مجلّة اقتصادنا الإسلامي تصدُر عن نادي الرّقيم العلمي المُتفرع عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
حصريا

دور الأوقاف في تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول العربية – د.هبة جمال جاد -مصر-

0 2٬465

دور الأوقاف في تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول العربية

 

تُمثِّل الأوقاف إحدى أهم الأدوات الاقتصادية والاجتماعية في الحضارة الإسلامية، وهي كيانذو طابع ديني وإنساني واقتصادي في آنٍ واحد، تسهم في تحقيق التنمية المستدامة والتكافل الاجتماعي،وعليالمستوى العربي، تزداد أهمية الأوقاف باعتبارها وسيلة استراتيجية يمكن توظيفها لتعزيزالتكامل الاقتصادي بين الدول العربية، من خلال دعم مشاريع مشتركة، وإعادة توزيع الموارد، وتفعيل الاستثمار الإنتاجي في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، والزراعة، والطاقة.

أولًا: المفهوم العام للأوقاف ودورها الاقتصادي.

الوقف هو “تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة”(1)، حيث يُخصص أصل معين (مثل عقار، أرض، مال نقدي، أسهم، إلخ) للإنفاق على وجه من أوجه البر والخير، دون أن يُباع أو يُورَّث،ويُعتبر الوقف من أعظم الأعمال الخيرية في الإسلام، وتؤكد هذه الأهمية أدلة مشروعية الوقف من الكتاب والسنة، ومنها:

قولالله تعالى: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة النحل: 96)

جاء في بيان قوله تعالى؛ (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ)، هو إيضاح الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة، وبأن حال الدنيا زائل ومنتهي، “وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفَّى بِالعَهْد وثَبَتَ على العَقْد”(2).

أما في الحديث الشريف فقد حَثِّ الرسول صلى الله عليه وسلم الناس على فعل الأعمال الصالحة النافعة في حياتهم، ليلحق بهم ثوابها بعد مماتهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم “إن مما يلحق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته، علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثة، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته”(3)، كما قال أيضًا الرسول صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” (رواه مسلم)(4)، هذا يعني أن الوقف يُعد من الوسائل التي يستمر ثوابها حتى بعد وفاة الشخص نفسه، ويُعتبر من أوجه البر التي تُساعد في خدمة المجتمع واتساع نطاق الخير للأجيال القادمة.

وقد تطور دور الوقف ليشمل وظائف اقتصادية متنوعة، مثل:تمويل المشروعات التنموية، ودعم الفقراء والطلاب والمرضى، وإنشاء المرافق العامة كالمستشفيات والمدارس، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وعليه فعند العمل على توسعة نطاق هذا الدور ليشملأكثر من دولة، يصبح الوقف أداة لتعزيزالتكامل الاقتصادي العربي.

ثانيًا: مجالات مساهمة الأوقاف في التكامل الاقتصادي العربي

  • الاستثمار العربي المشترك: يمكن توظيف الأوقاف في تمويل مشروعات استثمارية عربية مشتركة في قطاعات حيوية، مثل الزراعة والطاقة والصناعات التحويلية، هذا النوع من المشاريع يعزز الأمن الغذائي العربي ويخلق فرص عمل تغطي القطر العربي بالكامل.
  • تعزيز التكافل بين الدول العربية: بحيث توجه أجزاء من عوائد الأوقاف الخاصةبالدول ذات الفائض المالي كدول الخليج، نحو مشروعات تعليمية وصحية وتنموية إلى الدول الأكثر احتياجًا مثل: اليمن، والسودان، وجيبوتي، وعليه يتم إعادة توزيع الموارد بشكل تضامني يحقق توازنًا اقتصاديًا بين الدول.
  • إنشاء صناديق وقفية عربية موحدة: تشكل الصناديق الوقفية العربية المشتركةأداة مؤسسية لدعم مشاريع تنموية محددة داخل أكثر من دولة، مثل:
  • صندوق وقفي للتعليم العالي العربي.
  • صندوق وقفي للمساعدات الإنسانية في حالات الكوارث.
  • صندوق وقفي للزراعة والطاقة المتجددة.
  • تعزيز التكامل المعرفي والمؤسسي: فمن خلال تبادل الخبرات والكوادر، وتوحيد التشريعات الوقفية، يمكن خلق بيئة تشريعية ومؤسسية متقاربةتُيسر إدارة أصول الوقف عبر الحدود، وتزيد من كفاءة الاستثمار الوقفي العربي المشترك.
  • المساهمة في الأمن الغذائي والمائي العربي: تمتلك بعض الدول العربية (مثل السودان وموريتانيا) أراضي زراعية شاسعة يمكن استثمارها وقفيًا من خلال تمويل خليجي أو مغاربي، في مشروعات زراعية تؤمن الغذاء لدول أخرى، هذا يندرج ضمن استراتيجية الأمن الغذائي العربي الجماعي.

