مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

التورق المصرفي المنظم دراسة فقهية مقاصدية أ: عبد العالي احميداني

0 7٬285

 

التورق المصرفي المنظم  دراسة فقهية مقاصدية

ملخص:

يتناول هذا البحث صيغة التورق المصرفي المنظم في المصارف الاسلامية ، ودوره في عمليات التمويل ، فأصبح أهم الأساليب المطبقة في المصارف الإسلامية لتوظيف السيولة النقدية وتحقيق المكاسب ، ومن أهم اساليب اعتماد المصارف على هذه الصيغة هو قلة المخاطرة برأس المال .

يختلف التورق المصرفي المنظم عن التورق الفردي ، في تولي المصرف بيع السلعة لمن شاء بتوكيل من عميله ، أما التورق الفردي فالعميل هو الذي يتولى بيع السلعة ولا دخل للبائع في ذلك ، كما أن التوسع في عمليات التورق المصرفي المنظم جعل المصارف الاسلامية تستغني تدريجيا عن العقود والأدوات المالية الاسلامية ، ومن أهم آثار تطبيق هذه الصيغة انتشار المديونية في المجتمع على عكس صيغ التمويل الإسلامية، إضافة الى ذلك فإن المجامع الفقهية أجمعت على عدم جواز هذه الصيغة ، وأن التورق الفردي  هو التورق الجائز شرعا ، شرط أن يكون مستوفيا لشروط البيع .

  • كلمات افتتاحية : التورق الفردي ، التورق المصرفي المنظم ، صيغ التمويل الاسلامية ، اساليب التورق المصرفي المنظم .

   Abstract

This research deals with the formula of organized banking tawarruq in Islamic banks, and its role in financing operations; It has become the most important method applied in Islamic banks to employ cash liquidity and achieve gains, and one of the most important reasons for banks’ reliance on this formula is the lack of capital risk Organized banking tawarruq differs from individual tawarruq, in that the bank undertakes to sell the commodity to whomever it wishes with the authorization of its client. As for individual tawarruq, the customer is the one who undertakes the sale of the commodity and the seller has nothing to do with that, just as the expansion of organized banking tawarruq operations made Islamic banks gradually dispense with contracts and tools. Islamic finance, and one of the most important effects of applying this formula is the spread of indebtedness in society, unlike the Islamic financing formulas. In addition, the jurisprudence councils have unanimously agreed that this formula is not permissible, and that individual tawarruq is the legally permissible tawarruq, provided that it meets the conditions of sale. Keywords: individual tawarruq, Organized banking tawarruq, Islamic financing formulas, Methods of organized banking .

بسم الله الرحمن الرحيم 

مقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أما بعد : فإن الناس لا يستغنون في معاشهم عن المعاملات المالية

يعتبر التورق المصرفي المنظم من أهم المواضيع الاكثر رواجا في الفكر المالي المعاصر ، حيث ينتشر التعامل به في المؤسسات المالية كأحد اساليب التمويل الحديثة ، حيث أصبح هذا الاسلوب من أهم المنتجات المالية الاسلامية  في السنوات الاخيرة ، مما جعلها تركز اهتمامها على تطوير هذا الاسلوب  لتحقيق اكبر قدر من الارباح .

  • إشكالية البحث:

        لقد أثار التورق المصرفي العديد من المسائل القانونية والاقتصادية والشرعية  حول الدور الذي يمكن أن يلعبه في عملية التمويل داخل البنوك والمؤسسات المالية الاسلامية  مما  يستوجب على المختصين الاهتمام به ودراسته، وتكييفه فقهياً، وإعطاءه الأحكام القانونية والشرعية، ومن هنا تبرز مشكلة البحث

  • أهمية البحث :

      تتجلى أهمية الموضوع في كونه يتناول نازلة فقهية تفتقد للكتابة  والبحث فيها من وجهة نظر الاقتصاد الإسلامي ومقاصد الشريعة ،  لما لهذه المسألة من كبير أهمية، وهي تشتمل على أحكام فقهية دقيقة تدعو الحاجة إلى دراستها والتأمل فيها وبيان حكم الشرع  في صورها، وقد وردت فتاوى وأسئلة من تقنيين حول موضوع التورق المنظم ومسائله، مما يبين أهميته وحاجة الناس له .

  • أسباب اختيار موضوع البحث:

 

 

 

 

 

  • أهداف البحث:

          يهدف هذا البحث إلى:

  • التعريف بحقيقة التورق المصرفي وصلته ببيع العينة وتبيِين خصائِصه.
  • تكييف التورق المنظم من الناحية الشرعية.
  • الوصول إلى الحكم الشرعي في التعامل بالتورق المنظم الذي تجريه المصارف الاسلامية”.

 

  • منهجية البحث:

       اعتمدت في هذا البحث على المنهج الاستقرائي من خلال تتبُّع المواقع الالكترونية التي عّرفت التورق المنظم ، وبيّنت أوصافه وخصائصه، إما من خلال دراسة متخصصة، أو نقلاً عن مواقع أجنبيّة متخصصة، ثم اعتمدت المنهج التحليلي الاستنباطي، من خلال استقراء أقوال العلماء القدامى ولمعاصرين للوصول إلى تكييف ” التورق المنظم” وحكمه الشرعي.

  • خطة البحث :

      اشتمل البحث على مقدمة وأربعة مطالب رئيسة وفي ضمنها فروع، على النحو الآتي :

  • المقدمة :  اشتملت على أهمية البحث وأسباب اختياره وخطته ومنهجه.
  • المطلب الأول : التكييف الفقهي للتورق المصرفي .
  • الفرع الأول : حقيقة التورق وأنواعه:
  • الفرع الثاني : الفرق بين التورق الفقهي والتورق المصرفي (المنظم):
  • الفرع الثالث  : التصوير الفقهي لمسألة  التورق المصرفي :
  • الفرع الرابع : التكييف الفقهي للمسألة:
  • الفرع الخامس : تحرير محل النزاع في المسألة :
  • المطلب الثاني :الحكم الشرعي للتورق المصرفي .
  • الفرع الاول : أقوال الفقهاء في المسألة:
  • الفرع الثاني : أدلة الفقهاء في المسألة :
  • الفرع الثالث: مناقشة أدلة المانعين والمجيزين
  • الفرع الرابع : رأي المجامع الفقهية في المسألة :
  • المطلب الثالث: أثر القواعد المقاصدية في الترجيح
  • الفرع الاول : عند القائلين بالتحريم:
  • الفرع الثاني: عند القائلين بالجواز :
  • المطلب الرابع : الراجح في المسألة :

 

  • الدراسات السابقة

بسـبب حداثـة الموضـوع وجدِتـه فـإن الدراسـات حولـه قليلـة جـداً، خصوصـاً فـي الجانـب
الشـرعي المقاصدي . نذكر منها:

  1. التـورق : حقيقته ، أنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظم) ، لوهبة الزحيلي، بحث مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي ، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، الدورة التاسعة عشرة ، الشارقة ، دولة الإمارات العربية المتحدة .
  2. ، التورق الفقهي وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي ، لشبير ، محمد عثمان ،بحث مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي ، الدورة التاسعة عشرة ، إمارة الشارقة ، الإمارات العربية المتحدة .
  3. التورق كما تجريه المصارف : دراسة فقهية اقتصادية ، للقري ، محمد العلي ، أعمال وبحوث الدورة السابعة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة ، التي عقدت في 13-18 ديسمبر (2003م)، المجلد الثاني .
  4. التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي . للجندي ، محمد .

ولعل الجديـد فـي هـذا البحـث هـو أنـي قـد درست الموضوع من الناحية الشرعية والمقاصدية  و بينت علاقة التورق المصرفي بالتورق الفقهي من جهة اولى ، وعلاقته بالعينة من جهة اخرى ، ومـن ثـم توصلـت إلـى الحكم الشرعي لهذه النازلة الفقهية .

————————————–

  • المطلب الأول :
  • الفرع الأول : حقيقة التورق وأنواعه:

     يُعد التورق المصرفي الحالي تطويراً للتورق الفقهي الذي ذكره الفقهاء، فماهي حقيقة كل منهما وما الفرق بينهما ؟

  • أولا : التورق الفقهي :
  • التَّوَرُّق لغة:

التورق لغة مشتق من الوَرِق، وهي الدراهم المضروبة من الفضة([1])،ومنه قوله تعالى: ﭽ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﭼ ( سورة الكهف ، الاية: 19)، فالتورق هو طلب الوَرِق أي طلب النقد، والمتورق هو طالب النقد، والمقصود بها نقود فضية خرجوا بها من المدينة ([2]).  وعلى ذلك فأصل التورُّق طلبُ النقود من الفضة ، ثم توسع الناس في استخدامها إلى طلب النَّقد عموما ، سواءٌ أكان فضةً ، أم كان ذهبًا ، أم كان عملةً ورقية ، فبقي أصل اللفظ ، وصار التوسُّع في مدلوله تبعًا للتوسع في مفهوم النقد ([3]).

  • التورق اصطلاحا :

     هو أن يشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها نقدًا بثمن أقل ، ليحصل على النقد . فإن باعها إلى البائع نفسه فهي العِينة ، وإن باعها إلى غيره فهو التورق . والعينة من العَين ، وهو هنا : الذهب ،  أو الدنانير الذهبية ، أو النقود عمومًا ([4]). ويطلق البعض على هذه العملية (زرنقةً) وهو أن يشتريَ الرجل سلعة بثمن إلى أجل ، ثم يبيعَها من غير بائعها بالنقد ([5]).

     و، حيث كانت هذه الصورة أحد بيوع العينة، ولذا فإن حقيقة التورق موجودة في المذاهب كلها إلا أنه مصطلح خاص بالحنابلة، وهذه دقة من الحنابلة في استعمالهم لمصطلح التورق لاشتهاره بين المعاصرين وللتفريق بينه وبين العينة.

وللتورق أركان وعناصر منها ([7]):

  1. طرفي التورق : مورِّق ( دافع النقود أو الدائن ) ، ومستورق أو متورق ( وهو المشتري الأول طالب النقود أو الورِق ) .
  2. محل التورق : وهو السلعة المشتراة والمبيعة .
  • الفرق بين التورق الفقهي والعينة وحكمهما :

خلال التورق يقوم المتورق بشراء  السلعة نسيئة من البائع، ثم يبيعها لطرف ثالث نقداً بأقل من سعر النسيئة ليتحصل على النقد، وأما العينة فيشتري السلعة من بائعها نسيئة ثم يبيعها للبائع نفسه نقداً بأقل من سعر النسيئة ليتحصل على النقد أيضاً.

وأما حكمهما فذهب الجمهور -الحنفية والمالكية والحنابلة- إلى حرمة العينة لما فيها من تحايل جلي على الربا فالبائع لا يريد بيع السلعة وإنما أراد الزيادة، لكنه أدخل صورة البيع على سلعة ليتوصل بها إلى الزيادة الربوية([8])، أما الشافعية فخالفوا الجمهور في تحريم العينة وصرح الشافعي في كتابه الأم بجواز العينة، وأطال في الاستدلال لجوازها، ووافقه في هذا أهل مذهبه، فكان مذهب الشافعية جواز بيع العينة، ويقوم استدلالهم للجواز على اعتبار ظاهر العقود والتصرفات، وهي قاعدة مطردة عند الشافعي وأهل مذهبه([9])، فالعينة بيع آجل ثم بيع عاجل وكلاهما جائز فلا مانع من تتابعهما عندهم ما لم يكن البيع الثاني شرطاً في البيع الأول ولو عرفاً إلا أن متأخري الشافعية صرحوا بكراهته([10]).

