم خيرات لا يجوز تملكها من طرف الافراد بل هي ملك للجماعة ومن ذلك قوله عليه الصلاة و السلام في الحديث الذي رواه أحمد و أبو داود ” المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلأ  والنار” وذلك بوصفها  موارد و مرافق عامة ضرورية لحياة الجماعة والانتفاع بها حق  للجماعة على وجه الشيوع وذلك  يختلف من بيئة إلى بيئة  ومن عصر  إلى عصر.

 

الملكية الفردية في الإسلام من منظور سيد قطب وظیفه مشروطه و مقيدة ينوب فيها الفرد  عن الجماعة، وأن بعض المال شائع لاحق لاحد عليه بل ينتفع به الجميع على وجه المشاركة وان جزءا منه أيضا يرد الى الجماعة لتوزعه على الفئات التي هي في حاجة اليه لصلاح حالها وحال الجماعة معا.

 

وسائل التملك الفردي في الإسلام:

 

باستقراء نصوص الكتاب والسنة يستنبط أن الوسائل التي يعترف بها الإسلام لنيل امتلاك المال هي :

 

1- الصيد بكل انواعه من بحري او بري أو جوي

2- إحياء الموات من الأرض التي لا مالك لها، وذلك   في غضون ثلاث سنوات على الأكثر  والا سقط  حق  ملكيته لها لقوله  صلى الله عليه وسلم . ” فمن أحيا ارضا ميتة فهي له وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين” رواه أبو يوسف في كتاب الخراج.

 

3- استخراج ما في باطن الأرض من المعادن حيث تؤول أربعة أخماس ما يستخرج من المعدن لمن استخرجه والخمس يكون زكاة ركاز. وهذا خاص بالمعادن النادرة الاستعمال كالذهب والفضة… الخ اما ما يدخل في نطاق ضروريات الجماعة كالفحم والحديد والبترول فيرى فقهاء المالكية ان هذه الأنواع ملك عام.

 

4- تصنيع المادة الخام: لتفي بحاجة ضرورية وتحقق منفعة لم تكن لتحققها وهي خامة.

 

5- التجارة : لأنها تؤدي الى نقل الأشياء الخامة او المصنعة من يد الى يد مما يزيد في الانتفاع بها ويحقق مقصد الرواج.

 

6- العمل باجر: فالإسلام يحث على العمل ويعظمه ويدعوا الى توفية الاجير حقه معجلا وكاملا كما يحث العامل على تجويد عمله واتقانه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”ما أكل احدكم طعاما قط خيرا من عمل يده وإن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده” رواه البخاري وقال ” آتوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ” رواه ابن ماجة وقال : ” ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره”. وهذا تحقيقا لحاجة نفسية في حياة العامل الا وهي اشعاره بالاهتمام والعناية وان جهده مقدر و مكانه في المجتمع محترم وحاجة واقعية تتمثل في ان العامل محتاج لأجره ليسد به ضروريات عائلته وأن تأخير أجره يحرمه ثمرة جهده في انسب اوقاتها عنده ويقلل من نشاطه وحيويته. فالإسلام حريص على ان يعمل كل من يستطيع بأقصى ما يستطيع متمتعا بالرضى النفسي والاكتفاء المادي.

 

7- الغزو حيث ينشا منه ملكيه السلب وملكيه الغنيمة

 

8- اقطاع السلطان بعض الاراضي التي لا مالك لها مكافأة للمرء على ما قدم من عمل في صالح المسلمين فقد اقطع النبي صلى الله عليه وسلم ابا بكر وعمرا ارضا كما اقطع الخلفاء من بعده مكافأة على خدمه الإسلام والمسلمين

 

9- الزكاة والصدقة للمحتاجين فالحاجة بديل اضطراري عن العمل لمن عجز عنه أو لم يتح له وقد جعل الاسلام هذه الوسيلة اخر الوسائل المشروعة لنيل الامتلاك

 

10- شتى وسائل العمل المتجددة سواء كانت متمثلة في بدل جهد عقلي او عضلي

 

والحكمة في اقرار هذه الوسائل ومنع غيرها تتمثل في حمل الناس على بدل الجهد لأنه من مقومات الحياة وفيه تحقيق لعمارة الارض وافاده المجتمع وتهذيب النفس وتطهير الضمير وتصحيح الدين فليس كالعمل مهذب للروح مقو للجسد وحافظ للإنسان من عوامل الترهل والكسل والخمول.

 

ما دامت الملكية الفردية حصلت بعد بذل مجهود شخصي في الحدود المشروعة من وسائل الكسب فلا جرم ان يكون للفرد الحق في استعمالها لما يرى فيه نفعا له وذريته على شرط ان لا ينال ذلك من مصالح الجماعة بل ان يكون الاستعمال نافعا لها بقدر ما هو نافع له تماشيا مع التوازن المطلوب بين مصلحه الفرد والجماعة.

