مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

القرضاوي والاقتصاد الاسلامي -بن جدو بلخير-الجزائر-

1 3٬270

 

وقالوا  الإمامُ  قضى نَحبَهُ / وصيحةُ مَن قد نعاهُ عَلَتْ

فقلتُ: فما واحدٌ قد مضى / ولكنّه أمَّةٌ قد خَلَتْ

لم يكن العلامة القرضاوي صاحب علمٍ فحسب؛ وإلا فأهل العلم كُثُر، ولم يكن حامل شهادة، فحملة الشهادة تثقُل الأرض بهم، ولكنه كان أمّةً لوحده بما امتلك من جرأةٍ وسبقٍ وصدعٍ تكاد تنعدم في أقرانه…رحمه الله تعالى فقد كان واحدا بألف…

وإذا كان الاقتصاد الاسلامي من الفروع بالتقسيم الحادث، وإن كانت الشرائع تتحد في أصل التوحيد وتختلف في الفروع

كما يُبين عنه الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (الأنبياء إخوةٌ لعلّات الدين واحد، والشرائع شتى) إلا أن الأنبياء والشرائع قد اتحدت في الحكم على صور الاقتصاد الإسلامي المحرمة، فلم تتمايز الشرائع فيها، وقد ذُكرت بعض الفروع بإزاء التوحيد لبيان عظيم مكانتها إذ ‏« من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطًا بعضها بالبعض، ليكون كل واحد منها مقويًا للآخر ومؤكدًا له»  على ما يقرره الإمام الفخر الرازي،

قال الله حكايةً عن شعيب عليه السلام  إذ يخاطب قومه ﴿ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ [الأعراف: 85]، وقال: ﴿ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾  لأجل أن الجامع في الأمر والمقصد الأعظم فيه هو تحريم الظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، فمن أجل ذلك كانت مسائل المعاملات بين الأمم واحدةٌ، لاتحل معاملةٌ في أمة دون أخرى، وجاءت الشريعة المحمدية مؤكدة لهذا (ويل للمطفيين) (وأحل الله البيع وحرم الربا) ومئات من الأحاديث التي تفصِّل المعاملات المالية تفصيلا دقيقا بما لا تجده في اقتصادٍ وضعيٍّ آخر، ولأنه اقتصادٌ اعتمد على أمرين هامين : القيمٍ والأخلاق كما يقرر العلامة القرضاوي، وفي سائر ما كتب راح العلامة يشرح ويُبين عن هذين الأصلين بدءا بكتابه الذي أحدث ضجّة وتحوّلا في الفقه الاسلامي : فقه الزكاة.. الكتاب الذي قال عنه أبو الأعلى المودودي : إنه كتاب القرن !! وقد تبنى مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ترجمته إلى اللغة الإنجليزية، كما نُقل إلى الأوردية والتركية والأندونيسية وغيرها بما لم ينله كتابٌ آخر في بابه،  فكانت له رؤية الفقيه الجريء الواقعي الذي جعل من الاقتصاد الاسلامي دليلا  من أدلة  أهلية الشريعة المحمدية لأن تكون حاكمةً وقاضيةً على الشرائع الأخرى، فدعى إلى تحكيمها من خلال هذا الجانب منها، قال عن نفسه : عنيت بالاقتصاد؛ لأنه جزء من نظامنا الإسلامي، ومن شريعتنا الإسلامية، وحيث إن أحد أركان الإسلام الخمسة يتعلق بالاقتصاد، وهو: الزكاة، وإحدى “الموبقات السبع” يتعلق بالاقتصاد، وهي: الربا، الذي أذن القرآن مرتكبيه بحرب من الله ورسوله، إن اهتمامي بالاقتصاد الإسلامي جزء من اهتمامي بالشريعة الإسلامية، والدعوة إلى تحكيمها في جميع مجالات الحياة، وإحلال أحكامها محل القوانين الوضعية والأنظمة المستوردة.

والقرضاوي قد اتّخذ من الاقتصاد الاسلامي وسيلةً دعويةً فهو من المبادرين إلى  تأسيس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت في عام 1984م، ونادى بجمع مليار دولار يتم استثماره وإنفاقه لمواجهة الفقر والجهل والمرض، وصدح في العالم “ادفع دولارا تنقذ مسلما”.