أما التورق الفقهي فالجمهور الأعظم من الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة- على إباحته وجوازه، إلا أن للحنفية والحنابلة قول بالكراهة في المذهب([11])، وذهب الإمام أحمد بن حنبل في رواية إلى القول بتحريمه ووافقه فيها بعض الحنابلة([12])، وقد ذهب المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي إلى جواز التورق الفقهي “([13]).

وبناء على ذلك فإن علة تحريم العينة تكمن في قصد البائع لا في قصد المتورق، فالبائع تمحض مقرضاً أردا التحايل على الربا، فاتخذ صورة البيع بالنسيئة ثم البيع بالنقد بثمن أقل والسلعة في البيعتين متحدة فكانت صورية غير مبتغاة، أما المتورق فقد تمحض في الحقيقة مقترضاً حيث أراد الحصول على النقد في مقابل دفع زيادة نظير الزمن، والسلعة عنده في البيعتين أيضاً متحدة فكانت صورية غير مبتغاة، لكن قصده لم يؤثر في التحريم فغاية ما في التورق أنه يظهر خللا اجتماعيا في المجتمع الإسلامي حيث اضطر المتورق إلى هذه المعاملة للحصول على النقد بسبب ظروفه القاهرة ولم يجد عونا من إخوانه بالإقراض الحسن أو من أموال الزكاة والصدقات وغيرها، ولذا كانت كراهة التورق في بعض المذاهب الفقهية، وهذا بخلاف المقرض الذي أراد أكل الربا وأخذه بصورة مشروعة الشكل فكانت هذه المعاملة وهي العينة محرمة شرعاً عند الجمهور، ومحرمة عند الشافعية إذا كان البيع الثاني مشروطاً في البيع الأول أو جرى العرف بذلك، أما إن لم يكن شرط أو عرف فلا تحرم باعتبار الظاهر.

  • ثانيا : التورق المصرفي

         لقد وتمليكه إياها بيعَها مرة أخرى بطريق الوكالة لطرف ثالث، فهذا التورق يشبه التورق الفقهي العادي من حيث اشتمال المعاملة على أطراف ثلاثة ، إلا أنه خلال التورق المنظم يتدخل البائع لتسهيل المعاملة وإرشاد المتورق إلى أيسر السبل لبيع السلعة بعد تملكها، بل يصل الأمر إلى أن يوكل المتورقُ البائعَ في بيع السلعة واستلام ثمنها ثم دفعها للمتورق، فسمي بالتورق المنظم لكون المعاملة تمت بطريق الترتيب والتنظيم مسبقا بين المتورق والبائع بالنسيئة.

والتورق المنظم هو عين التورق المصرفي الذي تتعامل به المصارف الإسلامية، وقد استخدمتها أداة تمويلية لعملائها بغية توفير السيولة النقدية لهم، فسمي بالتورق المصرفي لتعامل المصارف به، حيث تقوم المصارف الإسلامية ببيع السلعة للعميل بثمن آجل على أقساط، وبعد تملك العميل السلعة تبيعها مرة أخرى لطرف ثالث بطريق الوكالة بثمن عاجل وتقبضه، وتسلم العميل المبلغ نقدا باعتباره صاحب السلعة.

  • الفرع الثاني : الفرق بين التورق الفقهي والتورق المصرفي (المنظم):

تتطابق صورة التورق الفقهي مع التورق المصرفي في الشكل والصورة إلى حد كبير، فكلاهما مشتملان على بيعتين الآجل منهما يكون بثمن أعلى من العاجل، وأن القصد منهما الحصول على النقد عن طريق التحايل وتفادي الوقوع في الربا، إضافة إلى وقوع المعاملة بين ثلاثة أطراف، إلا أن الفارق بينهما يكمن فيما يأتي:

  • الأول: وجود تفاهم مسبق بين البائع والمتورق على المعاملة حيث لا يقصد الطرفان السلعة وإنما حصول المتورق على النقد ثم رده نسيئة مع زيادة، وفي كثير من الأحيان يكون الطرف الثالث متواطئاً في هذا الاتفاق، وهذا بخلاف التورق الفقهي، فقصد التورق يكون من المتورق فقط دون البائع والمشتري النهائي (الطرف الثالث).
  • الثاني: توسط البائع في بيع السلعة بعد تملك المتورق لها، بل قد يصل الأمر إلى أن يكون البائع وكيلا عن المتورق في قبض السلعة وبيعها وقبض ثمنها وتسليمه للمتورق، وهذا بخلاف التورق الفقهي حيث ينحصر دور البائع بعد بيع السلعة نسيئة في مطالبة المتورق بثمن السلعة في موعدها المؤجل.
  • الفرع الثالث  : التصوير الفقهي لمسألة  التورق المصرفي :

      تقوم فكرة التورق المصرفي على توافق بين المصرف والعميل على شراء المصرف سلعة دولية أو محلية، ليقوم المصرف ببيعها للعميل بسعر مؤجل على أقساط، على أن يوكل العميلُ المصرفَ في قبضها وبيعها في السوق المحلية أو الدولية -حسب السلعة المشتراة – ثم تسليمه الثمن نقدا بإدراجه في حساب العميل ، وهذه العملية تقوم وفق خطوات عملية لا بد من بيانها وتصويرها وهي على مراحل ثلاث:

  • المرحلة الأولى: شراء المصرف السلعة :يقوم المصرف بشراء السلعة بإحدى طريقتين:
  • الطريقة الأولى: شراء كمية من سلعة لحسابه مسبقاً وفق برنامج التورق، أي قبل إجراء عملية التورق وطلب العميل للتورق نظراً لما يتوقعه المصرف من إقبال على برنامج التورق.
  • الطريقة الثانية: شراء السلعة بناء على طلب العميل لعملية التورق، فتتخذ صيغة عقد المرابحة للآمر بالشراء،
  • المرحلة الثانية: بيع المصرف السلعة للعميل:

بعد أن يتملك المصرف السلعة سواء بشرائها مسبقاً، أو بعقد المرابحة للآمر بالشراء، يقوم المصرف ببيعها للعميل مع زيادة هامش الربح.

  • المرحلة الثالثة: بيع المصرف السلعة لطرف ثالث بطريق الوكالة :

     يقوم المصرف في هذه المرحلة ببيع السلعة التي أصبحت مملوكة للعميل بناء على توكيل العميل المصرف في بيعها إلى طرف ثالث يرغب في شرائها نقداً، وقد يكون المشتري النهائي هو البائع الأول الذي اشترى منه المصرف السلعة، ويغلب هذا في السلع المحلية، أو قد يكون المشتري النهائي غير البائع الأول، ويغلب هذا في السلع العالمية.

و يلاحظ أن السلعة في مراحلها الثلاث -السابق بيانها- يكون القبض فيها قبضاً حكمياً، ويتتابع القبض بتتابع هذه العقود، ويكون -في الغالب العام- في وقت واحد لا يفصل بينها زمن.

واقع الحال أن العميل لا يتواجد عند إجراء كل هذه العقود المتلاحقة في عملية التورق بل يكفي لذلك أن يعقد عقد مرابحة للآمر بالشراء ويوكل العميلُ المصرفَ في بيع السلعة له بعد أن يشتريها المصرف مرابحة ويوكله أيضاً في البيع بعد ذلك نقداً، ويوكله أيضاً في قبض السلعة وثمنها.

وفي المقابل يقوم المصرف -في السلع الدولية- بتوكيل السمسار بشراء السلعة لحساب المصرف وقبضها، ويقوم أيضاً بتوكيله في بيع السلعة المملوكة للعميل وقبض ثمنها، أي وكالة على الوكالة، فيكون الوكيل النهائي للعميل السمسار لا المصرف، وهو الذي يُجري عمليات التورق الخارجية نيابة عن المصرف والعميل.

وفي بعض صور التورق يقوم العميل بتوكيل المصرف بإجراء عملية التورق تلقائياً متى احتاج العميل إلى سيولة نقدية دون الرجوع إلى العميل وطلب موافقته على التورق، أي أن المصرف يقوم بتغطية حساب العميل كلما وجد انكشافاً فيه وفق برنامج التورق، ويتحقق ذلك في بطاقة الائتمان التي تقوم على التورق كما سأبينها لاحقاً عند عرض صور مستحدثة للتورق.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن بعض المصارف لا تلزم العميل بتوكيل المصرف في بيع السلعة بعد أن يتملكها العميل، بل تجعل له الخيار، فإن شاء وكل المصرف وإن شاء وكل غيره وإن شاء قبضها وتصرف بالسلعة بما يشاء([14])، وهذه الخيارات متصورة في السلع المحلية أما في السلع الدولية فلا أظن أن ذلك ممكن، إذ إن قبض السلع الدولية متعذر على المصارف فضلاً على أن يكون ذلك للعملاء كما سبق الإشارة إليه، أما أن يوكل غير المصرف في بيع السلعة الدولية فهو متعذر أيضاً عملياً إلا لمن عرف وسائل الدخول والتعامل مع السماسرة في الأسواق الدولية.

و التورق المنظم  له  صور كثيرة منها:

  • شراء المصرف السلع المحلية أو الدولية نقدا وبيعها بالأجل للمتورق (الذي يكون غالبا فردا، وقد يكون مصرفا آخر كما هو الحال في ماليزيا مثلا)، ثم توكيل المصرف ببيع الحال إلى مشتر ثالث، ويكون غالبا نفس البائع الأول كون السلعة لم تتحرك من مكانها. وهذه أشهر صور التورق المصرفي.
  • الإيداع النقدي لدى مصارف خارجية وتفويضها بشراء سلع نقدا في السوق الدولية، وبيعها لنفسها أجلا بثمن يزيد بمقدار الفوائد حيث تباع تلك السلع ثانية في السوق الدولية لإعادة الوديعة إلى حالتها النقدية ثانية، وهو مما تعمد إليه المصارف الإسلامية كوسيلة لاستعمال السيولة ا لمتوفرة لديها.
  • صكوك أعيان مؤجرة: وهي تقوم على بيع أعيان للجمهور بثمن محدد ثم استئجارها منهم مع اشتراط بيعها ثانية للبائع الأول (الجهة المصدرة) بسعر شرائها، إما تقسيطا أو دفعة واحدة، مع تكسب حملة الصكوك من الأجرة ما بين الشرائين.
  • صكوك منافع: وهي تمثل منافع طويلة الأجل، مملكة للجمهور بنقد حال مع اشتراط بيع هذه المنافع ذاتها لبائعها الأول بصورة سنوية، بنقد يتضمن زيادة ويستحق آخر كل سنة.
  • أخد توقيع العميل مسبقا على تفويض المصرف بإجراء تورق لحسابه في كل مرة ينكشف حسابه سواء في بطاقة الإئتمان أو في الحساب الجاري، والقيام بعملية التورق لتحقيق زيادة نقدية للمصرف الإسلامي على حسابه المنكشف.([15])
  • الفرع الرابع : التكييف الفقهي للمسألة:

      اختلف الفقهاء في التكييف الفقهي للتورق المصرفي، فقيل هو من بيع العينة، وقيل من البيع الآجال ، وقيل عقد وكالة  وقيل بيع مرابحة،  إلى غير ذلك من التكييفات الفقهية.