ثالثًا: أمثلة عملية مقترحة لتعزيز التكامل عبر الأوقاف.

  • صندوق أوقاف عربي مشترك: يتم من خلاله جمع جزء من أموال الأوقاف في الدول الغنية وتوجيهها إلى مشاريع تنموية في الدول الأكثر إحتياجًا.
  • تمويل المشروعات الصغيرة: تقديم منح أو قروض حسنة لدعم المشاريع الصغيرة في الدول المحتاجة.
  • دعم التعليم والصحة: تمويل بناء المدارس والمستشفيات في المناطق المحرومة.
  • تمويل التدريب المهني: بمعنى دعم البرامج التي تهدف إلى تمكين الشباب من العمل والإنتاج.

رابعًا: المعوقاتوأليات التطبيق:

  • الصعوبات والمعوقات:رغم الإمكانات الكبيرة، تواجه فكرة الوقف العربي المشترك عدة تحديات، منها:
  • تفاوت التشريعات الوقفية بين الدول.
  • ضعف التنسيق المؤسسي بين وزارات الأوقاف في الدول العربية.
  • غياب قواعد بيانات عربية موحدة لأصول الأوقاف.
  • ضعف الوعي الاستثماري لدى بعض القائمين على الأوقاف.
  • آليات مقترحة لتفعيل الدور الوقفي العربي المشترك.
  • إنشاء هيئة عربية موحدة للأوقاف تحت مظلة جامعة الدول العربية.
  • إطلاق منصة إلكترونية عربية موحدة لحصر وتوثيق الأوقاف وتبادل المعلومات.
  • إعداد تشريعات وقفية عربية موحدة أو متقاربة لتسهيل الاستثمار المشترك.
  • تشجيع القطاع الخاص على إنشاء أوقاف تنموية عربية عابرة للحدود.
  • دمج الوقف ضمن رؤية التنمية المستدامة 2030م في الوطن العربي.

وعليه فإن توظيف الأوقاف في خدمة التكامل الاقتصادي العربي لم يعد خيارًا بل ضرورة، خاصة في ظل ما تواجهه المنطقة من تحديات تنموية واقتصادية طارئة، وإذا تم استغلال الثروات الوقفية الهائلة بطريقة استراتيجية قائمة على التعاون، يمكن للأوقاف أن تكون محركًاأساسيًا لتوحيد الجهود التنموية العربية وتحقيق الأمن الاقتصادي الجماعي، فالأوقاف عنصرًا محوريًا في تحقيق العدالة الاقتصادية، حيث لا تقتصر أهميتها على مستوى الأفراد أو الدول، بل تمتد لتكون أداة استراتيجية لتعزيز التعاون والتكامل بين الدول العربية،وإذا تم تفعيل الأوقاف في إطار مؤسسي وتكاملي وفق الرؤية الإسلامية، فإنها ستكون رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاندماج الإقليمي.

خامسًا: نماذج تطبيقية عربية.

الدولة الوصف
مصر إعادة تفعيل الأوقاف لخدمة التنمية والاستثمار.

إن مصر في مجال الأوقاف من أقدم وأغنى التجارب في العالم العربي، وتتميز بمحاولات حديثة لإعادة تفعيل الدور الاقتصادي والتنموي للأوقاف بما يخدم التكامل الإقليمي.