 

ولئن أقر الإسلام حق الفرد في توريث ماله لذويه فقد وضع لذلك نظاما دقيقا بديعا يراعي درجة القرابة ومقتضيات الاحوال و يسمح بالمحافظة على مقدار متوسط من الثروات كما يفتت ثروة الميت بين الورثة فلا يرث الفرد ثوره كامله الا في حالات نادره مثل ان يكون الوارث ذكرا لا ام له ولا جد ولا جدة ولا اخت وهذا النظام أسمى من النظام الانجليزي وأعمق فالنظام البريطاني يجعل التركة كلها بين يدي الابن الاكبر مما يحرم باقي العائلة من حقها ويثير الاحقاد بين العائلة الواحدة.

 

طرق تنميه الملكية في الإسلام:

 

ان الاسلام يسمح للفرد باستعمال كل الوسائل المشروعة من اجل تنميه ملكيته. هذه الوسائل لا تضخم رؤوس الاموال الى الحد الذي يباعد بين الطبقات في الفوارق فقد أقر الاسلام جميع طرق التنمية وحرم الغش في المعاملة والتجارة كونه يعد سببا لكسب غير مشروع و منع احتكار ضروريات الناس لأن ذلك يؤدي الى تحكم المحتكر في الاسعار ويغلق باب الفرص امام الاخرين وحرم الربا لأن الإسلام يعتبر المال وديعة بين يدي صاحبه ولا يحق له استغلال ضعف موقف الناس لينال منهم أكثر مما اعطاهم فيؤدي ذلك الى إعجازهم وتراكم ديونهم او  تضاعف حاجتهم بقضاء ديونهم كما انه كسب غير مقرون بجهد وهو وسيلة لتضخيم رؤوس الاموال بلا عمل ولا قيمة مضافة و يقضي على روح التعاون والمحبة والثقة بين افراد الجماعة و يؤدي الى سيطرة فئة محدودة على الاقتصاد وتسييره كما تشاء مما يفكك وحده المجتمع ويقضي على تناسقه وترابطه.

 

طرق إنفاق المال في الإسلام:

 

انطلاقا من نظرته الوسطية لحياة البشر يبيح الإسلام التمتع بالحلال مما يكسبه الإنسان بجهده وبلائه أو قرابته من مالكه هبة أو إرثا أو استحقاقا لفقره وحاجته مصداقا لقوله تعالى: ” قل من حرم زينة الله على عباده والطيبات من الرزق”. وفي نفس الوقت يضع لذلك ضوابط تحول دون الإسراف و التبذير و التبديد عملا بقوله تعالى : ” ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ” وقوله تعالى: ” خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين “. فالشريعة الإسلامية كما وضعت ضوابط للتملك وضعت قيودا لاستعمال المال بحيث لا يضر استعماله بحق الجماعة في ذلك المال ومنه تشريع الحجر على السفهاء حتى لا يبددوا ما في أيديهم لقوله تعالى: ” ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما”. ويرى العديد من الحقوقيين أن القوانين الوضعية استمدت مبدأ منع التعسف في استعمال الحق من الشريعة الإسلامية التي كرسته وجسدته في الكثير من الأحكام الفقهية.

 

الخلاصة:

 

يستخلص من هذه القراءة المقتضبة لفكر سيد قطب رحمه الله كما يستشف من كتابه       ” العدالة الاجتماعية في الإسلام” أن الملكية الفردية في الإسلام مسؤولية ينوب فيها الفرد عن الجماعة وان الفرد وكيل في هذا المال عن الجماعة المستخلفة فيه عن الله سبحانه وتعالى ولا يتم للفرد نيل حق التملك في الإسلام الا بفعل العمل بمقتضى العدل بين الجزاء والجهد.

 

وعليه نستنتج أن المفكر يميل إلى ترجيح ما يسمى بالاتجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي حسب تعبير الدكتور محمد فاروق النبهان في كتابه الذي عنونه بهذه العبارة. فمن منظور هذه المدرسة الفكرية لئن كان الإسلام يقر و يحمي الملكية الفردية ويشجع على تنميتها فإنه بالمقابل يرجح المصلحة الجماعية عند تعارضها مع المصلحة الفردية وقد وضع الفقهاء لذلك قاعدة عامة نصها : ” يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام” ومن الأحكام الفقهية المستمدة من هذه القاعدة نذكر على سبيل المثال : جواز استملاك الأراضي المجاورة للمسجد جبرا عن أصحابها إذا ضاق المسجد بالناس واستملاك الطرق العامة التي يسلكها المسلمون وفرض ولي الأمر أجر المثل للحرفين إذا تحكم أصحاب الأعمال في أجورهم وبيع الطعام المحتكر جبرا عن صاحبه عند الحاجة إليه و التسعير عند اشتداد الغلاء و تضرر المسلمين منه و النهي عن تلقي الركبان و نهي بيع الحاضر للبادي وتحريم التعامل بالربا و عقود الغرر لإضرارها بمصالح عامة المسلمين.

 

ومع هذا يؤكد سيد قطب على تميز النظام الإسلامي عن الأنظمة الوضعية رأسماليها و اشتراكيها بالبعد الروحي العقائدي الأخلاقي الذي يمثل الطاقة الدافعة له للحفاظ على التوازن بين حقوق الفرد و الجماعة ومنع طغيان أحدهما على الآخر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.