  • الفرع الخامس : تحرير محل النزاع في المسألة :

      اتفق جمهور  الفقهاء على جواز التورق الفقهي  وقد وافق المجمع الفقهي الإسلامي على هذا الحكم ، واختلف الفقهاء المعاصرون والاقتصاديون الإسلاميون في حكم التورق المصرفي،  حيث قد تباينت الآراء حول الجواز وعدمه.

  • المطلب الثاني :الحكم الشرعي للتورق المصرفي .
  • الفرع الاول : أقوال الفقهاء في المسألة:

اختلفت آراء الفقهاء المعاصرون والاقتصاديون الإسلاميون في حكم التورق المصرفي إلى قولين:

  • القول الأول: الجواز:

      وهو ما نص عليه جمهور الحنابلة صراحة في التورق، دون أن يخلطوا بينه وبين العينة، كما أجاز التورق المفتي العام الأسبق للمملكة العربية السعودية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمهم الله تعالى-.([16]) ، وأجاز التورق –أيضا- مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورة مؤتمره الخامسة عشرة في رجب سنة 1419هـ، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.، وجعل الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- التورق جائزا في حال الضرورة فقط.”([17]) .

  • القول الثاني : التحريم:

      باعتبار أن التورق داخل تحت مسمى العينة، وبحمل ما ذكروه من الكراهة في حكم العينة على ما قرره البعض. وممن منع التورق من المعاصرين نذكر : الشيخ صالح الحصين، والدكتور يوسف القرضاوي، وذكر أن هذا هو المُفتى به حينئذ في هيئات الرقابة الشرعية في مصرف قطر الإسلامي، ومصرف فيصل الإسلامي بالبحرين.([18]). وأخذت بالمنع -كذلك- الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية، لما كان الشيخ صالح الحصين من أعضائها.([19])

  • الفرع الثاني : أدلة الفقهاء في المسألة :
  • الاتجاه الأول: القائلون بالإباحة:

ذهب بعض المعاصرين إلى إباحة التورق الفقهي، وقد استدلوا لذلك بما يلي :

  • أولا :من القرآن الكريم :

قوله تعالى  ﭽﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭼ )سورة البقرة ، الآية 275)، فقد نصت هذه الآية على أن الله – تعالى – أحل البيع، والتورقُ – بحسب ما سبق تفسيره – ما هو إلا صورة من صور البيع الجائز؛ إذ المشتري يقوم بشراء السلعة من بائعها شراء حقيقيا بثمن آجل، فتدخل في ملكه، ويقبضها قبضا حقيقا، وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها بثمن حالٍّ لحاجته إلى المال في ذلك الوقت؛ وبذلك يكون قد توصل إلى مصلحته بطريق البيع والشراء اللذين أحلهما الشرع، وكل ما في الأمر أنه باع بثمن حال واشترى بثمن مؤجل، ولا إشكال في ذلك ما دامت كل صفقة قد تمت مع طرف آخر بمنأى عن الصفقة الأخرى.

قوله تعالى: ﭽﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭼ ( سورة النساء ، الآية 29 ( ، ووجه الدلالة: أن الله -تعالى- أحل التجارة إذا كانت عن تراض، والتورق بالمعنى المذكور ما هو إلا صورة من صور التجارة عن تراض التي أحلها الله -تعالى- حيث يبيع المتورق ويشتري؛ سعيا إلى تحقيق مصالحه، وهو إنما يبيع ويشتري برضا البائع ورضا المشتري، ورضاه هو شخصيا؛ لأنه يستفيد من ذلك توفير المال الذي يقضي به مصالحه؛ وبهذا يكون التورق داخلا في التجارة التي أحلها الله تعالى. ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، إلا ما دل الدليل على حرمته.([20])

  • ثانيا : من السنة النبوية :
  1. وما روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبيﷺ قال: “إنما البيع عن تراض“.([21]) ووجه الدلالة: أن هذا الحديث قد دل على أن البيع إذا كان عن تراض فهو صحيح، والتورق ما هو إلا بيع عن تراض -على ما سبق بيانه في وجه الدلالة من الآية السابقة – ومن ثَم يكون هذا الحديث دالا على جوازه، مؤكدا ما جاء به القرآن الكريم من ذلك.
  2. ما روي عن رفاعة بن رافع -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ سئل: أي الكسب أطيب؟ قال: “عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور.”([22]) ووجه الدلالة: أن الحديث جعل من أفضل الكسب كل بيع مبرور؛ والبيع المبرور هو الذي لا غش فيه ولا خيانة، والتورق ما هو إلا صورة من صور البيع المبرور، التي لا غش فيها ولا خيانة.([23])
  • ثالثا : القياس :

قياس التورق المصرفي على التورق الفقهي العادي الذي أجازه الجمهور الأعظم من الفقهاء والمذاهب الفقهية الأربعة، حيث هناك توافق بينهما في الشكل  والصورة وهذا التوافق متحقق في أمرين:

  • الأول: أن غاية التورق الفقهي تحقيق السيولة النقدية للمتورق فكانت السلعة فيه غير مبتغاة، بل هي وسيلة وحيلة يتفادى بها المتورق الوقوع في الربا، وهذا الأمر نفسه موجود في التورق المصرفي.
  • الثاني: وجود ثلاثة أطراف في كلٍ من التورق الفقهي والتورق المصرفي، فالمشتري النهائي غير البائع الأول، وهذا الأمر فارق بين العينة والتورق الفقهي، حيث كانت العينة محرمة لكون البائع نسيئة اشترى السلعة نقداً مرة أخرى، بخلاف التورق الفقهي حيث كان المشترى النهائي غير بائع السلعة نسيئة، وهذا الأمر متحقق في التورق المصرفي، حيث يشتري السلعة غير المصرف الذي باع السلعة نسيئة للمتورق.
  • رابعا : من القواعد الأصولية والفقهية والمقاصدية  :
  1. الأصل اعتبار الظاهر من العقود التي اتخذت صورة العقد الصحيح، وفي المقابل عدم اعتبار نية العاقد والباعث على العقد. والتورق عبارة عن مجموعة عقود صحيحة شرعية متتابعة إذ هو عقد بيع نسيئة صحيح، ثم بيعه مرة أخرى لغير بائعه الأول يتخللهما عقود وكالة، وهما عقدان صحيحان شرعيان فلا يضر تتابعهما، وهذا الأصل مقرر بنصوص صحيحة ثابتة، منها ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ^: “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه،ِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه: لَا تَفْعَلْ بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا”([24])، فأرشد النبي عامله إلى حيلة يتفادى بها الوقوع في الربا الصريح، فالعبرة كانت بصورة العقد الصحيحة ولا أثر لنية العاقد والباعث عليه، وهذا الأصل مقرر عند الإمام الشافعي ومعتبر عنده في كل أبواب الفقه حتى غدت هذه القاعدة سمة بارزة في مذهب الشافعية كله، وهذا الأمر أكده الإمام الشافعي نفسه بقوله: “لا يفسد عقد أبداً إلا بالعقد نفسه لا يفسد بشيء تقدمه ولا تأخره ولا بتوهم ولا بأغلب, وكذلك كل شيء لا تفسده إلا بعقده، ولا نفسد البيوع بأن يقول هذه ذريعة وهذه نية سوء، ولو جاز أن نبطل من البيوع بأن يقال متى خالف أن تكون ذريعة إلى الذي لا يحل كان أن يكون اليقين من البيوع بعقد ما لا يحل أولى أن يرد به من الظن”([25])
  • حاجة الناس المعاصرة إلى السيولة النقدية، وهي حاجة ملحة تقتضي توفير متطلبات السوق والعمل والإنتاج من رأس المال والسيولة النقدية، إضافة إلى متطلبات استهلاكية ضرورية ما عاد كثير من الناس في غنى عنها نظراً لمتطلبات الحياة المعاصرة المعقدة، وهذه الحاجة ألجأت كثيراً من المسلمين إلى الاقتراض الربوي، فجاء التورق المصرفي بديلاً شرعياً محققاً منافسة قوية للقروض الربوية([26]). فالحاجة تقتضيه ، كما يقول الشيخ المنيع ، الذي يرى أن التورق بديل شرعي عن التمويلات الربوية المحرمة وهو “صيغة من صيغ التمويل الإسلامي ، تساهم في تغطية الكثير من الاحتياجات وتوفير السيولة الكافية بطريقة شرعية مباحة ، ولها أثرها الفعال في تحقيق الفلسفة الاقتصادية ، وتحقيق مصالح المتعاملين سواء كانوا أفرادا أم مؤسسات ، وهي صيغة هامة تستطيع الحكومات بواسطتها تمويل العجز التجاري والحصول على السيولة اللازمة بدلا من أذونات الخزينة التي تقوم على الفائدة المحرمة شرعا”([27]) . ومثله أيضاً الدكتور محمد علي القري الذي يرى فيه صيغة نافعة لتمويل المخزون للشركات المنتجة ([28]). ومثلهم أيضاً الدكتور محمد الجندي الذي أجازه بشرط الحاجة ، حيث يقول : “ولما كانت حاجة الناس قائمةً على المال ، مع عدم وجود طريق آخر – غالبًا – كالقرض الحسن والسَّلَم ، فإنني أرجح بيع التورق ، بشرط الحاجة ، وعدم تضمينه محاذيرَ شرعيةً . فبالتورق يمكن سدُّ حاجة الناس على نحوٍ لا يرهقهم غالبًا ، وبخاصة بعد أن صار للناس مواردُ ثابتةٌ في هذا الزمان تمكِّنهم من الوفاء بما عليهم من حقوق . فضلاً عن الترفع عن الحاجة إلى الناس ، وما يتبعها من تعرض للمسألة والمنَّة ، مما ينافي آداب الشريعة ، والترفع عنه بالمرء أجمل ، ولمروءته أكمل”([29]).
  • وقد استند فريق من المعاصرين على هذه الأدلة للذهاب إلى إباحة التورق المصرفي، إلا أنهم اشترطوا في ذلك شروطاً، وهي على النحو الآتي:
  • الشرط الأول: أن يكون المصرف مالكاً للسلعة قبل بيعها للعميل نسيئة([30]).
  • الشرط الثاني: أن لا يبيع العميل (المشتري) السلعة إلا بعد قبضها، ورغم اشتراطهم هذا الشرط إلا أنهم نبهوا على أمرين:
  • أولاً: يقوم القبض الحكمي مقام القبض الحقيقي وخصوصاً في السلع الدولية، حيث لا يكون القبض فيها قبضاً حقيقياً بل يكون ذلك عن طريق شهادات التخزين، وفي حقيقة الأمر لا يكون ذلك إلا قيوداً في الحواسيب كما أشرت إلى ذلك، ومع ذلك فإنهم يعدون ذلك قبضاً حكمياً صحيحاً؛ لأن السلعة معينة تعييناً واضحاً، إذ يدون في شهادة التخزين مواصفات المعدن من الكمية ورقم الصنف ومكان تواجده، وهذا كاف في تحديده واعتباره قبضاً معتبراً شرعاً، فجاز بيعه بناء على شهادة التخزين، أو ثبوت ملكية العميل للسلعة في قيود الحواسيب([31]). لكن بعض القائلين بجواز التورق المصرفي ذهبوا إلى تحريم التورق بالسلع الدولية من المعادن، لعدم تحقق القبض الشرعي الصحيح في عملية التورق، فالقبض صوري إلى درجة انتفائه حقيقة، وما يُذكر من تعيين السلعة بأوصاف تحددها شهادة التخزين، فقد أجابوا عن ذلك بأن ذلك لا يتحقق من وجوه، منها: عدم استلام العميل وحتى المصرف لهذه الشهادات بل هي قيود ترد في الحواسيب، والعميل المشتري لا يطلع عليها، فلا يعرف ما اشتراه حقيقة، ومن ذلك أيضاً أن المصرف -في كثير من الأحيان- لا يبيع المعدن المسجل في شهادة التخزين لعميل واحد، بل يبيعه مجزأ للعملاء وفق احتياجاتهم من السيولة النقدية، فيجزأ بيعها لهم من غير تعيين الجزء المباع لكل عميل، مع ملاحظة أن المصرف لا يمكنه تجزئة المعدن لكون المعدن يباع وحدة كاملة كما هو مدون في شهادة التخزين، فالإيصال لا يتجزأ، أما التجزئة فتحقق في سجلات المصرف فقط، ويلزم من ذلك أن يكون المبيع غير معين، وبذلك تنتفي صحة القبض الحكمي في السلع الدولية من المعادن، وقد انتشرت هذه الفتوى في الوقت الحاضر مما اضطر بعض المصارف الإسلامية إلى حصر التورق في السلع المحلية، وأعلنت عن برامج تورقٍ تنحصر عملياته في السلع المحلية، وهذا ما قامت به بعض المصارف الإسلامية الخليجية.
  • ثانياً: يجوز أن يوكل العميلُ المصرفَ بقبض السلعة، رغم أن المصرف بائع له إياها مستندين في ذلك على قول بعض المذاهب التي أجازت أن يوكل المشتري البائعَ بقبض السلعة، وهذا جار أيضاً في السلع الدولية، حيث يوكل العميلُ المصرفَ في قبض المعدن قبضاً حكمياً، فيقوم المصرف بتعيين السلعة ويكون هذا قبضاً حكمياً في حق العميل؛ لأن المصرف وكيل عن العميل، لكن هذا يزيد من صورية القبض الحاصل في المعادن الدولية، فكان ذلك مستنداً إضافياً لمنع التورق في السلع الدولية عند القائلين بحصر إباحة التورق المصرفي في السلع المحلية.
  • الشرط الثالث: أن لا يبيع العميل (المشتري) السلعة على المصرف (البائع)؛ لأن في ذلك تحقيق لصورة العينة المحرمة شرعاً عند جمهور الفقهاء.
  • الشرط الرابع: أن لا تكون السلعة ذهباً أو فضة؛ لأن في ذلك تحقيق للربا، حيث إن مبادلة الذهب والفضة بالأوراق النقدية يشترط فيها الحلول وعدم جواز تأجيل أحد العوضين.
  • الشرط الخامس: أن يكون الأجل في بيع النسيئة معلوماً.
  • الشرط السادس: أن تكون السلعة معلومة الوصف وخصوصاً في السلع الدولية من المعادن؛ لأن قبضها يكون قبضاً حكمياً بناء على الوصف المعيِّن.
  • الشرط السابع: أن يبيع العميل السلعة نقداً؛ لأن بيعها مؤجلاً يفضي إلى بيع الدين بالدين وهو منهي عنه([32]).
  • الاتجاه الثاني: القائلون بالحرمة