إن الاقتصاد الاسلامي سرّه الأكبر في تحريم الرّبا، قال التابعي الجليل زيد بن أسلم: كان الربا في الجاهلية: أن يكون للرجل على الرجل الحقُّ إلى أجل، فإذا حَلَّ الأجلُ قال: أتقضي أم تُربي؟ فإن قضى أَخَذَ، وإلَّا زاده في حقه، وأخَّر عنه في الأجل.

فجاء الاسلام ليحطّم هذا المعنى ويدعو إلى زرع الاخلاق والتعاون وتحريم الظلم، قال العلامة الطاهر بن عاشور في تحريره وتنويره:”ويمكن أن يكون مقصدُ الشريعة من تحريم الربا البعدَ بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال، وإلجاءَهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا، فيكون تحريم الربا ولو كان قليلا، مع تجويز الربح من التجارة والشركات ولو كان كثيرا، تحقيقا لهذا المقصد”

وعلى هذا جاءت مؤلفات القرضاوي رحمه الله من فقيهٍ وداعية : مؤلفات تحمل العلم والتأسيس للأخلاق والثورة على النظم الوضعية فكتب للناس : فقه الزكاة ، ومشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام ، وبيع المرابحة للآمر بالشراء، ودور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، وأخيرا : فوائد البنوك هي الربا والحرام .

رحمه الله فكأني به كان مستنًّا بالإمام محمد بن الحسن الشيباني إذ كان يخرج الى الصباغين فيسأل عن معاملاتهم وكيف ييديرونها بينهم، فشارك في المؤتمرات كمؤتمر المصارف الإسلامية في دبي، وفي الكويت واستنابول وغيرها، ومؤتمر الهيئة العليا للرقابة الشرعية بالبنوك الإسلامية، وندوة” الاقتصاد الإسلامي في مجال التطبيق”، وعمل مستشارا شرعيا متطوعا لأول بنك إسلامي( بنك دبي الإسلامي)، وصار عضوا للهيئة العامة للرقابة الشرعية بدار المال الإسلامي في جنيف، وشركة الراجحي للاستثمار بالمملكة العربية السعودية، وهو كذلك رئيس هيئة الرقابة الشرعية لكل من مصرف قطر الإسلامي بالدوحة، وبنك قطر الإسلامي ومصرف فيصل الإسلامي بالبحرين وباكستان، بنك التقوى في لوجانو بسويسرا. وعضو مجلس إدارة بنك فيصل الإسلامي المصري، وعضو مؤسس بجمعية الاقتصاد الإسلامي بالقاهرة . …

كل هذا وما خفي عنّا من المؤسسات والاستشارات الخاصة والندوات الجامعية …يدل على أن العلامة القرضاوي لم يكن مجرد باحث أو موظف، بل كان صاحب فكرة يدعو لتجسيدها وتمثيلها خير مثال في معاملات عصرية تمثل حركية الإسلام وقابليته لمواكبة كل زمان ومعايشته لكل مكان.. فأعمل نظره وفكره، وجال بهما في نصوص الوحيين والآثار وتمعّن في الأقيسة وسَبَر الأعراف، كل ذلك باجتهاد يؤجر فيه إن أصاب فيما يبدو أنه صواب، ويُغفر له فيه خطؤه فيما يبدو أنه خطأ،  قال الزركشي في بحره المحيط  (اعلم أنّ الله لم ينصّب على جميع الأحكام الشرعية أدلةً قاطعةً، بل جعلها ظنيّة، قصدًا للتوسيع على المكلفين؛ لئلا ينحصروا في مذهبٍ واحدٍ لقيام الدليلِ القاطعِ عليه) ولأن كلمة الاجتهاد تحتمل في مكنونها الاعتذار، فالعالم الحقيقي لا يركن للتقليد ليسلم من النقد، بل يخوض لُجّة النصوص فهو يصيب ويخطيء، قال الإمام أحمد ( لا أعنّف من قال شيئا له وجهٌ، وإن خالفناه) وهذه أعمال لا يستطيعها موظف أو باحث عادي

وبعدُ :

فقد أعيا القرضاوي من بعده، ومن رام العمل لله فعليه أن يستحضر جهوده وجهود أقرانه ليتجلّى له حجم المعاناة التي احتملوها، فيتعسّر عليه النقد الذي يستسهله مَن لا خلاق له …

وخذ قبسا من نورهم ثم سِر به /  فنورهم يهديك ليس المشاعلا

والسلام

وكتب

المُتحنِّنُ إليهم

بن جدو بلخير

  1. عيسى يقول

    جزاكم الله خير على هذا المقال المحكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.