اقتصادنا الإسلامي
عدد مهدى الى ابراهيم ابو اليقظان فهو من بعث فينا الفكرة
جاء الإسلام بعقيدة وشريعةٍ نجاءً للبشرية أن تعبد غير الله وهو الظلم العظيم، وأن تحتكم لغير شريعته فتقع في الظلم، ومقصد “رفع الظلم” من أعظم ما قررته نصوص الوحيين، بل وفي الشرائع السابقة، ولو تأملنا لوجدنا أن التوحيد هو المشترك بين سائر الأنبياء، وأن الشرائع تختلف من نبيّ لآخر، يقول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم (الأنبياء إخوةٌ لعلّات : الدين واحد، والشرائع شتّى) ولو تأمّلنا أخرى لوجدنا أن أحكام الاقتصاد – وإن شئت قل المعاملات المالية- تكاد تكون أحكاما متفقٌ عليها، وأن شريعة نبينا لم تختلف عن شرائع من قبله كما في العبادات الأخرى، والمُتقرَّر أن شريعة من قبلنا، شريعةٌ لنا ما لم يقع الإختلاف، فهذا التطفيف محرَّمٌ في شريعتنا (ويلُ للمطففين) وقد حُرِّم من قبل في شريعة شعيب عليه السلام (وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) وقد استند علماؤانا إلى جواز “الجُعالة” تأكيدًا من شريعة يوسف عليه السلام ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ فما اتفقت الشرائع في شيءٍ اتفاقها في رفع الظلم بين العباد، من اجل ذلك لم يغضب الله من مخالفةٍ عمليةٍ من عباده ونعت غضبه بالحرب إلا في الرّبا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ!! مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ …) الآية
والنظرية الإسلامية في الاقتصاد الإسلامي في تمدُّد وتوسّع، فهي تنطلق نحو الفروع والجزئيات بدقةٍ، وبتكييف وتأصيل، وتُظهر مدى شمول نصوص الوحيين لكل المستجدات رغم كل التطورات وتداخل المعاملات، وهذا من تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية خلافا لمن زعم عدم كفاية النصوص وتناهيها : (…والصواب الذي عليه جمهور أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أحكام أفعال العباد. . وقيل: بجميع ذلك؛ وإنما أنكر ذلك من أنكره لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة التي هي أقوال الله ورسوله وشمولها لأحكام أفعال العباد وذلك أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية وقاعدة عامة تتناول أنواعا كثيرة وتلك الأنواع تتناول أعيانا لا تحصى فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد.) إ.هـ كلام ابن تيمية، فلكل نازلة حكمها في الوحي علمها من علمها، وجهلها من جهلها، يقول الشوكاني في إرشاد الفحول :
(…ثم لا يخفى على ذي لبٍّ صحيح وفهمٍ صالح أن في عمومات الكتاب والسنة ومطلقاتهما وخصوص نصوصهما ما يفي بكل حادثة تحدث! ويقوم ببيان كل نازلة تنزل عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله) إ.هـ كلام الشوكاني
بل هذا أسلوب القرآن الكريم في كل المجالات: يقول الدكتور مصطفى الزرقا : (من أسلوب القرآن الكريم في بيان شرائع الأحكام أنه يضع الأسس، وينصب القواعد الكلية، ويجمل الأوامر ولا يتناول فروع الأحكام وتفصيل جزئياتها إلا قليلا في بعض المسائل ولأنه لم يخض في التفصيلات كانت آيات الأحكام على قلتها دستورية شاملة جامعة ترجع إليها كل أحكام الشريعة وتفاصيلها) وهذا هو السر الأكبر لصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان
وبعدُ:
فإن مجلة “اقتصادنا الإسلامي” تعمل على هذا من خلال امتيازها – إن شاء الله – بدراسة المستجدات المالية التي يظن بعض الحداثيين أن الشريعة قاصرة على استيعابها ومواكبة التطورات الحاصلة عند غيرنا من الأمم، وبيان أن بريق الغرب لا يغرنا، فلقد ثبت عندنا أنه قائمٌ على الربا والظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، وإننا نقول : إن النظرية الإسلامية في الاقتصاد سابقةٌ لهذا الذي يزعم الغرب أنه استأثر بأوليته في في بنك إنجلترا أو بنك البندقية الإيطالي أو بنك أمسترام الهولندي، فهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه أسّس مصرفًا، وكان يقوم بتحويلات بنكية بفروع في دولٍ متفرِّقة، فكان يأخذ من قوم بمكة دراهم، ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق فيأخذونها منه، جاء في صحيح البخاري : أن الزبير رضي الله عنه كانت له إحدى عشرة داراً بالمدينة وداران بالبصرة ودار بالكوفة ودار بمصر كلها تقوم يتحويلات مصرفية، وكان يأخذ من الناس أموالهم كودائع شريطة أن تكون قرضا، وليس أمانة كي يستطيع التصرف فيها، والاستفادة منها، ثم يأت منهزمٌ أمام الغرب يفاخر بتقدُّمهم علينا !
وكان الإمام المصلح أبو اليقظان الميزابي الجزائري أول من دعا إلى إنشاء بنكٍ إسلامي في الجزائر، لكن فرنسا اللعينة منعته، فعسى أن يخرج الله من أصلاب الأمة الجزائرية من يبعث مشروعه.
وبعدُ: فرجاؤنا من رجاء المصرفي الكبير الدكتور رفيق يونس المصري رحمه الله حين قال : أرجو من الاقتصاديين المسلمين والعرب -أسرى الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي- أن يشقوا طريقهم إلى الاستقلال الفكري؛ ويقووا عقولهم بالشريعة والفقه وسائر العلوم الإسلامية؛ من مراجعها الرصينة لكي يكونوا من أصحاب الاجتهاد والابتكار والانعتاق من أسْر التقليد والولاء الأعمى) إ.هـ وأملنا أن تكون مجلتنا امتدادٌ لرؤية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتأكيد على امتياز الإسلام واستقلاله، فلا نقول برأسمالية الإسلام ولا باشتراكية الإسلام، ولا أننا وسطٌ بينهما، بل نقول : إنّ لنا : اقتصادنا الإسلامي.
والسلام
وكتب
المُتحنِّنُ إليهم
بن جدو بلخير
اللهم اجعلها فاتحة خير للاقتصاد الإسلامي في بلاد الجزائر وسائر بلاد المسلمين