ذهب كثير من المعاصرين إلى حرمة التورق المصرفي، وهذا المذهب هو الاتجاه السائد عند أكثر الفقهاء المعاصرين والاقتصاديين الإسلاميين، وقد استند هؤلاء إلى مجموعة من الأدلة أوردها على النحو الآتي:

  • الدليل الأول:

     التحاق التورق المصرفي بالعينة وشبهه بها دون التورق الفقهي، حيث إن العينة حرمت لما فيها من تحايل البائع بالنسيئة على تحريم الشارع للربا، فكان قصده الحصول على الزيادة الربوية بصورة مشروعة فباع السلعة نسيئة بثمن أعلى من سعرها الذي اشتراها به نقداً، فكانت الزيادة في نظير الزمن، والسلعة عنده صورية غير مبتغاة، وكذا الحال في التورق المصرفي، فإن المصرف تحايل على تحريم الشارع للربا باتخاذه صورة عقود صحيحة متتابعة، ورغم اختلاف التورق المصرفي عن العينة من حيث افتراق المشتري النهائي، حيث كان المشتري النهائي في العينة هو البائع الأول بخلاف التورق المصرفي فإن المشتري النهائي هو طرف ثالث، إلا أن ذلك لا يلغي تحقق علة التحريم، فعلة تحريم العينة موجودة في التورق المصرفي وهو اتخاذ البائع الأول صورة عقود مشروعة للوصول إلى الزيادة الربوية سواء أكان ذلك بنفسه حيث اشترى السلعة نقداً مرة أخرى أم ببيعها لطرف ثالث، فكان قصد الوصول إلى الزيادة الربوية بصورة مشروعة عند البائع (المصرف) علةَ التحريم، فحُرمت العينة لوجود هذه العلة كما حُرم التورق المصرفي لتحقق هذه العلة فيه أيضاً، ومن هنا نجد أن البائع في كلٍ من العينة والتورق المصرفي تمحض مقرضاً أراد التحايل لأخذ الزيادة الربوية. أما التورق الفقهي العادي فإنه يختلف عن التورق المصرفي، ذلك أن التورق الفقهي لم يَحْرُم لعدم وجود قصد التحايل من قِبَل البائع، إذ إن العبرة بقصده دون قصد المتورق، فالبائع في التورق المصرفي تمحض مقرضاً أراد الزيادة الربوية، أما في التورق الفقهي فالبائع بقي على حاله ولم يخرج عن كونه بائعاً، أما قصد الحصول على السيولة النقدية عند المتورق فلم يكن المؤثر في التحريم ولو كانت السلعة عنده صورية غير مبتغاة، فتبين لنا من خلال ذلك أن التورق المصرفي يلتحق بالعينة ولا يلتحق بالتورق المصرفي ولو كان له شكل التورق الفقهي.

  • الدليل الثاني:

      اعتبار النية والقصد في العقود والتصرفات، وهذا مذهبٌ صريحٌ للمالكية والحنابلة، فالعبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، فنية المتاجرة بالسلع غير موجودة في التورق المصرفي عند كلٍ من العميل والمصرف، بل القصد فيها الإقراض والاقتراض بزيادة ربوية، وهذا القصد المناقض لأحكام الشريعة كافٍ في إثبات حرمة التورق المصرفي. ورغم أن الشافعية -في صريح مذهبهم- لا يعتدون بالمقاصد في العقود والتصرفات، وإنما على الظاهر منها وكذا الحنفية إلى حد كبير -كما هو معلوم ومشتهر عن هذين المذهبين- إلا أن ذلك لا ينطبق على التورق المصرفي؛ لأن قصد الربا منه ظاهر في العقود وموجود فيها، فلم يعد قصداً باطناً غير مؤثر في التحريم وفق مذهب الشافعية والحنفية، فالقصد الباطن في المذهبين غير مؤثر إذا لم يدل عليه تصريح في العقد أو قرينة واضحة كما هو الحال في بيع العينة، فقد ذكرت سابقاً أن الشافعية يبيحون العينة ما لم يظهر قصد الربا فإن ظهر كجريان العرف بها فإنها محرمة ويبطل العقد حينئذ.  وهذا الأمر متحقق في التورق المصرفي فإن قصد الربا واضح، ولا أدل عليه من جريان العرف به إلى حد القطع بقصد الربا، إضافة إلى التصريح اللفظي به في الإعلانات التسويقية لبرامج التورق، وإلى القرائن الكثيرة المحتفة بتلك العقود المتتابعة التي تنبئ عن قصد الإقراض والاقتراض بزيادة ربوية، ولذا لا تصح دعوى إباحة التورق المصرفي على مقتضى مذهب الشافعية الذين يبيحون العينة صراحة.

  • الدليل الثالث:

      إن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، وهذا أصل معمول به في كل المذاهب الفقهية في الجملة، وإن اختلفوا في تقديره في بعض الوقائع، فحكموا على كثير من التصرفات بناء على ما تؤول إليه من نتائج لا تتوافق مع حكمة التشريع، وتكاد تتفق كلمة الاقتصاديين الإسلاميين على وجود آثار سيئة للتورق المصرفي، ويمكن إجمالها على النحو الآتي:

  • التقارب الكبير بين كلٍ من التمويل بأسلوب التورق في المصارف الإسلامية وأسلوب التمويل الربوي في المصارف التقليدية، بحيث يصعب على المنصف إدراك الفارق بين الأسلوبين، فكلاهما قائم على إقراض النقد، ولا يختلفان إلا من حيث الإجراءات، وهذا بدوره يؤدي إلى التشكيك في تميز التمويل الإسلامي عن التمويل الربوي.
  • يشكل التمويل بأسلوب التورق المصرفي نسبة عالية من إجمالي حجم التمويل المصرفي الإسلامي، إذ ورد في بعض التقارير الصحفية عبر الانترنت أن حجمه بلغ 67% من إجمالي حجم التمويل المصرفي الإسلامي في المصارف والنوافذ الإسلامية في السعودية في عام 2006م، حيث تصاعدت وتيرته بشكل متسارع منذ بدايته، وتخطى صيغتي البيع بالتقسيط والمرابحة اللتين شكلتا 27% في نفس العام، بعد أن كانتا تشكلان 70% من إجمالي حجم التمويل في عام 2000م، وأزعم أن نسبة التورق المذكورة أي 67% قد ارتفعت ارتفاعاً كبيراً في السنوات اللاحقة. وهذا الأمر له دلالة خطيرة، فبعد احتساب النسب يتبين لنا أن حجم التمويل الاستثماري كالمشاركة والمضاربة والاستصناع وغيرها من صيغ التمويل الحقيقية التي تعود على الفرد والمجتمع بالنفع، وتحدث تنمية حقيقية لا يتجاوز 5%، وسبب ذلك يعود إلى ما في التورق والمرابحة من سهولة في الكسب وتجنب للمخاطر وضمان لأموال الودائع، أما التمويل الاستثماري فتتعامل المصارف الإسلامية به على استحياء، وتدفع بهذه النسبة المتدنية -التي تحاول إخفاءها- النقد الموجه إليها.
  • يعمل التورق المصرفي على تعميق الهوة وترسيخها بين المصارف الإسلامية وبين النظام الاقتصاد الإسلامي، إذ إن واقع المصارف الإسلامية لا يمثل حقيقة النظام الاقتصادي الإسلامي، ذلك أنها تعتمد على صيغ تمويل رأسمالية مصححة تصحيحاً شرعياً حيث تمت قولبتها قولبة شرعية كما هو الحال في التورق المصرفي، فالتورق في حقيقته متاجرة بالنقد، وهذا هو المأخذ عينه الذي نوجهه إلى النظام الرأسمالي، فإذا انتشر العمل بأسلوب التورق وغلب على صناعة الصيرفة الإسلامية -كما هو واقع الحال الآن- فإن المصارف الإسلامية تكون قد انتهجت نهجاً مخالفاً لحقيقة النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يدعو إلى التمويل بالمشاركة والتداول الفعلي للأموال والثروات، وأن يشترك الممول مع المستثمر في الأرباح والخسارة حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء، وعليه فإن اعتماد أسلوب التورق سيؤدي حتماً إلى انسلاخ المصارف الإسلامية عن تمثيل النظام الاقتصادي الإسلامي.هذه هي مجمل أدلة القائلين بحرمة التورق المصرفي.
  • الفرع الثالث: مناقشة أدلة المانعين والمجيزين:

     يرى بعض الفقهاء والعلماء والباحثين أن أصل الاختلاف بين العلماء (حول مشروعية التورق المصرفي أو عدم مشروعيته) نابع من الاختلاف حول تطبيق أصل (سد الذرائع) ، وينظر بعضهم إلى هذه المسألة من ثلاثة جوانب([33]):

  • الجانب الأول : بالنظر إلى الباعث ونية المتعاقد :

    المجيزون للتورق المصرفي : يستدلون بأن الأصل في العقود هو تحقيق صورته الشرعية ، ولا أثر للنية في ذلك ، واستدلوا على ذلك بحديث (التمر الجنيب) ، وقالوا إن الشيء قد يكون حراماً (إذا لم تتحقق صورته الشرعية) كما في استبدال تمر الجمع بالتمر الجنيب ، وقد يتحول هذا الشيء إلى الحلال إذا تغيرت صورته المحرمة (بيع التمر بالدراهم وشراؤه بالدراهم) ؛ مع أن القصد في كلا الحالين واحد فقالوا : “إن مقصود التجار غالبا هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل ، والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك” ([34]) . وعليه فإن أصحاب هذا الرأي يستندون إلى صيغة العقود وصورتها وليس إلى النيات والمقاصد .

