عرض كتاب (السلم: بديل شرعي للتمويل التقليدي للدكتور: التجاني عبد القادر أحمد) د. فتح الرحمن علي محمد صالح- السودان-
مراجعة كتاب: السلم بديل شرعي للتمويل التقليدي وسوق ما بين البنوك
بقلم: د. فتح الرحمن علي محمد صالح (اقتصادي من السودان)
البريد الإلكتروني: fatahsalih@hotmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: مقدمة
تقدم المصرفية والمالية الإسلامية الحلول المالية المتكاملة للعملاء المتعاملين معها باستمرار وفق صيغ وآليات تتسم بالعدالة والشفافية والكفاءة، فضلاً عن ملاءمتها للحالة الاقتصادية والمالية لهؤلاء المتعاملين. فقد ثبت بالتجربة العملية للمصرفية الإسلامية والتي تزيد عن خمسة عقود أنها قادرة عبر الصيغ المختلفة للتعامل بكفاءة مع المنظمين ذوي الخبرة الذين لا يملكون الموارد الكافية، وكذلك الذين يملكون موارد محدودة ويرغبون في تكملتها لتمويل احتياجاتهم الرأسمالية والتشغيلية.
تمثل الحاجة للنقد (السيولة) أهمية كبرى لمؤسسات الأعمال وهو ما اصطلح عليه بتسمية رأس المال التشغيلي، كما أن الحاجة للوفاء ببعض الالتزامات العاجلة قصيرة الأجل أصبحت من التحديات اليومية التي تواجهها مؤسسات الأعمال. في المصرفية التقليدية، فإن مشكلة التمويل النقدي محلولة لكون أن القروض تقوم على الفائدة، وبالتالي فإن حاجة العميل للسيولة مقدور عليها باستمرار طالما يوفر الضمانات المطلوبة. بينما في المصارف الإسلامية، فقد طوّر الفقهاء صيغة السلم لتوفير التمويل النقدي المباشر للعملاء، ولأهميتها فقد رأينا أن نستعرض كتاباً حولها لإلقاء المزيد من الضوء على فنياتها وآلية تنفيذها في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية.
ثانياً: أهداف عرض الكتاب بالمجلة
يهدف استعراض أفكار هذا الكتاب إلى تحقيق الآتي:
- المساهمة في نشر ثقافة وأدبيات صيغ التمويل الإسلامية بصفة عامة، وعقد السلم بصفة خاصة.
- التعرف على الجوانب الشرعية والفقهية والفنية والتطبيقات المصرفية المختلفة لصيغ السلم، وإسهامه في تطوير سوق ما بين البنوك.
- تلبية احتياجات الجهات البحثية ومتخذي القرار ذوي الصلة بتطبيقات صيغة السلم في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية.
ثالثاً: الوصف العام للكتاب
يقع كتاب “السلم: بديل شرعي للتمويل النقدي وسوق ما بين البنوك” للدكتور التجاني عبد القادر (المستشار السابق لوزير المالية الاتحادية، ورئيس اللجنة الاستشارية العليا للصكوك الحكومية بالسودان) في 89 صفحة من القطع المتوسط. وصدر الكتاب في طبعة أنيقة ثالثة “مزيدة ومنقحة” عن شركة مطابع العملة المحدودة بالسودان للعام 2017م. وقد استند المؤلف على 37 مرجعاً عند إعداد الكتاب، مما يدل على سعة اطلاع المؤلف بالمصادر والمراجع ذات الصلة بموضوعات الكتاب.
رابعاً: منهجية الكتاب
اعتمد الكتاب على المنهج الوصفي التحليلي في التعريف بصيغة السلم، وجوانبها الفقهية، وتطبيقاتها المعاصرة في المصارف الإسلامية.
خامساً: الأفكار والمحاور التي تناولتها فصول الكتاب
اشتمل الكتاب على مقدمة وأربعة أقسام وخاتمة، وفيما يلي ملخص لأهم الأفكار والمحاور التي وردت فيها:
1. مقدمة الكتاب
شملت المقدمة مستخلصاً للكتاب حوى الموضوعات المختلفة التي سوف يناقشها بالتفصيل في الأقسام اللاحقة.
