مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

الاقتصاد الاسلامي بين ضوابط الشرع ومتطلبات الواقع- د. بلخير طاهري الإدريسي-الجزائر-

0 1٬712

الاقتصاد الاسلامي
بين متطلبات الواقع و ضوابط الشرع

الحمد لله الذي أرشد العباد ، إلى ما ينجيهم يوم المعاد ، و جعل بين خلقه الميزان ليحكم الناس بالعدل .
قال تعالى:” لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ” سورة الحديد 25
و عن جابر بن عبدالله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:” – رَحِمَ اللهُ عبدًا سَمْحًا إذا باعَ ، سَمْحًا إذا اشْتَرى ، سَمْحًا إذا قَضَى ، سَمْحًا إذا اقْتَضَى’. صحيح البخاري
قال الامام الشافعي رحمه الله: “ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها” الرسالة
وعليه: فإن نصوص الشرع جاءت لتستوعب الزمان والمكان، وترسم لهذه الأمة معالم التشريع وطرق السير.
و إن الجمود على المنصوص هو بنفس المرتبة مع تجاوز النصوص.
والعقل الفقهي هو الذي يثور (من التثوير ) النصوص ليستخرج مكنوناتها و أسرارها، وهو ما لخصه سيدنا عمر رضي الله عنه لسيدنا في رسالته لسيدنا ابي موسى الأشعري (الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك ما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة نبيه ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها…).
وهو ما جعل العلامة القرافي يحذر من الجمود على المسطور في كتب الفقهاء.
قال في الفروق :” ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك ، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك و اسأله عن عرف بلده ، و أجره عليه و أفته به دون عرف بلدك و المقرر في كتبك ، فهذا هو الحق الواضح ، و الجمود على المنقولات أبدا : ضلال في الدين و جهل بمقاصد علماء المسلمين و السلف الماضين … ”
وعلى نفس النفس سبك الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين عبارته الرشيقة فقال :
” و هذا محض الفقه و من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم و عوائدهم و أزمنتهم و أمكنتهم و أحوالهم و قرائن أحوالهم فقد ضل و أضل ، و كانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم و عوائدهم و أزمنتهم و طبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم ، بل هذا الطبيب الجاهل و هذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس و أبدانهم و الله المستعان ”
وهناك فرق بين الجرأة على نصوص الشرع ونصوص الفقهاء، وبين محاولة درك مقاصد النص الشرعي، ومقاصد استنباطات الفقهاء.
ونحن نعلم أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
و إن دعوى أن النصوص التعبدية غير معللة، وأننا لا ندرك عللها، ولا أسرارها هو من باب التجوز فقط، ومن باب التقريب والتغليب، وإعطاء الاقل حكم الأكثري.
وإلا ما من حكم شرعي إلا وله علة من قبل الشارع عند تشريعها.
وأقل ما تنزل اليه هذه العلة أن تكون في صور حكم تشريعية.
فعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لـ مسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
نعم هذا الحديث يعد أصلا من أصول البدع وفي بابها.
ولكن عندما نفقه هذا الحديث من حيث ألفاظه ونقف على كلمة (منه)، وفي الرواية الثانية (ليس عليه أمرنا).
ندرك أن المحظور في الاستنباط هو ألا يكون( منه) .
أو ( ليس على) منهج ومهيع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعليه: كان نظر السادة الأحناف أكثر واقعية في التأصيل، وهذا عندما قرروا : أن كل حكم شرعي كان معقول المعنى جاز تعليله و القياس عليه.
وهذا النهج كان بناء على العقلية التقعيدية للقواعد الاصولية عندهم ، والتي كان فيها الانطلاق من الفروع الفقهية الى تحقيق القواعد الاصولية.
وهذا ما قصدناه بواقعية التأصيل ورحم الله الامام الجويني عندما قال في برهانه و نهاية مطلبه ( الفروع محنة الأصول) اي أن الفروع تمتحن الأصول، وأنه كلما انضبطت الأصول انضبطت الفروع.
فليس كل مسائل العبادات غير معللة، بل هي على تفاوت، خاصة فيما تعم به البلوى، ويكثر فيه الحرج عند التأمل نجد الشارع قد نصب أمارات دالة على مراعاتها، من غير أن تخل برسوم الشريعة، وتأتي على اركانها بالهدم.
ومن ذلك وجدنا مسائل في العبادات اوقعت الناس في حرج مع تطور المجتمعات مثل : مسائل تتعلق بالمياه وما يستصحب فيها من مطهرات كيميائية، والصلاة على الكراسي، والاختلاف في المفطرات بالأدوية المستعملة بين المغذية من عدمها، ومن ذلك رؤية الهلال صوما وفطرا بالحساب الفلكي، ومن ذلك اخراج الزكاة بالقيمة أو من عينيها، ومن ذلك توسعة المسعى في الحج، والرمي على المدار… وغيرها من المسائل التعبدية التي لا يتسع لها هذا المقال لسردها.