    في حين أن المانعين : يستندون إلى قاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني ، لا للألفاظ والمباني) ، وإلى حديث (إنما الأعمال بالنيات) ، وهم يقولون : إن غاية المتورق هي الحصول على نقود حالة بنقود أكثر منها بعد أجل ، وهو غرض غير مشروع . ومن أبرز المانعين (بالنظر إلى النية) : ابن تيمية حيث يقول : “إن الطريق للحلال يكون من خلال العقود المقصودة المشروعة والتي لا خداع فيها ولا تحريم “. والمتورق لا يقصد الحصول على السلعة وإنما يكون عازما على بيعها بخسارة منذ البداية للحصول على نقد . ويؤكد ابن تيمية أن ” المعنى الذي حرّم لأجله الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها ، والشريعة لا تحرّم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه”([35]). ومن المانعين بالنظر إلى النية أيضاً الشوكاني حيث يقول :” إذا كان المقصود من العينة التحايل لأخذ النقد في الحال ورد أكثر منه بعد أيام فلا شك أن ذلك من المحرم الذي لا ينفع في تحليله الحيل الباطلة”. ومثله أيضاً الدكتور أحمد محي الدين ، بقوله : “إن نية الشراء غير موجودة في التورق ، لأن السلعة المعقود عليها لا تهم العميل في شيء ، وإنما يريد الحصول على مال نقدي ، وهذه الطريقة تضيف تكاليف زائدة” ([36]).

  • الجانب الثاني : بالنظر إلى وجود التواطؤ والتحايل على ارتكاب المحرم :

يتفق العلماء (بما في ذلك القائلين بجواز التورق) على عدم جواز التواطؤ والتحايل ، فقد اشترط كل من الشيخ عبدالله المنيع، والأستاذ أسامه بحر لجواز التورق عدم التواطؤ والحيلة. وشذّ عن ذلك الدكتور محمد تقي العثماني حيث يقول : “لا شك أن التورق حيلة مشروعة ومخرج  جائز للحصول على النقود . ولكنه لا ينصح بالتوسع في مثل هذه العمليات نظرا للمفاسد المحتملة”.

وذهب المانعون للتورق المصرفي إلى أن التواطؤ والتحايل على الربا واضح في صيغة التورق المصرفي . ومن المانعين للتورق بالنظر إلى وجود التواطؤ والتحايل فيه ابن القيم ؛ حيث يرى أن التورق ما هو إلا دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة ، ويرى أن المفسدة التي لأجلها حرم الربا قائمة بعينها مع الاحتيال أو أزيد منها ([37]). ومثله أيضاً الدكتور حسين حامد حسان حيث يقول : “إن التورق المصرفي حيلة محرمة ، لأن المقصود بها هو تحليل حرام ، وهو الحصول على النقد الحال في مقابل دفع أكثر منه مقابل الأجل ، واتخذت سلسلة من البيوع والاتفاقيات شاركت فيها مجموعة من المؤسسات بخطة محكمة ، وهذه العقود ليست هدفاً للمتورقين وإنما هدفهم الحصول على النقد العاجل مقابل نقد آجل أكثر منه وذلك بمجموعة عقود في عقد واحد وإن لم يصرح بذلك لكنه معلوم بالقطع من القرائن والأحوال وطبيعة المعاملة” ([38]). ويقول الدكتور أحمد محي الدين : بأن هناك تواطؤ واتفاق بين المصرف والشركة التي سوف تعيد الشراء ، علما بأن التورق يستوجب ألا يكون هناك تواطؤ ، وفي التورق المصرفي تتداخل كل التصرفات التعاقدية في جلسة واحدة بمجرد التوقيع على الأوراق  . كما وصدرت فتوى عن الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية تقول : “التورق في المصارف الإسلامية حيلة مكشوفة لاستحلال الربا” ([39]).

  • الجانب الثالث : بالنظر إلى مآلات الأفعال (نتيجة العمل وثمرته) :

يرى المانعون للتورق المصرفي أن الأفعال والتصرفات تأخذ حكما يتفق مع ما تنتهي إليه ، بغض النظر عن نية الفاعل وقصده ، ويحكم على تلك الأفعال بالصحة أو التحريم بحسب ثمرة هذه الأفعال ونتيجتها وما تؤول إليه . وهو ما أطلق عليه في الموافقات “أصل اعتبار المآل” ([40]). واستند إليه حسين حامد حسان وغيره بقوله : “لا شك في أن غاية هذه العملية (التورق) محرمة ، ونتيجتها ممنوعة شرعا ، ألا وهي حصول المتورقين على نقود حالة في مقابل التزام بنقود أكثر منها بعد أجل”([41]). وهم (أي المانعون) يرون أن مآل عملية التورق المصرفي هو الحصول على نقد عاجل مقابل نقد أزيد منه لأجل . والنية الفاسدة تحرم العقد على صاحب النية الفاسدة وإن صح لغيره ، فلم يقل أحد ممن قال بصحة عقدي  التورق الفردي ان نيته صحيحة بل قالوا بفسادها ، ولكن الأمر متروك لربه .

أما في التورق المنظم ، فإن هذه النية انكشفت بتوسط الآخرين فيها ، فأفسدت العقد لأنها كشفت مضمون الربا وحقيقته ، وهي نقد حال بآجل . ثم إن التورق المصرفي هو معاملة مؤلفة من مجموعة عقود لا يصح النظر في كل منها على انفراد . بل إن التورق المصرفي أسوأ من الربا لزيادة كلفته ولتضخيم المعاملات في سوق العملات .

  • الفرع الرابع : رأي المجامع الفقهية في المسألة :
  • أولا : قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في التورق المصرفي :

نص في قراره بتاريخ 17/12/2003م على تحريم التورق المصرفي([42])، ومما جاء في القرار: “قيام المصرف بعمل نمطي يتم فيه ترتيب بيع سلعة (ليست من الذهب أو الفضة) من أسواق السلع العالمية أو غيرها، على المستورق بثمن آجل، على أن يلتزم المصرف -إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة- بأن ينوب عنه في بيعها على مشترٍ آخر بثمن حاضر، وتسليم ثمنها للمستورق. وبعد النظر والدراسة، قرر مجلس المجمع ما يلي:

  1. عدم جواز التورق الذي سبق توصيفه في التمهيد، للأمور الآتية:
  • أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشترٍ آخر، أو ترتيب من يشترطها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعاً، سواء أكان الالتزام مشروطاً صراحة أم بحكم العرف والعادة المتبعة.
  • أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة المعاملة.
  • أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة لما سمي بالمستورق فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه، وهي صورية في معظم أحوالها، هدف البنك من إجرائها أن تعود عليه بزيادة على ما قدم من تمويل. وهذه المعاملة غير التورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء، وقد سبق للمجمع في دورته الخامسة عشرة أن قال بجوازه بمعاملات حقيقية وشروط محددة بينها قراره. وذلك لما بينهما من فروق عديدة فصلت القول فيها البحوث المقدمة.
  • فالتورق الحقيقي يقوم على شراء حقيقي لسلعة بثمن آجل تدخل في ملك المشتري ويقبضها قبضاً حقيقياً وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو بثمن حال لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه وقد لا يتمكن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تبرير الحصول على زيادة لما قدم من تمويل لهذا الشخص بمعاملات صورية في معظم أحوالها، وهذا لا يتوافر في المعاملة المبينة التي تجريها بعض المصارف.
  1. يوصي مجلس المجمع جميع المصارف بتجنب المعاملات المحرمة، امتثالاً لأمر الله تعالى”.

وقد أحدث قرار المجمع الفقهي الإسلامي ضجة كبيرة في أوساط المصرفية الإسلامية، خصوصاً القائمون على قطاع المصرفية الإسلامية الذين يعملون بالتورق المصرفي، وهيئات الرقابة الشرعية التي أجازت التورق المصرفي، وادعى البعض منهم أن القرار جاء متعجلاً متسرعاً لم يراع واقع الحال، وناد بعضهم إلى إعادة النظر في هذا القرار، ودراسة الموضوع دراسة متأنية، وتحت ضغوط هذه الدعاوي راجع المجلس الشرعي التابع لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين الآراء في التورق المصرفي، وأصدر رأياً بتاريخ 23/11/2007م أباح فيه التورق وفق معيار وضابط محدد، ومما جاء فيه: “التورق ليس من صيغ الاستثمار أو التمويل وإنما أجيز للحاجة بشروطها، ولذا على المؤسسات ألا تُقْدِم على التورق لتوفير السيولة لعملياتها بدلا من بذل الجهد لتلقي الأموال عن طريق المضاربة أو الوكالة بالاستثمار أو إصدار الصكوك الاستثمارية وغيرها، وينبغي عليها حصر استخدامها له لتفادي العجز أو النقص في السيولة لتلبية الحاجة وتجنب خسارة عملائها  وتعثر عملياتها”([43]). فكان موقف المجلس أن التورق مباح للحاجة كالعجز أو النقص في السيولة أو خسارة العملاء أو تعثر العمليات، على أن لا يطغى التورق على عمليات الاستثمار الحقيقية. ويشير هذا القول إلى بقاء أصل الحرمة وأن الإباحة استثنائية للحاجة. إلا أن التوجه العام للفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين كان يميل إلى تحريم التورق المصرفي.

  • ثانيا : قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في التورق المصرفي:

بتاريخ 30/4/2009م، حيث نص  المجمع على حرمة التورق المصرفي، ومما جاء في القرار: لا يجوز التورقان _المنظم والعكسي([44])_ وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين الممول والمستورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا”([45]). ووافق على ذلك أيضاً المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بتاريخ 4/7/2009م([46]).