أولًا: المؤسسة الرئيسية: وزارة الأوقاف المصرية وذراعها الاقتصادي هيئة الأوقاف المصرية

ثانيًا: الملامح الرئيسية للتجربة المصرية:

1)     ثروة عقارية ضخمة: حيث تمتلك هيئة الأوقاف المصرية ما يقرب من 250 ألف فدان زراعي، وآلاف العقارات في مواقع استراتيجية، يتم تأجير هذه الأصول أو الاستثمار فيها عبر مشروعات سكنية وتجارية وتنموية.

2)     إنشاء شركات وقفية تنموية: تم تأسيس شركة المحمودية للمقاولات وخدمات البناء، وهي شركة مملوكة لهيئة الأوقاف، وتنفذ مشروعات إسكان اقتصادي ومتوسط، كما أُسست شركات في مجالات التنمية الزراعية، والتسويق العقاري، والمقاولات، والخدمات التعليمية.

3)     الدخول في شراكات مع القطاع الخاص: تم توقيع بروتوكولات تعاون بين هيئة الأوقاف ومؤسسات اقتصادية مصرية كبرى (مثل وزارة الإسكان، وبنك مصر)، بهدف استثمار الأصول الوقفية في مشروعات وطنية.

4)     التوجه الإقليمي والعربي: شاركت مصر في عدد من المؤتمرات العربية والدولية حول الوقف العربي المشترك، مثل مؤتمر الأوقاف بالكويت والسعودية والمغرب، وتقترح مصر دائمًا إنشاء صندوق عربي مشترك لاستثمار الأوقاف في التعليم، والصحة، والتنمية الزراعية، خصوصًا في الدول الأقل نموًا.

ثالثًا: أبرز المبادرات التي يمكن تعميمها عربياً:

1)     مشروع السكن الوقفي للفئات المتوسطة والفقيرة: إذا تم تعميمه عربيًا، يمكن أن يخدم ملايين العرب، وخاصة في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة مثل مصر والعراق والسودان.

2)     تجربة حصر وتوثيق الأوقاف إلكترونيًا: مصر طورت نظامًا حديثًا لحصر الأوقاف إلكترونيًا، ويمكن مشاركة هذه التجربة مع الدول التي تفتقر إلى قاعدة بيانات دقيقة لأوقافها.

3)     المشاركة في صندوق وقفي عربي للغذاء: مصر تمتلك خبرة في الزراعة والصناعات الغذائية، وتشارك بنشاط في المبادرات الزراعية المشتركة، ويمكن أن تكون دولة محورية في إنشاء أوقاف زراعية عربية مشتركة في السودان وجنوب مصر.

إن التجربة المصرية تمثل دليلاً على أن إصلاح وتفعيل الأوقاف يمكن أن يتحول إلى أداة استراتيجية لدعم الاقتصاد الوطني وتعزيز التعاون العربي المشترك، خاصة إذا اقترن ذلك بنقل التجربة إلى دول عربية أخرى، وتوسيع آفاق التعاون من خلال صناديق ومشاريع وقفية عابرة للحدود.

الجزائر إصلاح التشريعات وتنظيم السوق الوقفي

1)     التوجه الحديث: أصدرت الجزائر قانونًا جديدًا للأوقاف (2023)، يسمح بإنشاء شركات وقفية، وبشراكات استثمارية بين القطاع العام والخاص والجهات الوقفية، وأيضًا تم إنشاء “المرصد الوطني للأوقاف” لتحديد الأصول الوقفية، وتحسين إدارتها، مع رقمنة وإحصاء الأملاك الوقفية.

2)     إمكانية التكامل: يمكن ربط هذا التوجه مع مبادرات دول عربية أخرى لتشكيل شبكة استثمار وقفي مغاربية تخدم المشاريع التنموية الكبرى، خاصة في مجالات الطاقة والموارد الطبيعية.

المغرب توظيف الأوقاف في التنمية الزراعية والتعليمية

1)     المعالم الرئيسية:

–       تمتلك وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميةبالمغرب واحدًا من أضخم رؤوس الأموال الوقفية في شمال إفريقيا.

