إن كمال الشريعة شيءٌ ثابت مُتقرّرٌ مُجمعٌ عليه، ومن مظاهر هذا الكمال استيعاب الشريعة لكل المستجدات والنوازل وهذا يزيدها كمالا وحسنا عن الشرائع السماوية الأخرى والقوانين البشرية التي انقطعت عن الاستمرار والاستيعاب
ثم إن الله عز وجل قد نصب لكل مسألة حكماً شرعياً معيّناً يجتهد العالم في معرفته، أدركه من أدركه وقصُر عنه من قصُر، لأن الأئمة قد يختلفون في تنزيل النصوص وتخريج أحكام الفروع عليها
وأئمة الإسلام خاصة الأربعة منهم قد اتفقوا على أصول أربعة الوحيين والاجماع والقياس واختلفوا في أصول أخرى بين معتبر بها ومبعد لها، ومما اشتهر من هذه الأصول سدّ الذرائع فلم ينكرها احد من الأئمة وإنما وقع الاختلاف بين مغال في الأخذ بها كالمالكية وبين متهاون كالشافعية، وترى الظاهرية قد اصطلحوا عليها بغير ما اصطلح عليها الأئمة، لكنهم في جوهرها متفقون عليها، وعلى هذا الأصل تخرجت كثير من العبادات والمعاملات منعا وتحرّجا، وسُدّت كثير من المعاملات درءً لإذاعة المحرم ومنعت كثير من الأعمال دفعا لشبهة الابتداع ..وهذا الأصل –في الجملة- صحيح، إذ فيه حياطة للدين فالنظر للمآل من مقاصد الإسلام ومراميه
ونرى من العلماء من عاود النظر في الذرائع لما رأوا من وقائع وحوادث في عالم المعاملات خاصة، وقد أصابهم منها رهق وعنت، ولما كان الأصل اليسر ورفع الحرج، والتيسير على الخلق وعدم تفويت المصالح، ولأن في تأصيلات العلماء ما يحمي معاملات الناس ويضبطها، وجدوا أن في فتح الذرائع حماية للدين كما في سدها، وأن الفقيه الذي يبالغ في الاحتياط قد يضر ويحرج ويدفع الناس إلى المحظور ، فكان لزاما أن يراعي مستجدات الناس واختلاف الأزمنة والدلالة على صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان وملاحقة كل عصر بما لا يعطل معاش الناس،فكان منهم ما أريد الإشارة إليه وهو فتح الذرائع، يقول القرافي المالكي : (اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدَّها يجب فتحها، وتُكره وتُندب وتُباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أنَّ وسيلة المحرَّم محرَّمة، فوسيلة الواجب واجبة ) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (وما كان منهيا عنه لسد ذريعةٍ لا لأنه مفسدةٌ في نفسه، يُشرع إذا كان فيه مصلحةٌ راجحة، ولا تفوت المصلحة لغير مفسدة راجحة) فيخرج من محل النزاع ما يُفضي إلى محرم مقطوع به، وما يُفضي إلى مباح مقطوع به، وما كان محرما لذاته، وإنما الاجتهاد في تغليب مصلحة على مفسدة أو العكس، والدافع الى هذا هو حاجة الناس ومصلحتهم، والشارع لا يفرط ولا يغفل عن هذا، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرّم المزابنة وهو بيع التمر الرطب في نخله بيابس، لكنه أجاز فيما دون خمسة أوسق لحاجة الغذاء والمعاش، فمن هنا جاء نظر العلماء بفتح الذرائع.
ومما نضطر اليه في فتح الذرائع لحاجة الناس استثمار أموال الزكاة فيما يراه ولي الأمر عائدا بمصلحة راجحة، فإن الأصل هو أن تُصرف الأموال على من سماهم الشرع وحددهم وجوبا بلا تأخير، وهذا أصل لا نماري فيه، ولكن إن رأى ولي الأمر أن يسثمر هذه الأموال في مشاريع ربحية تعود على هذا المال بالنماء، ودفعه إلى هذا نقصٌ في الأموال أو زيادة فيه أو قلة المزكين أو تبدّى له مشاريع يغلب على الظن أن عوائدها أضمن ربحا من خسارتها، فله أن يستثمر وإن خالف الأصل جريا على القاعدة (تصرُّف الإمام على الرعية منوطٌ بالمصلحة) واقتنصوا هذا الاستثناء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعطى لعروة البارقي رضي الله عنه دينارًا يشتري به أضحية أو شاة، فاشترى به شاتين فباع إحداهما بدينار، فأتاه بشاة ودينار فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابًا لربِح فيه) فقال العلماء ألا ترون أن عروة قد تصرف في مال غيره بغير إذن مالكه قصد الاستثمار ولم يُنكر عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكذلك يحق لولي الأمر ما حق لعروة، ولأنه يحق الاستثمار في أموال الوقف فلا ريب أن هذا قريب من ذاك، ولأن كثيرا من العلماء أجازوا تقديم الزكاة لمصلحة فلا يَفرُق الأمر مع التأخير، ولأن المراد هو تحصيل منفعة أكبر وتوفير أموال أكثر ومشاريع أضخم، ولأن مال الزكاة قد يكون قليلا ونفعه محدود، تماما كما روعي هذا في مال اليتيم الذي تأكله الأيام والليالي، فجاز الاستثمار فيه، فها انت ترى أن فتح الذريعة هنا أوفر للمال من سدها مخافة تأخر الاستحقاق!!
ومن الذرائع التي فتحت ولم تُسد عند أهل النظر بيع المرابحة فإنها باب من أبواب بيع الآجل المفضية إلى الربا، لكن العلماء اشترطوا لتجويزها الملكية والحوز وتحمل العثار، لكي يفتحوا بابا على الناس اضطرتهم إليه الحاجة وألجأهم التوسع، وكذلك الأمر في التورق الفردي فقد أجازوه خلافا للتورق المنظم دفعا لربا العينة وتمييزا عنه
وبعد : فإنما كان المراد أن في تأصيلات العلماء رأسا ما يفتح باب الاجتهاد ويوسع على الناس، وكل هذا إنما يكون بعلم العلماء وضوابطهم وشروطهم التي وضعوها وفصلوها، وليس هذا لعامة الناس ولا لطلبة العلم وإنما للخاصة ممن نظروا في مجموع الأدلة النقلية والعقلية والمقاصد حتى لا تكون فتنة فيستحل الناس المحرم بدعوى الحاجة و يستسهل الناس المحظور ويغيب التورع، فيجترئ الناس ولا تُعظم الشرائع والعلم عند الله تعالى
وكتب المُتحنِّنُ إليهم
بن جدو بلخير
هيئة التحرير