2. القسم الأول: الجوانب الفقهية لعقد السلم
تضمن القسم الأول من الكتاب خلفية شرعية عن السلم شملت تعريفه ومشروعيته وحكمته وأركانه وشروطه، وأبرز ما جاء فيه:
- السلع التي يجري فيها بيع السلم: بيّن المؤلف أن السلم يجري في كل سلعة يجوز بيعها، والمنضبطة صفاتها وتثبت ديناً في الذمة، وتعرف هذه السلع بـ (المثليات)، حيث غيرها لا يجوز فيه السلم.
- الأحكام المترتبة على العقد: توضيح أحكام انتقال ملكية الثمن والمبيع، والتطرق لبيع بضاعة السلم قبل قبضها، وقد جوّزه فقهاء المالكية لغير بائعها إذا لم تكن طعاماً.
- انقطاع السلعة وتوثيق الدين: بيان حكم حالة عدم توفر سلعة السلم عند حلول الأجل، والآراء المختلفة الموجبة للإقالة. كما تطرق لجواز توثيق دين السلم بالرهن أو الكفالة عند جمهور المالكية والشافعية والأحناف.
- أحكام التسليم والتعيين: جواز الاتفاق على تسليم المسلم فيه على أقساط، وجواز تعيين السلعة بتحديد مزرعة أو مصنع أو بستان بعينه ينتج سلعة السلم.
- السعة التمويلية: ناقش المؤلف مسألة التسليف في عقد السلم (حيث هناك من لا يوافق أصلاً على أنه عقد بيع)، مؤكداً سعة العقد التمويلية وأن من حق البائع استخدام رأس مال السلم في حاجته أو النفقة على نفسه والتعامل فيه كيفما شاء بشرط تسليم المسلم فيه في موعده.
3. القسم الثاني: عقد السلم البديل للتمويل المصرفي التقليدي
تطرق الكاتب في هذا القسم لميزة عقد السلم التمويلية، وفصّلها كالآتي:
- تلبية حاجة المنتج والصانع والتاجر لرأس المال العامل ليستعين به على نشاطه الاقتصادي.
- تحقيق رغبة المشتري في تحصيل بضاعة محددة الكمية والوصف بثمن أرخص نسبياً بسبب تسليف ثمنها مقدماً.
- إبراز الدور التمويلي المتميز والفريد لعقد السلم في التطبيق المعاصر (والذي قد يختفي خلف الفكرة النمطية للشراء من المنتجين فقط).
- استعراض أوجه مرونة عقد السلم مقارنة بالصيغ التمويلية الأخرى، وكيفية استخدامه في السلع الدولية بما يوفر النقد للعميل، مع توضيح المشكلات الشرعية المتعلقة بهذا الجانب والحلول المقترحة لها.
4. القسم الثالث: التطبيقات المعاصرة لعقد السلم والمعالجة المحاسبية
ناقش المؤلف في هذا القسم استخدامات عقد السلم في العمل المصرفي الإسلامي المعاصر:
- تمويل القطاعات المختلفة وبخاصة القطاع الزراعي، وتشغيل ودائع المستثمرين على أساسه.
- عرض نماذج عملية من واقع تجربة المصارف السودانية لعقد السلم لتوضيح المعالجة المحاسبية الصحيحة وما قد ينتج عنها من مشكلات في التطبيق.
- أهمية السلم الموازي في تطبيقات عقد السلم المصرفية وكيفية ومجالات استخدامه، مع بيان المعالجة المحاسبية لعقدي السلم والسلم الموازي مدعمة بأمثلة رقمية مبسطة.
5. القسم الرابع: السلم وسوق ما بين البنوك
ابتدر المؤلف هذا القسم بالحديث عن حاجة المصارف لقنوات فاعلة لإدارة السيولة سواء في حالة العجز أو الفائض، والاشكاليات المتعلقة بها، ثم استعرض الحلول التالية:
- الصيغ الملاءمة لعمليات سوق ما بين البنوك: مثل المشاركة، المضاربة، السلم، والقرض الحسن.