–       أنشأت الوزارة شركات وقفية زراعية، تَستثمر في آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية الوقفية، وتُدار باحترافية عالية.

–       تدعم هذه الأوقاف من خلال عوائدها قطاعي الصحةوالتعليم، كتمويلها للمشافي الخيرية،والمدارس القرآنية، والمعاهد الشرعية.

2)     إمكانية التوسع عربياً: يمكن تحويل التجربة المغربية إلى نموذج تعاون عربي، عبر تأسيس شركات زراعية وقفية عربية في الدول ذات الموارد الزراعية الكبيرة (مثل السودان وموريتانيا)، على أن تموّل جزئيًا من عوائد الأوقاف في دول أخرى.

المملكة العربية السعودية الهيئة العامة للأوقاف ومبادراتها الإقليمية

قامت الهيئة العامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية بإطلاق عدد من المبادرات الاستثمارية ذات البعد الإقليمي، من بينها دعم المشروعات الوقفية المشتركة مع مؤسسات أوقاف في عدد من الدول العربية مثل مصر والسودان والمغرب، ومن الأمثلة على ذلك:

صندوق الاستثمار الوقفي المشترك: هو مشروع اقترحته الهيئة بالتعاون مع وزارات الأوقاف في بعض الدول العربية، يهدف إلى استثمار الأصول الوقفية في مشاريع زراعية وصناعية مشتركة تخدم الاقتصاد المحلي للدول، وتحقق ريعًا مستدامًا يعود بالنفع على الخدمات الاجتماعية.

هذا النموذج يعكس كيف يمكن للأوقاف أن تكون أداة فاعلة وفعالة لتعزيز التكامل الاقتصادي العربي.

قطر أوقاف موجهة للتنمية الإنسانية

1)     مؤسسة رائدة: “الهيئة العامة للأوقاف – قطر”

–       أطلقت قطر مشاريع وقفية رائدة ذات طابع إقليمي، عبر التعاون مع مؤسسات دولية (مثل منظمة التعاون الإسلامي).

–       تُمول مشاريع اللاجئين والنازحين في عدة دول عربية (سوريا، اليمن، فلسطين) من خلال عوائد الأوقاف.

–       تم إطلاق مشروع “الوقف الإنساني الدولي” التركي القطريفي عام 2019 الذي يعمل كصندوق دعم إنساني مستدام.

2)     إمكانية التوسع عربياً:

هذه التجربة تصلح لتأسيس صندوق وقفي إنساني عربي مشترك، يدار بطريقة احترافية ويُوجه لدعم المجتمعات العربية المتأثرة بالصراعات أو الكوارث الطبيعية، بشكل دائم ومنظم.

 

وعليه ننتهي إلى إن للأوقاف قدرة عظيمة على تجاوز الحدود الوطنية وتفعيل التعاون العربي الحقيقي، لما تحمله من طابع اجتماعي، واقتصادي، وتنموي. وإذا تم التخطيط لها وتفعيلها ضمن رؤية تكاملية عربية، فإنها ستكون أحد أهم أدوات تحقيق الرؤية الاقتصادية العربية المشتركة.

 

 

أهم المراجع المطلع عليها:

  • ابن قدامة (المغنى- الشرح الكبير)، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، جـ6، د.ط، سنة1403هـ- 1983م، ، ص185.
  • تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار الغد العربي، القاهرة، جـ5، ط1، (1409هـ/1989م)، ص3900.
  • سنن بن ماجة، ابن ماجة، دار إحياء الكتب العربية، مكة المكرمة، جـ1، د.ط، د.س، حديث رقم 242، ص(88، 89).
  • صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، دار إحياء الكتب العربية، الفيصلية، مكة المكرمة، جـ3، حديث رقم 1631، ص1255.
  • تقارير وزارة الأوقاف المصرية عن الاستثمار الوقفيفي الفترة من (2022- 2024).
  • وزارة الأوقاف المصرية.
  • وزارة الشؤون الدينية والأوقاف – الجزائر.
  • الهيئة العامة للأوقاف–المملكة العربية السعودية.
  • وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب.
  • الهيئة العامة للأوقاف – قطر.

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.