  • المطلب الثالث: أثر القواعد المقاصدية في الترجيح
  • الفرع الأول : عند القائلين بالتحريم :

ذهب كثير من المعاصرين إلى حرمة التورق المصرفي، وهذا المذهب هو الاتجاه السائد عند أكثر الفقهاء المعاصرين والاقتصاديين الإسلاميين، وقد استند هؤلاء إلى مجموعة من الأدلة  يظهر فيها أثر القواعد المقاصدية في الترجيح في المسألة من خلال ما يلي:

  • التعليل بقاعدة اعتبار القصد والمآل :

     إن النظر في مآلات الأفعال أصل معتبر ومقصود شرعاً، ومعمول به في كل المذاهب الفقهية في الجملة، وإن اختلفوا في تقديره في بعض الوقائع، فحكموا على كثير من التصرفات بناء على ما تؤول إليه من نتائج لا تتوافق مع حكمة التشريع، وتكاد تتفق كلمة الاقتصاديين الإسلاميين على وجود آثار سيئة للتورق المصرفي، ويمكن إجمالها على النحو الآتي:

  1. التقارب الكبير بين كلٍ من التمويل بأسلوب التورق في المصارف الإسلامية وأسلوب التمويل الربوي في المصارف التقليدية، بحيث يصعب على المنصف إدراك الفارق بين الأسلوبين، فكلاهما قائم على إقراض النقد، ولا يختلفان إلا من حيث الإجراءات، وهذا بدوره يؤدي إلى التشكيك في تميز التمويل الإسلامي عن التمويل الربوي.
  2. يشكل التمويل بأسلوب التورق المصرفي نسبة عالية من إجمالي حجم التمويل المصرفي الإسلامي، إذ ورد في بعض التقارير الصحفية عبر الانترنت أن حجمه بلغ حوالي 67% من إجمالي حجم التمويل المصرفي الإسلامي في بعض المصارف والنوافذ الإسلامية، وهذا الأمر له دلالة خطيرة، فبعد احتساب النسب يتبين لنا أن حجم التمويل الاستثماري كالمشاركة والمضاربة والاستصناع وغيرها من صيغ التمويل الحقيقية التي تعود على الفرد والمجتمع بالنفع، وتحدث تنمية حقيقية لا يتجاوز 5%، وسبب ذلك يعود إلى ما في التورق والمرابحة من سهولة في الكسب وتجنب للمخاطر وضمان لأموال الودائع، أما التمويل الاستثماري فتتعامل المصارف الإسلامية به على استحياء، وتدفع بهذه النسبة المتدنية -التي تحاول إخفاءها- النقد الموجه إليها.
  3. يعمل التورق المصرفي على تعميق الهوة وترسيخها بين المصارف الإسلامية وبين النظام الاقتصاد الإسلامي، إذ إن واقع المصارف الإسلامية لا يمثل حقيقة النظام الاقتصادي الإسلامي، ذلك أنها تعتمد على صيغ تمويل رأسمالية مصححة تصحيحاً شرعياً حيث تمت قولبتها قولبة شرعية كما هو الحال في التورق المصرفي، فالتورق في حقيقته متاجرة بالنقد، وهذا هو المأخذ عينه الذي نوجهه إلى النظام الرأسمالي، فإذا انتشر العمل بأسلوب التورق وغلب على صناعة الصيرفة الإسلامية -كما هو واقع الحال الآن- فإن المصارف الإسلامية تكون قد انتهجت نهجاً مخالفاً لحقيقة النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يدعو إلى التمويل بالمشاركة والتداول الفعلي للأموال والثروات.
  • الموازنة المقاصدية : والتعليل بقاعدة دفع المفاسد أولى من جلب المصالح:

      إنّ الغموض وعدم وضوح معالم التورق المصرفي ، حيث يصعب التمييز بين اسلوب التورق في المصارف الإسلامية وأسلوب التمويل الربوي في المصارف التقليدية وإدراك الفارق بين الأسلوبين، فكلاهما قائم على إقراض النقد، ولا يختلفان إلا من حيث الإجراءات، وهذا بدوره يؤدي إلى التشكيك في تميز التمويل الإسلامي ،كما أنه فيه نوع من على التحايل وعدم الشفافية  وأكل أموال الناس  بغير وجه حق، فهذه المعاملة هي في حقيقتها معاملة ربوية، والسلعة ليست مقصودة، فهذه المفاسد التي توجد في هذه المعاملة جعلتها ممنوعة، حتى وإن كان هناك من يحقق في هذه المعاملة أرباحا ومصالح، فلا بد من تركها لوجود المفاسد التي ذكرناها.

  • الأحكام تبنى على المقاصد والمعاني لا على الألفاظ والمباني :

    إن العينة حرمت لما فيها من تحايل البائع بالنسيئة على تحريم الشارع للربا، فكان قصده الحصول على الزيادة الربوية بصورة مشروعة فباع السلعة نسيئة بثمن أعلى من سعرها الذي اشتراها به نقداً، فكانت الزيادة في نظير الزمن، والسلعة عنده صورية غير مبتغاة، وكذا الحال في التورق المصرفي، فإن المصرف تحايل على تحريم الشارع للربا باتخاذه صورة عقود صحيحة متتابعة، فكان قصد الوصول إلى الزيادة الربوية بصورة مشروعة عند البائع (المصرف) علةَ التحريم، فحُرمت العينة لوجود هذه العلة كما حُرم التورق المصرفي لتحقق هذه العلة فيه أيضاً، ومن هنا نجد أن البائع في كلٍ من العينة والتورق المصرفي تمحض مقرضاً أراد التحايل لأخذ الزيادة الربوية. أما التورق الفقهي العادي فإنه يختلف عن التورق المصرفي، ذلك أن التورق الفقهي لم يَحْرُم لعدم وجود قصد التحايل من قِبَل البائع، إذ إن العبرة بقصده دون قصد المتورق، فالبائع في التورق المصرفي تمحض مقرضاً أراد الزيادة الربوية، أما في التورق الفقهي فالبائع بقي على حاله ولم يخرج عن كونه بائعاً، أما قصد الحصول على السيولة النقدية عند المتورق فلم يكن المؤثر في التحريم ولو كانت السلعة عنده صورية غير مبتغاة، فتبين لنا من خلال ذلك أن التورق المصرفي يلتحق بالعينة ولا يلتحق بالتورق الفقهي ولو كان له شكل التورق الفقهي.

  • اعتبار النية والقصد في العقود والتصرفات:

     وهذا مذهبٌ صريحٌ للمالكية والحنابلة، فالعبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، فنية المتاجرة بالسلع غير موجودة في التورق المصرفي عند كلٍ من العميل والمصرف، بل القصد فيها الإقراض والاقتراض بزيادة ربوية، وهذا القصد المناقض لأحكام الشريعة كافٍ في إثبات حرمة التورق المصرفي. لأن قصد الربا منه ظاهر في العقود وموجود فيها، فلم يعد قصداً باطناً غير مؤثر في التحريم وفق مذهب الشافعية ، حيث انهم يبيحون العينة ما لم يظهر قصد الربا فإن ظهر كجريان العرف بها فإنها محرمة ويبطل العقد حينئذ.  وهذا الأمر متحقق في التورق المصرفي فإن قصد الربا واضح، ولا أدل عليه من جريان العرف به إلى حد القطع بقصد الربا، إضافة إلى التصريح اللفظي به في الإعلانات التسويقية لبرامج التورق، وإلى القرائن الكثيرة المحتفة بتلك العقود المتتابعة التي تنبئ عن قصد الإقراض والاقتراض بزيادة ربوية، ولذا لا تصح دعوى إباحة التورق المصرفي على مقتضى مذهب الشافعية.

  • قاعدة حفظ الاموال;وتحقيق العدل :

     من اعظم مقاصد الشريعة حفظ الاموال وحمايتها ووقايتها من كل الاخطار والاضرار ، مثل أكل المال بالباطل ،والربا والتحايل : لأن هناك تحايل جلي على الربا في عملية التورق المصرفي ، فالبائع لا يريد بيع السلعة وإنما أراد الزيادة، لكنه أدخل صورة البيع على سلعة ليتوصل بها إلى الزيادة الربوية، مصداقا لقوله U: ﭽﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭼ  (النساء ،الآية:29).

  • الفرع الثاني: عند القائلين بالجواز :

ذهب بعض المعاصرين إلى إباحة التورق المصرفي، وقد استدلوا لذلك بمجموعة من الأدلة  يظهر فيها أثر المقاصد في الترجيح في المسألة من خلال ما يلي:

  • الملاءمة لمقاصد الشارع بجلب المصالح ودرء المفاسد، وعدم منافات أصلا من أصوله:

     إن تعامل الناس بالتورق المصرفي بضوابطه الشرعية التي تخرجه عن الربا المحرم أمر ملائم لمقاصد الشارع الحكيم من حيث تنمية مال المسلم، والتوسعة عليه بما يصح شرعا، وهذا أمر نظر إليه العلماء عند حكمهم بجوازه.

  • عدم اعتبار الأهواء والشهوات نوعا من أنواع المصلحة:

     لم يكن الحكم بجواز التورق المصرفي قائما على مجرد العقل والهوى، وإنما هو من باب سد حاجة الناس إلى المال بالطرق الشرعية.

  • عدم وجود النص الشرعي القطعي الصريح من كتاب أو سنة أو إجماع في المسألة:

    لو وجد النص الشرعي القطعي في المسألة لكان حاسما للخلاف  ولكنه غير موجود، ومن أجل ذلك ساغ للعلماء الاجتهاد والاستدلال في مسألة التورق المصرفي، وما وجد من النصوص الشرعية إنما هو اعتبار لجنس المصلحة في التورق المصرفي.

  • عدم مصادمة المصلحة الأمر الثابت بالنص من كتاب أو سنة صحيحة إو إجماع:

    لم يصادم أو يعارض الحكم بالتورق المصرفي أمرا ثابتا بنص من كتاب أو سنة إو أجماع، وإلا كانت المصلحة في التورق ملغاة، فلا اجتهاد في مقابل النص.

  • العموم والكلية:

    يتم التعامل بالتورق المصرفي اليوم على نطاق واسع جدا في المصارف الإسلامية، فهو البديل الشرعي للقروض الربوية المحرمة، فحاجة الناس إلى النقد تزيد يوما بعد يوم، فهو –إذن- من الأمور التي تهم جماعة عظيمة من المسلمين.

  • عدم تفويت المصلحة المراد تحقيقها مصلحة أهم منها أو مساوية لها:

    ولا يفوت التورق المصرفي مصلحة أهم منه أو مساوية لها، ولا يوقع على الناس مفاسد أعظم من المصالح المتوخاة، بل التعامل به يحقق مصلحة الطرفين.

  • الحاجة وتحقيق الرواج والسيولة النقدية:

حاجة الناس المعاصرة إلى السيولة النقدية فكانت السلعة فيه غير مبتغاة  للمتورق ، وهي حاجة ملحة تقتضي توفير متطلبات السوق والعمل والإنتاج من رأس المال والسيولة النقدية، إضافة إلى متطلبات استهلاكية ضرورية ما عاد كثير من الناس في غنى عنها نظراً لمتطلبات الحياة المعاصرة المعقدة، وهذه الحاجة ألجأت كثيراً من المسلمين إلى الاقتراض الربوي، فجاء التورق المصرفي بديلاً شرعياً محققاً منافسة قوية للقروض الربوية.

  • مقصد التيسير ورفع الحرج عن المسلمين:

إن التعامل بالتورق  فيه تيسير على  الناس لقضاء حوائجهم ، وتيسير أمورهم، وإبعادهم عن شبهات المصارف التقليدية ومعاملاتها الربوية، ورفع الحرج والمشقة عن المتعاملين  المسلمين الذين يتعاملون بالعقود المالية المستجدة،  حتى يكون للفقه  الإسلامي حضور قوى على الساحة الاقتصادية بدلا من تعطيله، حيث أنه في التورق المنظم البائع  يتدخل لتسهيل المعاملة وإرشاد المتورق إلى أيسر السبل لبيع السلعة بعد تملكها، بل يصل الأمر إلى أن يوكل المتورقُ البائعَ في بيع السلعة واستلام ثمنها ثم دفعها للمتورق، فسمي بالتورق المنظم لكون المعاملة تمت بطريق الترتيب والتنظيم مسبقا بين المتورق والبائع بالنسيئة. ورفع الحرج عن المسلمين  وردت في القرآن أدلة كثيرة تصف الشريعة الإسلامية السمحاء باليسر وعدم تكليف النفس بما لا يطيقه فيقول تبارك وتعالى ﭽﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ  (سورة البقرة ، الاية185 )   وقوله تعالى ﭽﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﭼ  (سورة البقرة ، الاية  286) وقوله تعالى : ﭽﭟﭽ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭼ  ( سورة النساء، الاية 28)،  فهذه الآيات فيها إشارة إلى التيسير والتًرخيص لحاجات البشره ورفع الحررج والمشقة عنهم وبما أن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك من حاجة البشر فيدخل في عموم هذه الآيات.