- صيغ بديلة لإدارة السيولة: اقترح المؤلف صيغاً أخرى مثل التورق البسيط، والتورق المنظم (مع بيان التحفظات الشرعية عليه)، وصيغة “إجارة العين لمن باعها إجارة تشغيلية”، وصيغة القروض المتبادلة.
- مؤسسات الوساطة والصكوك: ناقش إمكانية تقديم التمويل النقدي من خلال مؤسسة الوساطة المالية عبر عقود محددة كالسلم والمشاركة والقروض المتبادلة، بجانب خيار توسيع إصدارات الصكوك عبر صيغ مبتكرة مثل صكوك بيع المنافع العامة (تأجير الطرق والجسور) وصكوك تمويل مشروعات البنية التحتية.
سادساً: التقييم والتحليل والقيمة العلمية للكتاب
أولاً: نقاط القوة (Strengths)
- يعتبر الكتاب مبادرة مهمة من المؤلف في تطوير تطبيقات عقد السلم، وهو جهد يُشكر عليه د. التجاني عبد القادر نظير اجتهاده المتواصل لتطوير تجربة الصكوك الإسلامية في السودان إبان توليه منصب مستشار وزير المالية والاقتصاد الوطني، مما يساهم في ترسيخ ريادة السودان للمصرفية الإسلامية دولياً.
- تغطية موضوعات الكتاب من خلال أقسام كتبت بلغة رصينة وواضحة، وعولجت بمنهجية علمية واضحة تسهل على الباحثين والمهتمين تفهم مدلولاتها بسهولة ويسر.
- احتواء الكتاب على حجج وأسس فقهية وفنية واضحة لعقد السلم وتطبيقاته المصرفية المعاصرة مدعمة بالأدلة والبراهين والأمثلة الرقمية، مما يسهل تفهم دور العقد في إدارة السيولة على المستويين الجزئي والكلي.
- تقديم أدوات ذات طابع عملي لإدارة السيولة في سوق ما بين البنوك، وهو ما يمثل مدخلاً مهماً للدراسين اللاحقين حول هذا الموضوع المستجد على الساحة المصرفية السودانية، سواء عبر مؤسسات الوساطة المقترحة أو عبر التطبيقات الجديدة للصكوك الحكومية.
ثانياً: نقاط الضعف (Weaknesses)
- أن عدد صفحات الكتاب (89 صفحة) لا يتناسب تماماً مع حجم وتعدد الموضوعات العميقة التي تم بحثها؛ حيث اختصر الكاتب في كثير من أجزائه، وبالأخص في محور استخدام عقد السلم في تطوير سوق ما بين البنوك والأدوات المالية المستخدمة فيه على الرغم من أهميته البالغة، ولعل ذلك يوضع في الحسبان ضمن خطة تطوير الكتاب مستقبلاً.
خلاصة التقييم: يعد الكتاب محاولة جادة وصادقة للإسهام في تطوير المعرفة العلمية والتطبيقية لعقد السلم في المصارف الإسلامية، مما يجعله مرجعاً أساسياً يستند إليه الباحثون والمتخصصون والطلاب في بحوثهم ذات الصلة.
سابعاً: الخاتمة والموضوعات البحثية المستقبلية
في ختام استعراض موضوعات هذا الكتاب القيّم للعام 2017م، وفي سبيل فتح آفاق جديدة لاستفادة الباحثين والدارسين، نقترح العناوين التالية كمشاريع لبحوث مستقبلية قادمة:
- الصيغ الشرعية لتمويل رأس المال العامل: الواقع وآفاق التطوير.
- محددات استخدام صيغة السلم في التمويل بالمصارف الإسلامية: دراسة إحصائية/قياسية.
- مقاربة فقهية لأدوات تطوير سوق ما بين المصارف في التجربة السودانية مقارنة بالتجربة الدولية.