و انا بدات بمجال العبادات من جانب التعليل ، لأنه اخطر دائرة فإذا تحررنا من هذه ، كان باقي المجالات أهون و أيسر وهو مجال المعاملات بشكل عام وبالأخص مجال المعملات المالية .
وإن فقهاء الحنفية اعطوا لأنفسهم الفسحة من البداية، بأن كل نص كان معقول المعنى جاز تعليله و القياس عليه.
أما الجمهور رغم انهم تحفظوا في كون المسائل التعبدية غير معللة في الجملة، ولكن عند التحقيق عللوا كثير من المسائل، ولكن من غير توسع.
إن تعليل النصوص ليسا عيبا، وليس خروجا عن النصوص بل هو اطمئنان للنص واستثمار لمعانيه، بما ينفخ الروح في واقعية النص الشرعي.
ورحم الله الامام العلامة ابن القيم في هذا النص الثمين الذي يكتب بماء الذهب، بل يعد ديباجة مقاصد الأحكام، قال رحمه الله : إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد فى المعاش والمعاد.
وهى عدل كلها ٬ ورحمة كلها و مصالح كلها.
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور٬ وعن الرحمة إلى ضدها٬ وعن
المصلحة إلى المفسدة٬ وعن الحكمة إلى العبث. فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله فى عباده٬ ورحمته بين خلقه.”
و إن موضوع المعاملات المالية يعتبر من اخطر الدوائر التي يصعب معالجتها نفسيا و واقعيا، لما جبلت عليه النفس البشرية من حب التملك و الاكتساب.
وها هو العلامة ابن جماعة التونسي من أعلام الفقه المالكي طلب منه طلبته أن يكتب لهم كتابا في علم التصوف .
فقال لهم: باذن الله.
فطال الزمن وما رأى الطلبة أملا ، فأعادوا له السؤال مرة اخرى في الدرس، فقال إن شاء الله.
فلما طال الزمن اعادوا بالحاح …حتى استجاب الشيخ لهم .
وانجز ما طلب منه …
وذات يوم بشرهم بانهاء تأليفه ودفع به اليهم لنسخه للطلبة حتى يدرسهم إياه.
فلما فتحوا الكتاب وجدوا مكتوبا على الغلاف ( كتاب البيوع )
فقالوا يا شيخ نظنك أخطأت في الكتاب المقصود …
فقال بل هو ما طلبتموه (كتاب في التصوف ) فقالوا : نعم ، ولكن هذا كتاب ( البيوع ) .
فقال الشيخ الحكيم: يا أبنائي : من أتقن الحلال والحرام في المال فذاك عين التصوف .
فأخطر ما يمتحن به العبد ( المال) فيه تفسد الأخوة، وتشترى الذمم، وتباع الأعراض، ويستبد بها الشعوب، ويقهر بها الفقراء…
فلنتقي الله عزوجل في الاستهانة بالمعاملات المالية… ولا تغرنكم تلك القاعدة البراقة ( الأصل في المعاملات الاباحة) من غير خطام ولا زمام …وما يعقلها إلا العالمون …
فالفقه رخصة من ثقة …وهو صنعة وملكة وفتح، وليس حفظ نصوص وترديد أقول.
وإذا اردنا للمعاملات المالية المعاصرة مواكبة العصر و الاجابة عن مستجداته ، وجب علينا ما يلي :
أولا: وضوح المعاملة المالية من جهة الإجراءات الإدارية.
ثانيا: شفافية المعاملة الثلاثية بين الأطراف البنك والمقترض والمشروع .
ثالثا: سلامة العقد المبرم من أي شبهة كالزيادة على المبلغ المفترض، أو الغرر والجهالة.
رابعا: أن يكون القرض في أمر مشروع وحلال.
خامسا: الاتفاق على الربح والخسارة بين الطرفين إما بحسب رأس المال ، وإما على ما تراضيا عليه الطرفان أو الأطراف.
سادسا: نشر تقرير مفصل ومؤصل عن طريقة التعامل من طرف البنك.
سابعا: و جود خبراء اقتصاديين و قانونيين و شرعيين على حد سواء في شكل مؤسسة علمية اجتهادية..
و من أسرار و مقاصد التشريع في داىرة المعاملات بشكل عام هو قلة التصوص التشريعية ، و مرونة القواعد التأصيلية .
ولقد لخص علامة المالكية أبوبكر بن العربي المعافري أصول المعاملات و أساس المعاوضات أربعة فقال في كتابه أحكام القرآن:
“الآية الثامنة والثلاثون : قوله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون }
فيها تسع مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية ، من قواعد المعاملات ، وأساس المعاوضات ينبني عليها
وهي أربعة :
1- هذه الآية.
2- وقوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربا }
3- وأحاديث الغرر.
4- واعتبار المقاصد والمصالح.
و اخيرا : نقول أن موضوع الكتابة في مواضيع الاقتصاد الاسلامي لازالت بكرا في كثير من مفاصلها، التي تحتاج الى نظر زائد على ما تطرحه البنوك التقليدية ، و الفقه الاسلامي الموروث، للبحث عن نظريات عامة يمكن التحاكم لها عند كل نازلة ، تعيق تطور الأمة في صناعة مستقبلها و حضاراتها.
و إن الفقه الإسلامي ليس عقيما أن يجيب على كل ما جد اعو استجد ، تأصيلا و تنزيلا ، و ليس تنظيرا و تصويرا فقط.
======كتبه :
الدكتور بلخير طاهري الإدريسي الحسني المالكي الجزائري .
أستاذ الشريعة والقانون جامعة وهران.
و أستاذ اصول الفقه و مقاصد الشريعة بجامعة الملك خالد بأبها المملكة العربية السعودية سابقا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.