  • مقصد تحقيق وتلبية حوائج العباد ومصالحهم

      يعتبر التورق المصرفي صورة من صور البيع الجائز؛ إذ المشتري يقوم بشراء السلعة من بائعها شراء حقيقيا بثمن آجل، فتدخل في ملكه، ويقبضها قبضا حقيقا، وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها بثمن حالٍّ لحاجته إلى المال في ذلك الوقت؛ وبذلك يكون قد توصل إلى مصلحته بطريق البيع والشراء اللذين أحلهما الشرع، وكل ما يلي في الأمر أنه باع بثمن حال واشترى بثمن مؤجل، ولا إشكال في ذلك ما دامت كل صفقة قد تمت مع طرف آخر بمنأى عن الصفقة الأخرى.

فالتورق يلبي حاجة الناس وبذلك تحقق مقاصد الشريعة الإسلامية لكونها الهدف الرئيسي الذي تسعى المصارف الإسلامية إلى تحقيقه حيث يحصل المتورق على الورق وتحقيق العديد من المزايا بتوفير جزء من السيولة النقدية .

  • المطلب الرابع : الراجح في المسألة :

بعد هذا العرض السابق لأدلة كل من الطرفين ومناقشتها ، وبالنظر الى القواعد المقاصدية  يتضح لنا جلياً حرمة التورق المصرفي المنظم ،ودليل ذلك ما يلي :

  • إن التورق المصرفي (المنظم) يتفق ودلالات العينة في دفع كثير مؤجل بقليل معجل، وهو صورة واضحة من صور العينة التي أوردها حتى من فرقوا ـ وهم الحنابلة ـ بين التورق والعينة. وحرمة العينة مذهب جمهور العلماء
  • اعتبار مقاصد الشرع ومنع الحيل والذرائع التي يترجح إفضاؤها إلى الحرام هو ما يجب اعتباره هنا، لا لأنه مذهب جمهور العلماء المتقدمين والمعاصرين فحسب، وإنما لأنه كذلك ينسجم واعتبار روح الشريعة ومراعاة قواعدها الكلية لاسيما قاعدة الأمور بمقاصدها. وقد أحسن ابن القيم عندما قال:” لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها ، كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها معتبرةً بها ؛ فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها ، ووسائل الطاعات والقُرُبات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه، و تثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه”([47]). وعلى فرض اعتبار خلاف الشافعي وابن حزم في الذرائع، فإن محل النزاع في مسألة الذرائع في مذهبهما هو فيما إذا لم يظهر قصد الحرام في الوسيلة المباحة، وأما وظهور قصده في مبادلة نقد حال بنقد آجل مع زيادة من خلال تصريح المصارف في إعلاناتها بأن هدفها توفير السيولة للعميل، أو من خلال إضافة شرط مناقض للعقد، فنص الشافعي الذي سبق إيراده واضح في منعه، وكذلك نص ان حزم.
  • إن واقع تطبيق التورق المصرفي، وتصريح المصارف بقصدها الحقيقي من المعاملة المتمثل في توفير السيولة للعميل وشهادة جملة من المسؤوليين بأنها نقد بنقد وأن السلعة واسطة فقط، تصريح بالقصد الحقيقي لهذه المعاملة، وإذا أضيف إلى هذا اكتشاف صدور عقود تورق وعينة على سلعة واحدة، يتبين عدم شرعية هذه المعاملة، وأنها تحايل حقيقي على الربا المحرم شرعا .
  • إنه مهما قيل في رد التهم الإقتصادية الموجهة للتورق المصرفي، ومحاولة التهوين منها، وتبرئة ساحة التورق منها، فإنه لن يغطي على آثارها الجسيمة على بعض المصارف الإسلامية على أنها:
  • ـ انحرفت فعلا بالإقتصاد الوطني من الطابع التنموي البناء إلى نفس طبيعة المصارف الربوية مع اختلاف المسميات، حتى زهد المتعاملون في المشاريع الفعلية وراحوا يطلبون قروضا ربوية تحت مسميات مختلفة أرهقت كاهلهم بالديون، فاستفحل إنفاقهم الإستهلاكي الكمالي، فتجاوز إنفاقهم مداخيلهم، فوقع لهم ما وقع للغرب من العيش تحت أسر الديون، بسبب ما يسمى الإنجليزية Living beyond one’s means، وقد ثم تقدير نسبة المعاملات المصرفية القائمة على العينة والتورق في بعض البنوك بأكثر من 60%.
  • ـ         ساهمت في تنامي إعتقاد كثير من المسلمين بأن المصارف الإسلامية في كثير من معاملاتها لا تختلف عن المصارف الربوية إلا في الإسم والشعار، وسبب هذا الإعتقاد ملاحظة تطابق كثير من  منتجات المصرفية الإسلامية مع منتجات المصارف الربوية، اللهم إلا تغييرات شكلية في عناوين هذه العقود وبعض بنودها، فالعينة صارت استثمارا شخصيا، والتورق صار بيع مرابحة.
  • ـ ساهمت في إثقال كاهل كثير من المصارف الإسلامية والمتعاملين بالديون من خلال طلب وتقديم السيولة العاجلة بدون دراسة موضوعية لتداعياتها، كما ساهم بعضها في تحويل السيولة إلى البنوك الربوية الغربية تحت مسمى الإستثمار بالتورق، فحرمت بهذا الصنيع الإقتصاد الوطني والإسلامي من استثمار هذه السيولة فيما فيه مصلحة الوطن والأمة.
  • فبناء على هذه الإعتبارات وعلى وجاهة وقوة أدلة المانعين للتورق المصرفي، أرى حرمة هذه المعاملة، وذلك للمحاذير التي ذكرها أصحاب القول الأول، ومتى تم الابتعاد عن هذه المحاذير الشرعية، وضبط التورق المصرفي بالضوابط الشرعية، فلا مانع من القول بجوازه، بأن تكون تلك السلع مملوكة للشركة، ومتعينة لها بموجب الوثائق المعينة لها قبل بيعها للعميل، وألا يكون العميل الذي تبيع عليه الشركة السلعة آجلًا، هو الذي باع السلعة بصفته مالكًا لها أو لأكثرها؛ لئلا يكون ذلك من بيع العينة، وألا يكون هناك مواطأة أو حيلة على التمويل بالفائدة الربوية. وهذا يحتاج لوجود هيئة شرعية مع جهاز رقابة يزود الهيئة بتقارير دورية عن مدى التزام المصرف بالضوابط الشرعية، والبعد عن المحاذير الشرعية، والله اعلى واعلى .
    خاتمة

في ختام هذا البحث أورد أهم ما توصلت إليه من نتائج، وهي على النحو الآتي:

  • أولا: إن اختلاف العلماء في حكم التورق المصرفي سببه اختلافهم في حكم التورق الفقهي، واختلافهم في المقدمات المنهجية الناظمة لفتاواهم، وكذا اختلافهم في الآثار الإقتصادية للتورق على المصارف والدول الإسلامية.
  • ثانيا: إن منشأ الخلاف في التورق المصرفي في إطاره اللغوي والإصطلاحي، اختلافهم في اشتراكه في المعنى الإصطلاحي للعينة .
  • ثالثا: إن اختلاف العلماء في مقدمات التورق المصرفي الأصولية استند إلى اختلافهم في حكم الذرائع، وانطباق التورق المصرفي عليه، فمن ذهب إلى سد الذرائع المفضية إلى الحرام منع التورق المصرفي، ومن لم ير صد الذرائع لم يمنع العينة والتورق.
  • رابعا: إن المجيزين للتورق المصرفي اعتمدوا على أدلة كثير منها: عموم حل البيع المستند إلى آية حل البيع وحرمة الربا، وقاعد الأصل في المعاملات، وحديث تمر جنيب، وكذا بعض الأدلة العقلية.
  • خامسا: إن المانعين للتورق المصرفي اعتمدوا كذلك على أدلة كثيرة منها: قاعدة الأمور بمقاصدها، وسد الذرائع المفضية إلى الحرام، وربط التورق بالعينة واعتباره صورة لها، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، وبيع وشرط، كما استدلوا ببعض الأدلة العقلية.
  • سابعا: تبين من خلال مناقشة الأدلة التفصيلة لكل من المجيزين والمانعين أن أدلة المانعين أقوى وحجتهم أظهر، وعليه تم ترجيح تحريم التورق المصرفي.

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ،وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • لائحة المراجع والمصادر المعتمدة :
  1. القرآن الكريم .
  2. الرازي ، محمد بن أبي بكر ، مختار الصحاح ، البراعم للإنتاج الثقافي ، الطبعة الأولى .
  3. الزحيلي ، وهبة مصطفى ، التـورق : حقيقته ، أنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظم) ، بحث مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي ، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، الدورة التاسعة عشرة ، الشارقة ، دولة الإمارات العربية المتحدة .
  4. شبير ، محمد عثمان ، التورق الفقهي وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي ، بحث مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي ، الدورة التاسعة عشرة ، إمارة الشارقة ، الإمارات العربية المتحدة .
  5. القري ، محمد العلي ، التورق كما تجريه المصارف : دراسة فقهية اقتصادية ، أعمال وبحوث الدورة السابعة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة ، التي عقدت في 13-18 ديسمبر (2003م)، المجلد الثاني .
  6. قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، الجزء الخامس عشر ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة السابعة ،  1971م .
  7. مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ، في دورته الخامسة عشرة ، المنعقدة بمكة المكرمة ، التي بدأت يوم السبت 11 رجب 1419 هـ الموافق 31 أكتوبر 1998 م ، القرار الخامس .
  8. مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ، في دورته السابعة عشرة ، المنعقدة بمكة المكرمة ، في المدة من 19-23 / 10 / 1424 هـ الذي يوافقه 13-17 / 12/ 2003 م.
  9. قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، الجزء الخامس عشر ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة السابعة ،  1971م .
  10. الجندي ، محمد ، التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي .
  11. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 5/295.
  12. الأنصاري، زكريا بن محمد، أسنى المطالب شرح روض الطالب، 4/104.
  13. مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للشيخ عبدالعزيز بن باز، إعداد وترتيب: محمد ابن سعد الشويعر (19/93).
  14. فقه وفتاوى البيوع، للشيخين: عبدالعزيز بن باز، والعثيمين، طبعة دار الكتب العلمية، عام 2003م .
  15. بيع المرابحة للآمر بالشراء، ليوسف القرضاوي، الطبعة الأولى، عام 1407هـ- 1987م.
  16. قرارات هيئة الشركة (1/230، 231)، قرار رقم (109).
  17. سنن ابن ماجه.الحافظ أبوعبدالله محمد بن يزيد القزويني.تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي. طبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، عام 1372هـ/1953م.
  18. سنن الترمذي. وهو الجامع المختصر من السنن عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ومعرفة الصحيح والمعلول، وما عليه العمل. ومعه الشمائل المحمدية والخصائص المصطفوية. وشفاء الغلل في شرح كتاب العلل. للمؤلف نفسه.المؤلف: محمد بن عيسى بن سورة الترمذي.مطبعة دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، عام 1414هـ/1994م.
  19. سنن النسائي.المؤلف: الحافظ أحمد بن شعيب النسائي.ومعه شرح الجلال السيوطي، وحاشية الإمام السندي.اعتناء وفهارس: عبدالفتاح أبوغدة.الطبعة الثالثة المفهرسة، عام 1414هـ/1994م، مطبعة دار البشائر الإسلامية، الناشر: مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب – سوريا.
  20. صحيح البخاري.المؤلف: الإمام محمد بن إسماعيل البخاري. طبعة دار الفكر للطباعة والنشر، عام 1401هـ/1981م. طبعة بالأوفست عن طبعة دار العامرة باستانبول.
  21. صحيح مسلم (الجامع الصحيح).المؤلف: الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت – لبنان.
  22. المستدرك على الصحيحين في الحديث.المؤلف: الإمام محمد النيسابوري المعروف بالحاكم.وفي ذيله: تلخيص المستدرك، للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، الناشر: مكتبة النصر الحديث.
  23. مسند الإمام أحمد بن حنبل.المؤلف: الإمام أحمد بن حنبل الشيباني.وبهامشه: منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال.
  24. مغني المحتاج للشربيني (2/3).
  25. خوجة ، عز الدين محمد ، التورق المصرفي بين التأييد والرفض .
  26. عيسى ، موسى آدم ، تطبيقات التورق واستخداماته في العمل المصرفي الإسلامي .
  27. الموافقات في أصول الشريعة.المؤلف: أبوأسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي.وعليه شرح عبدالله دراز، واعتنى به محمد عبدالله دراز، مطبعة مكتبة الرياض الحديثة.
  28. حسان ، حسين حامد ، التورق وموقف الشريعة الإسلامية منه ، مرجع سابق ، ص (12) .
  29. المعايير الشرعية ص 492، نقلاً عن: الحداد، د. أحمد بن عبد العزيز، التورق: حقيقته أنواعه، ص 11.
  30. مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في إمارة الشارقة بدولة الإمارات، بتاريخ 1-5 جمادى الأولى 1430هـ، الموافق 26-30 نيسان 2009م. قرار رقم 179 (5/19)
  31. المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في إسطنبول في تركيا، بتاريخ 8-12 رجب 1430هـ، الموافق 30 حزيران-4 تموز 2009م. قرار رقم (2/19).
  32. المشيقح ، خالد بن علي ، التورق المصرفي عن طريق بيع المعادن ، مجلة البحوث الإسلامية السعودية . http://www.alifta.net/Fatawa/fatawaDetails.aspx?BookID=2&View=Page&PageNo=6&PageID=10799
  33. المصري ، رفيق يونس ، التورق في البنوك ، http://www.kantakji.com/fiqh/Files/Finance/1234.htm .
  34. المنيع ، عبدالله ، حكم التورق كما تجريه المصارف الإسلامية في الوقت الحاضر ، بحث مقدم إلى ندوة البركة الرابعة والعشرين ، مكة المكرمة ، مجلة الاقتصاد الإسلامي ، المجلد (24) ، العدد (274) ، مارس (2004م) ، ص (45) . أيضا في : أعمال وبحوث الدورة السابعة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة ، التي عقدت في 13-18 ديسمبر (2003م) ، المجلد الثاني .
  35. أصول السرخسي.المؤلف: الإمام أبوبكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي.تحقيق وتعليق رفيق العجم. الطبعة الأولى، 1418هـ/1997م، طبعة دار المعرفة، بيروت ـ لبنان.
  36. الأم.المؤلف: إمام المذهب محمد بن إدريس الشافعي.تحقيق محمد زهري النجار، الطبعة الأولى، عام 1381هـ/1961م، شركة الطباعة الفنية المتحدة، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية.

 

([1]) الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، ص295. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب 10/375.

([2])  قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، الجزء الخامس عشر ، دار إحياء  التراث العربي ، بيروت ، الطبعة السابعة ،  1971م ، ص (377) .

([3])  الجندي ، محمد ، التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي .

([4])  المصري ، رفيق يونس ، التورق في البنوك .

([5])  الجندي ، محمد ، التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي ، مرجع سابق .

([6]) ابن مفلح، محمد بن مفلح، الفروع، 4/126. المرداوي، علي بن سليمان، الإنصاف، 4/337.

([7])  الزحيلي ، وهبة مصطفى ، التـورق : حقيقته ، أنواعه (الفقهي المعروف والمصرفي المنظم) ، بحث مقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي ، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، الدورة التاسعة عشرة ، الشارقة ، دولة الإمارات العربية المتحدة .

([8]) ابن الهمام، كمال الدين، فتح القدير، 6/433. الكاساني، مسعود بن أحمد، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 5/295.

([9]) الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، باب بيع الآجال 3/79.

([10]) الأنصاري، زكريا بن محمد، أسنى المطالب شرح روض الطالب، 4/104.

([11])- أما الشافعية فمذهبهم الجواز بلا كراهة؛ لأنهم يبيحون العينة، فكان التورق جائزاً عندهم من باب أولى، وأما الحنابلة فالمعتمد عندهم جواز التورق بلا كراهة وصرحوا بذلك في كتبهم، انظر الهامش رقم (2) في الصفحة السابقة، وأما الحنفية فقد صرح ابن الهمام بإباحته (انظر: فتح القدير 7/213) وعدَّدَ ابن عابدين -خاتمة محققي الحنفية- جماعة وافقوا ابن الهمام كصاحب البحر الرائق ومجمع الأنهر ثم قال: “وهو ظاهر” وفيه دلالة واضحة على ترجيح هذا القول في المذهب، انظر: ابن عابدين، محمد أمين بن عمر، رد المحتار على الدر المختار، 6/613. وأما المالكية فلم أجد صورة التورق صريحة بهذا الشكل عندهم لكن يظهر لي من مراجعة صور بيوع الآجال عندهم -وهي تقابل العينة عند الجمهور- أنهم لا يمنعون التورق ما لم يكن هناك تواطؤ بين المتورق والبائع، والمسألة تحتاج إلى تحقيق لإثبات ذلك وليس هذا البحث محلاً لذلك، انظر: الخرشي، شرح مختصر خليل، 5/93. الدردير، الشرح الصغير 3/116.

([12])  ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، 29/431، 434. ابن القيم، أبو بكر محمد، شرح مختصر أبي داود 9/249

([13])- قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة بمكة المكرمة، القرار الخامس، بتاريخ 11 رجب 1419هـ، 31/10/1998.

([14]) السعيدي، د. عبد الله بن محمد، التورق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر، ص 508.

([15])  بحث  محمد عبد الغفار الشريف: التطبيقات المصرفية للتورق: مشروعيتها ودورها و الإيجابي والسلبي. حولية البركة العدد الخامس رمضان 1424هـ/ أكتوبر 2003م، وبحث منذر قحف، وعماد بركات: التورق المصرفي في التطبيق المعاصر، بحث مقدم لمؤتمر المؤسسات المالية الإسلامية: معالم الواقع وآفاق المستقبل المنعقد في جامعة الإمارات العربية المتحدة، 8- 10 مايو 2005م.

([16]) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للشيخ عبدالعزيز بن باز، إعداد وترتيب: محمد ابن سعد الشويعر (19/93).

([17]) – فقه وفتاوى البيوع، للشيخين: عبدالعزيز بن باز، والعثيمين، طبعة دار الكتب العلمية، عام 2003م (ص409).

([18]) – بيع المرابحة للآمر بالشراء، ليوسف القرضاوي، الطبعة الأولى، عام 1407هـ- 1987م، (ص 28، 106).

([19]) – قرارات هيئة الشركة (1/230، 231)، قرار رقم (109).

([20]) مجموع الفتاوى (29/150).

([21]) – رواه ابن ماجه في سننه، في كتاب التجارات، باب بيع الخيار (2/737).

([22]) – رواه الحاكم في مستدركه (2/10)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط وفيه المسعودي وهو ثقة، لكنه اختلط، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. (3/63).

([23]) مغني المحتاج للشربيني (2/3).

([24]) البخاري ، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، حديث رقم 2089. مسلم، صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلاً بمثل، حديث رقم 1593، وهذا لفظ البخاري.

([25])- الشافعي، الأم، 7/312.

([26])- المنيع، حكم التورق كما تجريه المصارف الإسلامية في الوقت الحاضر، ص 352، 357.

([27])  المنيع ، عبدالله ، حكم التورق كما تجريه المصارف ، مرجع سابق ، ص(45-47) .

([28]) القري ، محمد العلي ، التورق كما تجريه المصارف : دراسة فقهية اقتصادية ، ص (658) .

([29])  الجندي ، محمد ، التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي ، مرجع سابق .

([30]) المشيقح، د. خالد بن علي، التورق المصرفي عن طريق بيع المعادن، ص 146 وما بعدها.

([31])- السعيدي، التورق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر ص 526-527.

([32])- المشيقح، التورق المصرفي عن طريق بيع المعادن، ص 172.

([33])  خوجة ، عز الدين محمد ، التورق المصرفي بين التأييد والرفض .

([34])  عيسى ، موسى آدم ، تطبيقات التورق واستخداماته في العمل المصرفي الإسلامي .

([35]) خوجه ، عز الدين محمد ، التورق المصرفي بين التأييد والرفض ، بالإحالة على فتاوى ابن تيمية .

([36]) خوجة ، عز الدين محمد ، التورق المصرفي بين التأييد والرفض . مرجع سابق

([37]) خوجة ، عز الدين محمد ، التورق المصرفي بين التأييد والرفض . مرجع سابق

([38]) حسان ، حسين حامد . التورق وموقف الشريعة الإسلامية منه ، ص (12) .

([39]) خوجة ، عز الدين محمد ، التورق المصرفي بين التأييد والرفض .

([40]) الشاطبي ، (الموافقات 4/195) .

([41]) حسان ، حسين حامد ، التورق وموقف الشريعة الإسلامية منه ، ص (12) .

([42])- وذلك في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة 19-23 من شوال 1424 هـ، الموافق 13-17 / 12 / 2003م.

([43])- المعايير الشرعية ص 492، نقلاً عن: الحداد، د. أحمد بن عبد العزيز، التورق: حقيقته أنواعه، ص 11.

([44])   التورق العكسي: هو صورة التورق المنظم نفسها مع كون المستورق هو المؤسسة والممول هو العميل.

([45])- مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في إمارة الشارقة بدولة الإمارات، بتاريخ 1-5 جمادى الأولى 1430هـ، الموافق 26-30 نيسان 2009م. قرار رقم 179 (5/19)

([46])- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في إسطنبول في تركيا، بتاريخ 8-12 رجب 1430هـ، الموافق 30 حزيران-4 تموز 2009م. قرار رقم (2/19).

([47])     ابن القيم: أعلام الموقعين، ص558.

 

 

 

 

 

 

 

الدراسات السابقة تكتب بالشكل التالي: اسم ولقب الباحث (السنة) عنوان الدراسة، طبيعة الدراسة هل هو مقال او اطروحة…. تهدف الدراسة …… طريقة الدراسة……. نتائج الدراسة

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.